English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
عبد وحواح ، البسمة التي ستظل معنا

عبداللـه داخل



رغم أنني لم أرَ عبد وحواح الناشئ لثلاثين سنة خلت، فقد حزنتُ كثيرا لرحيله ، ليس فقط لأنني عرفته منذ 1952 ، وانما أيضا لكونه واحدا من أفضل مثقفي الصابئة المؤمنين برجحان كفة العلم في الحياة ؛ إذ كان ذا ثقافة ذاتية كوّنها برغبته واهتماماته الشخصية في حب الاطلاع على الثقافات ، بدءاً بالثقافة العربية والأدب العربي ، فكان حتى قبل 52 ، مثلاً ، وربما قبل أن يغادر بلدته المجر في جنوب العراق ، مُـلِمّـاً بالكثير من الآثار الأدبية العالمية ، فكان يقرأ لأدباء روس وانكليز واميركان وملماً بجميع كتابات جبران خليل جبران ، على سبيل المثال ، حريصا على اقتنائها مع مجموعات لكتّـاب آخرين ، وكان يقرأ لأصدقائه "أعطني النايَ وغنِّ " وقصائد جميلة اخرى لجبران .

كان يسكن غرفة ً صغيرة متواضعة في بيت يضم عدة عوائل في محلة الأرمن بكركوك ويشتغل معلما ً ، كما كان يساعد الطلاب كثيرا بتدريسهم في بيوتهم باجور زهيدة ، فقد كان يتقاضى مائة فلساً فقط للمحاضرة رغم انه كان يـَعـْـلم أن باستطاعته الحصول على اكثر، ولذا كان محبوباً من قبل جيرانه ومتمتعا باحترام الجميع .

اضطر مرة أن يشتغل عامل صياغة ، بأجور يومية ، ولم يكن يجد ضيرا ً في هذا الانتقال من "البتي بورجوا إلى البروليتاريا" على حد تعبيره ، بيد أنه صار مبدعا في عمل "الفلكري" الذي كان ينتجه قليلون من العمال ؛ كان عملاً يتطلب الكثير من الدقة والصبر ، وكان تذمره من ظروف العمل وقلة الأجور سيلا ً من النكات على أرباب الأعمال رغم ارتباطه ببعضهم بعرى صداقة حميمة ، إذ كان يقول أنه يفسر سلوك الناس بمعرفة انتمائهم الطبقي . ولايزال معارفه وأصدقاؤه يتذكرون نكاته ومقالبه الجريئة التي ظلوا يتحدثون بها سنين كثيرة . ببضع كلمات ذات مغزى كان يمنحك ابتسامة ً حتى في أصعب الظروف .

اضطر أيضا الى ترك عمله ، والى الهجرة الى بغداد ، وقد تعرض من ثم لكثير من الإضطهاد .
تعلـّـم حِـرَفاً جديدة منها اصلاح اجهزة كهربائية كالبرادات والتلفزيونات ، إذ علّـم نفسه بنفسه ، فصار يتابع خرائطها وتصاميمها ، وخَـلـُص من هذه التجربة الى القول أن الكون عبارة عن عمليات فيزياوية ، وأن الكهرباء متواجدة في كل شئ وفي كل مكان . وكان يغتنم بعض فرص "الهدوء" السياسي النسبي ليلتحق بالمعاهد المسائية لتكميل معلوماته وخبراته .

كان يُـلقي بآرائه في العلم والدين بكل جرأة وبكل ما كانت تسمح به الظروف من حرية ، كما كان ينتقد التقاليد البالية في المجتمع العراقي في الخمسينات وما بعدها ، وكذلك بعض عادات مجتمعه الصغير، بصوت ٍ مسموع وبسخريةٍ وبسرعةِ بديهة ٍ لا يمتاز بها سوى كبار الكتـّـاب الساخرين، رغم كونه مُـقِلا ًّ في الكتابة ؛ كان يمتاز بوضوح فكري مبني على العلم ومعزز بمطالعات واسعة ، بالعربية والانكليزية ، وضوح ٍ فكري قلما نجده في مثقفي اليوم .
عندما تـَعْـرف عبد وحواح تعرف أن النكتة الفلسفية هي نوع من أنواع الكفاح ضد الإعوجاج ، ضد غير المعقول ؛ وتعرف أيضاً معنى الصبر وسعة الأفق .
عندما تعرف عبد وحواح تعرف أن السخرية هي من أمهر الأسلحة ضد الإستغلال وأن الطـُـرفة السياسية ذات المغزى الواضح ، والتي يؤلفها ، هي نمط من الفعل السياسي المتمرد .
لو عرفتَ عبد وحواح جيدا ، لكنتََ تهز رأسك غير مصدق بأنه قد مات .
وأنا أرفض أن أصدّق بأنه قد مات.
__._,_.___