English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
*هنكاريا رقم خمسة

سوسن سيف

في المترو
وعازف اسمر كث الشعر وقد انسدل شعره على كتفيه وعلى وجهه معالم اوربا الشرقية وقد استقرت لحية سوداء صغيرة على مؤخرة وجهه وامتزجت مع شاربين كثين ايضا
كنت اتتبع ما يعزف هؤلاء الذين يتجولون في قطارات الانفاق وينثرون تلك الالحان الرائعة مقابل قطع صغيرة من النقود , وكم كنت ارى تلك القطع الصغيرة تافهة امام ابداع بعضهم وافكر بأن هذا العازف يجب ان لا يكون مكانه هنا .. لم تكن تهمني الضجة وصوت القطار الهادر ووقوفه المفاجئ في فترات قصيرة ما همني ان اراقب اصابع ذلك المبدع وهو يداعب اوتار الكمان
هنكاريا خمسة .. بدأ الرجل يعزف تلك المقطوعة التي أحببتها كثيرا ومن سنين طويلة وطالما أخذتني الى ضفاف الحلم قبل ربع قرن مع الموج .. مع الريح الى هناك
.. الى هنكاريا .. الى بحيرة البلاتون وفندق مارينا واربعة عازفين وانا وهو
هنكاريا خمسة والحلم الاخضر والشباب المتدفق وعيناه الخضراوتان الشتائيتان , حين كنت كلما انظر الى تلك العينين اعبرالى جزر مجهولة بعيدا بعيدا حيث تلقي بي على شواطئها الفيروزية .. هنكاريا خمسة والحلم الراجع برائحة العطر الذي أحببته منذ اول لقاء
سألته
- ما اسم هذا العطر ؟
- كرستيان ديور للرجال
- سأضعه لك وحدك دائما
وبدت الطاولات ذات الشراشف الحمراء التي تتوسطها حزمة الورد الاحمر والعازفين الاربعة بملابسهم المطرزة بألوان زاهية يتخللها بريق ذهبي مثير وشعورهم الناعمة الطويلة المربوطة من الخلف اقتربوا منا كثيرا وبداوا يعزفون تلك المقطوعة التي اسكرتني وشعرت اني احلق مع الالحان التي بدات تذوب في مخيلتي وتتلاشى مع ىمشاعري الملتهبة وغرقت من جديد في العينين الخضراوتين وسافرت , لا ادري الى اين غير اني كنت اطير واطير وهنكاريا خمسة ترتفع معي الى السماء
انا في قطار خريفي واشجار باريس تلفظ اوراقها الذهبية لتفرش الارض بذات اللون أيمكن ان يكون الخريف هنا بكل هذا الجمال ؟كانت الريح تحرك الاوارق اليابسة وترمي بها كأيامنا وخريف العمر ينتحب في اعماقنا المجدبة
هنكاريا خمسة اسمعها الان واتساءل اين انا ؟ واين هو؟ واين يمكن ان يكون الان ؟
القطار يسير واللحن يحرق أنفاسي وشعور بالغربة يحاصرني والرحلة الى ذلك المكان الى مارينا الفندق والبلاتون وانا وهو والحب
لا ادري ان كان حيا او ميتا كل شئ انتهى ومضى كل واحد منا في طريق
تحاصرني اسئلة كثيرة مريرة ولا اجد جوابا في هذا المكان والزمان اين الجزر والشواطئ الفيروزية اين الحلم الجميل الممزق وانا احاول جمعه وترتيبه بين وجع الموسيقى وانينها
يوم قادني في ذاك المساء الى بحيرة البلاتون ولم اكن اجيد السباحة حملني الى الماء الصافي وقال
- انظري الى الحصى تحت اقدامنا بربك هل رأيتماءا صافيا كهذا ؟
قلت - لا انه فعلا يثير الدهشة اكاد اعد الحصا الصغي هذا
- تعالي معي اذن
وحملني الى اعماق البحيرة وانا احدق بالسماء التي كم بدت قريبة مني وكدت المس الغيوم بيدي
كانت هناك جبال بنفسجية بعيدة وكم كنت أظن نفسي هناك وعلى القمة
