صياغة الذهب.. فن وجمال
"الأهالي" تتجول في سوق الصاغة بالناصرية
جاسم ضيدان
منذ القدم اولع العراقيون باقتناء الذهب والمجوهرات والأحجار الكريمة، والعراق من البلدان المعروفة بصناعة المصوغات الذهبية حاله حال كل البلدان العربية، ولأنه مهد الحضارة والعلوم والفنون عرف الذهب منذ أقدم العصور وقد تخصص أبنائه في فن صياغته وعملوا على صناعة زينة النساء كالقلائد والخلخال والمحبس و(الباون).. وفي سوق الذهب بالناصرية العديد من الصاغة المهرة في صناعة المجوهرات، تعلموها بالوراثة من آبائهم، ويشكل الذهب في المناطق الجنوبية وخاصة مدينة الناصرية تحف أثرية نادرة حيث تحتفظ بها العوائل للزينة والتجارة عند الحاجة.
الصياغة الجنوبية.. ميزتها الدقة بالعمل..
ومن الصاغة الذين برعوا في الناصرية الصائغ شاهين قليل والصائغ ربح كاصد، فقد برعوا بتحويل السبائك الذهبية والتي كانوا يشتروها من المصارف الحكومية إلى أشكال فنية متعددة الأغراض تتميز بالجمال والروعة، والصياغة الجنوبية تمتاز عن غيرها بدقة العمل وتماسكها الفني الذي يجسد أصالة التراث والتعبير عن قيم الحب والخير، والتعامل مع الذهب ليس بالأمر السهل بل هو عمل مضني ويحتاج إلى صبر وخبرة وعلى من يمارسه أن يكون من ذوي الخبرة والممارسة معاً.
في الناصرية، للفن خصوصية..
وعند دخولنا أسواق الذهب في الناصرية حدثنا الصائغ حكيم سليم، وهو مسئول الطائفة المندائية في الناصرية بالإضافة إلى عمله كصائغ، حيث قال: يعتبر بلدنا من البلدان المتميزة بصناعة المصوغات الذهبية التي تركزت في أغلب محافظات العراق.. أما في الناصرية فإن للفن الجمالي خصوصية، وهنا كنا سابقاً نفترش الأرض لبيع أخر موديلات الذهب التي نطلع عليها من خلال الماركات العالمية التي تصلنا عبر مجلات تأتينا من ايطاليا والهند، لان الذهب فيها يمثل مدارس معروفة.
ويشاركنا الحديث الصائغ رحيم خيري بالقول: لقد تعرضت المهنة إلى انتكاسات عديدة، منها عدم الحصول على السبائك بالقدر السهل حيث كانت صياغة الذهب في الثمانينات مزدهرة جداً وذلك لان البنك المركزي العراقي كان يزود الصاغة بحصص شهرية من السبائك الذهبية وبمقادير مختلفة نتيجة للانتعاش الاقتصادي في ذلك الوقت ولارتفاع سعر الدينار العراقي، فكانت تجارة الذهب والمصوغات الذهبية مزدهرة جداً وخاصة في الناصرية حيث برع الصاغة في صناعتها وتعددت ألوانهم، ولكون المحافظة مكان سياحي يرتاده السواح العرب والأجانب لمشاهدة اهوار (الجبايش) والحمار فقد كانوا يشترون هذه المصوغات كهدايا ويأخذونها إلى بلدانهم وخاصة إلى دولة الكويت والى إيران، لكن حروب الطاغية وعنجهيته في الحرب العراقية الإيرانية أثرت سلباً علينا فتعثرت صناعة الذهب وانقطع البنك المركزي العراقي عن تزويد الصاغة بالحصص الشهرية من السبائك، بالإضافة إلى قرار الحكومة الخائب بتبرع كل عائلة بقطعة ذهب أيام الحرب.
الذهب الخليجي و(الوسم)..
وبعد سقوط النظام والحديث للصائغ يحيى منشد، عمت الفوضى حيث أغلقت المؤسسة العامة للتقييس والسيطرة النوعية أبوابها وهي الجهة الرسمية الوحيدة المخولة بفحص الذهب ووضع (الوسم) عليه لتمييزه، أما الآن فالصاغة يصنعون (الوسم) على مسؤوليتهم لتحديد جهته ومن دون رقيب، فأخذ التعامل بالمصوغات الذهبية (الخليجية) يزداد بشكل ملحوظ كونها تحتوي (وسم) حقيقي غير مزور، ونتمنى لو تعود المؤسسة إلى ممارسة عملها في بغداد والمحافظات.
الأوضاع الأمنية تؤثر على الصياغة..
والتقينا الصائغ الشاب أسامة صائب، حيث قال: مشكلتنا الآن تكمن في عدم تمكنا من شراء كميات كبيرة من السبائك من بغداد لنقلها إلى الناصرية في ظل أوضاع أمنية متردية جداً، بسبب تعرضها للسرقة أو السلب، وبالتالي أصبح بيعنا قليل جداً بحيث لا يسد قوت عوائلنا، فأقترح لو يصار إلى بيع السبائك في كل محافظة من خلال تحديد مصرف واحد وبسعر معقول لنكون في مأمن واستقرار تسهيلاً لعملية (وسم الذهب) وحتى تنشط هذه المهنة الجمالية.
أنواع الذهب..
وحدثنا الصائغ كمال خلف عن أجود أنواع الذهب وأكثرها بيعاً في الناصرية، بالقول: الذهب نوعان الخالي من الشوائب و المخلوط، وعندما نقول هذا ذهب (تيزاب) فنعني بذلك الذهب الخالص النقي وإذا قلنا ذهب مخلوط يعني غير نقي، يحتوي على نسبة من معدن النحاس.
أما الصائغ سامر حنظل فيقول: بالإضافة إلى أنواع الذهب التي ذكرها الصائغ كمال هناك نوع يسمى (الخشاله) سواء أكان نظيفاً أم مخلوطاً، والفرق بين الخشالة والمصاغ حديثاً في أجور الصياغة فقط.
رصيد الأيام الخوالي..
وشاركتنا الحديث أم عدنان التي وجدناها قرب احد محلات الصاغة بالقول: الذهب زينة وخزينة، نلبسه في المناسبات المفرحة وفي لحظات حاجته أحياناً نبيعه أو نرهنه.. في السابق كنا نرهن الذهب في مصرف حكومي خاص وفق شروط معينة ونحصل بالمقابل على قرض مالي بفائدة.
أما أم حيدر، فتقول: المرأة في الجنوب عندما لا تحصل على الذهب لفقر حالها ولإبراز زينتها وجمالها تميل إلى عمل (الوشم) في كل جسمها وبرسوم فنية وأشكال هندسية، كبديل عن المصوغات الذهبية.
في الختام..
يبقى الذهب في الناصرية عامراً، ويبقى باعته في نشاط دائم وعمل دءوب من اجل إبراز فتنة المرأة وجعلها أكثر حسناً وإبراز الذائقة الجمالية بعد لبس هذا المعدن الثمين.