English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

عن " البنجـــــة " التي زارتنا يومـــاً مـــــا ..

عبد الجبار السعودي

وسط صفكـــــات وهلاهـــــل وأيقاعات خليجيــــــة ، و وجوه نضرة ملؤها الفرح والنشوة بقدوم المناسبة ، رقصت الشبيبة المندائية التي كانت تجمعها رحلات ومناضد قاعات الدراسة في جامعة البصرة ، لتغني أبياتاً من الشعر الشعبي صيغت و لحنت على أنغام أغنية خليجية ( كويتية ) من أحدى الأوبريتات الشعبية الفنية التي قدمها التليفزيون الكويتي عام 1973 . غنى الجميع طلاب وطالبات مع عطر أيام الربيع التي تهل وتعبر أجواء البصرة بشكل سريع يكاد لا يذكر ! وكانت لساحات وحدائق نادي التعارف الذي أفتتح عام 1974 في بناية حدائقها غناء متشابكة ، تلامس إحدى ضفاف الأنهار وتحيط بها أشجار الكالبتوس الوارفة الظلال وأشجار نخيل البرحي التي تشتهر بها منطقة الطويسة وأشجار الورد الجهنمي بألوانه الزاهية والمتداخلة مع شجرة ملكة اللليــــــل التي تبعث بعطرها الفواح وهي تحتضن بتناغم جميل أجنحة البلابل والفراشات المتطايرة هنا وهناك .. وتأخذك في نشوة عابرة مع أحلام السندباد البصري الذي حط على شواطئ البصرة يوم ما! وسط هذه الأجواء وأنتعاش الأجواء الثقافية والأجتماعية والأقتصادية لقطاعات واسعة من أبناء المجتمع العراقي ، إجتمعت الشبيبة المندائية لتغني في هذه المناسبة ، تعبيراً عن فرحها وأعتزازها وأملها بأن يكون ليوم البنجة عطلة رسمية معترف بها ، رغم التعتيم الكبير الذي كان يفرض على المندائيين وسط القوانين المعروفة آنذاك.. رقص الجميع من الحضور مع لمة الآخرين من الصغار والكبار من العائلات المندائية ، وصفقوا ( الخشابة البصرية ) العذبة الأيقاع والتي لايجيدها إلا أبناء البصرة تحديداً ! كان الأصوات تصدح وتغني وتتمايل الأجساد مع رقصة الهيوة المعروفة . كانت الكلمات تتحدث عن مناداة الطلبة المندائيين لبعضهم البعض وهم يحضرون الدوام ، رغم كون المناسبة عيداً لهم ، وكان الأحساس بالقهر والتمييز وعدم منحهم لأجازة ما أو الأعتراف بيومهم الديني ، بمثابة سخرية من كل ما يدور حولهم .. وجاءت الكلمات :
شيـــــــــــــــلي كتبـــــج .. شيلي كتبـــــج وأمشي للنادي
خلــــّي وحده إتسجـــــّل إسمج لو إجه إستـــــــــــادي
نعوف الدوام .. اليوم بنجة
ماكــــو دوام .. اليوم بنجة
( و يردد الجميع )
ماكو دوام .. اليـــــــوم بنجة
( ويأتي دور الشباب ليغنوا )
شيل كتبك .. شــــــيل كتبك .. وأمشي للنادي
خلي وحده إتسجــــل إسمك لو إجــــه إستادي
عوف الدوام .. اليوم ... بنجــــــــه
ماكو دوام .. اليـــــــــوم بنجة
ورغم عفوية الأداء الذي كا يؤديه الجميع ( والذي يطول لمقاطع أخرى من الأبيات والتي نسيت بعض من مفرداتها عبر هذا الزمن القاسي الذي يسحقنا منذ عقود طويلة ومريرة ) ، فإن الحضور وأكفـــــّهم كانت تلتهب و تلهب الأجواء أنغاماً بصفقات الخشابة المتنوعة .. والضحكات التي كانت تتناثر في أجواء النادي العطرة بكل شيء إبتداءاً من عطر الورود الجوري و رائحى الثيـــــّل العبقة الى رائحة اللبلبي والحمص بطحينة ورائحة البطنج المصاحب للباقلاء المطبوخة في قدور النادي والتي تذوب بين أصابعك وأنت تمسك بخاصرتها اللينة ! والى مطبخه العتيد الذي أشتهر به وحتى رائحة الكباب المشوي والمعجون والمحضــــّر بأيادي معروفة من أشهر الطباخين في البصرة والذين كانوا يعملون في نادي التعارف طوال سنواته الممتدة في مدينة البصرة.
وبقيت تلك الكلمات المتناغمة والمحبوكة شعرياً والأغنية بذاتها تؤدى طوال سنوات هذه المناسبة التي لم تكن لتعني شيئاً للجميع من الأوساط الشعبية الغير مندائية آنذاك ، إلا إغلاق الكثير من المندائيين لمحلاتهم ولخمسة أيام متتالية !
زارتنا ( البنجـــــة ) و ستبقى تزورنا كل عام وعــــــام ، وإذا كانت الذكريات هي كل ما تبقى من زمن جميــــــل عشناه وعاشه أهلنـــــا ومعارفنا وأحبتنـــــا ، فإن إحياء تلك المناسبات وتذكرها والتذكير بها هو محاولة للعيش والأستمرار وإذكاء الأمل بلمـــــة ما في سفرة أو حفلة هنا وهناك رغم قسوة الأيام التي يعيشها المشردون من أهلي المندائيين.

زارتنــــــا البنجــــــة وستبقى تزورنـــــــا كل عام وعـــــام .. وستعود لنـــــا في كل عام بحلة جديدة إن أعدنــــا إحياءها من جديد دون صخب وأبتذال و عبور سريــــــع !

طابت أيامكم عافيـــة وأمان
و
عَســــــــاكم من عَــــــــوّاده


17 آذار 2007