في تلك الليلة والعازفون يعزفون ونحن نتناول العشاء ومن النافذة الكبيرة المجاورة كانت البحيرة تطل بأضوائها المتلئلئة والجسر الخشبي يشبه شبحا اسطوريا غريبا خرجنا نتمشى عليه وهو ممسك بيدي والموسيقى ما تزال
سأحملك الى آخر الدنيا
احبك بحجم تلك النجوم
وانت معي لا يمكن للدنيا ان تكون اكثر جمالا مثل الان
هنكاريا خمسة والعازف الاسمر والحلم والنغمات الذهبية المسافرة بعيدا التي تحفر في الوجدان شئ لا يمكن وصفه حين يأخذنا الحب نصنع العالم نحن وكما نريد.. وجع الذكريات يمتزج مع اللحن يتلون فيه يتيه معه الزمن المنسي يصر على الحضور . وجههه يملا المكان هنا رغم كل هؤلاء الركاب
المترو والناس ينزلون ويصعدون , فتاة تستريح على كتف رفيقها الغافي , طفل يحيط بجيد امه الشقراء ’ رجل اسود يحدث امرأة سوداء ويضحكان معا حت تظهر اسنانهما البضاء وانا اسكن في اللحن واسافر فيه الى قبل ربع قرن
خرج الصبي الجميل من البحيرة قال لي وهو ينظر الى الطفل
- اريد ولدا مثل هذا
قلت
- لا .. اريد شبيه لك
- وبنت تشبهك
- نعم .. ولد وبنت
- موافقة
وركضنا في الرمل الذي احتظن اقدامنا
الموسيقى في المترو تعذبني لم اكن ارغب ان اسمعها وحيدة بمرارة الغربة بكل مساحة الحزن الذي احتلني تماما
تساءلت
اين انت ؟
مضى الكثير الكثير من الزمن وانت لا
لا يمكن ان اصدق ان الحلم لا وجود له
هل يذكر القاعة الحمراء والورد والبحيرة وهذه المقطوعة وانا وهو ؟
وقفت قبل ايام اسأل محل لبيع تسجيلات للموسيقى وسالته عن هنكاريا رقم خمسة ورايت الحيرة على وجهه قلت لنفسي ربما لم يفهم الانكليزية ولعله يفهم نمرو سانك بالفرنسية فاجاب بلا فقد قضيت وقتا طويلا اسال عن هذه المقطوعة , رغم مرور السنين ورغم الايام التي فقدت نكهتها ورغم تلك الاعماق المجدبة التي بدأ الخريف بأحتلالها ورغم عبور سنوات الشباب التي ولت دون رجعة حتى تسلل النسيان في روحي ومحى الكثير من معالم ذلك البلد الذي سكناه .. لقد بحثت عن تلك المقطوعة ولم اجدها , واليوم في هذا الوقت الخريفي الحزين وانا وحيدة وحيدة تماما اسمعها الان هي التي جاءت لي قبل ان اذهب اليها يعزفها هذا الرجل البائس , من اين جاء؟ ليوقظ في اعماقي جرح اوشك على الاندمال ويعيد لي من جديد ما ظننته انتهى , وبحثت في جيوب معطفي وفي حقيبة يدي عن كل القطع النقدية الصغيرة لاضعها في قبعته المتهرئة , لو استطعت البكاء وانا هنا وحيدة.. وكأن الزمن سال على يدي ووجهي وثوبي كان هنك قلب ينبض بالحياة لكنه توقف مع العازف فلم اعد اشعر بشئ سوى رغبتي الى البكاء بعد ما تلاشى ذلك الزمن المنسي اعطيته النقود فانفرجت شفتاه بابتسامة عريضة ونظر الي نظرة امتنان وحين وقف القطار لم ينزل بل مال بجسده محييا وعاد يعزفها من جديد وارتفعت هنكاريا خمسة بكل عنفوانها والقطار يدخل نفقا مظلما آخر وانا امنع دمعة من السقوط وتلاشت العينان الخضراوتان الى الابد غريب ان نجد في مسيرة حياتنا اليومية بعض المحطات التي نتوقف فيها لتأخذنا الذكريات الى زمن حب لن يعود ابدا

*من مجموعتي القصصية
احزان لهذا الشتاء