وقـد يلتقي جبلان
فاروق عبدالجبار عبدالامام
مثل البرق تمضي الايام ، وبطيئة تسير هي الأيام ؛ كسلحفاة عرجاء تمشي على رمال الحياة لكنها ما أن تطأ أول موجة من مياة البحر أرجلها حتى تنطلق ؛ نحن نضع قوانين الحياة التي نريد أو كما تريد ذواتنا .
عظيم هو الانسان ، قوي هو الإنسان ، ضئيل هو الإنسان ، ضعيف هذا المخلوق الذي حباه الله دون بقية المخلوقات بالعقل .
مقدمة لا تعني ما أريد قوله لكنها أقحمت نفسها فلم أجد مناصاً من تدوينها ؛ أردت التحدث عن رحيل إنسان ، رحيل رجل ، رحيل مناضل ؛ هو إنسان كباقي البشر ، إنسان كباقي الرجال إلا أنه يختلف عنهم بأنه مناضل وبأنه لم يطأطيء راسه ولم ينحن ِ للعواصف فكان أكبر منها فلقد وقف إزاءها ووجهه يتألق وروحه الوثابة تهفو الى المستقبل الذي كان يحلم بتحقيقه وأمل بانتصار طال انتظاره وحياة ملّ منها الملل ، لكنه لم يأبه للخطوب فكان يقاتل بالكلمة ويدافع بالحجة ويتمنطق بالفكر والعقيدة الواضحة ، لم يكن يهدأ بل هو شعلة من نشاط قـلّ نضيره ، وأخاله حتى في نومه كان يتحرك ويشارك ويجادل ويحاور .
{{ عبد وحواح }} رجل ، مناضل ، معلم ، مربٍ ، و صائغ بعد أن أنضم الى رعيل المتقاعدين كان أبو سعد يزداد َ نشاطاً فوق نشاط و يتوق الى ان ينال المستضعفون الذين يكافحون لكسب عيشهم من كدحهم وكفاحهم في الحقول والمزارع ويحلمون بعيش رغيد وحياة فضلى ، وبنفس النشاط والهمة العالية كان معه زملاء لا يقلّـون عنه اندفاعاً ووطنية لتنوير النشئ الجديد في ريف العمارة حيث الأهوار والقصب والبردي والسمك الطازج وحيث الحياة البسيطة وحيث الاقطاعي المتسلط والذي نصّـبه {{ أبو ناجي }} المستعمر الانجليزي حينما احتلت قوات التاج البريطاني العراق وحولته الى إقطاعيات ومقاطعات ليسهل السيطرة على العراق حسب القاعدة العشائـرية .
بعد غربة وانقطاع امتد لأكثر من سنوات خمس ألتقيتـه في ارض الغربة حيث يكون الغريب للغريب نسيب ؛ فكيف بمن هو أقرب من كلِّ المقربين ، التقينا في أرض وسـط ؛ فهو قد غادر العراق الى عمّـان وعيناه ترنو اليه لعل الفرج يأتي ليعود اليه ويكون آمناً مطمئنـاً في أرض الأجداد غادره بجسده فقط فلبه وروحه وحواسه ما زالت هناك تنتظر لكن الانتظار لم يولّـد سوى القهر والألم ، لكن هذا القهر وهذا الألم لم يترك هذ الدماغ دون أن يمتد ليصيبه بورم وادخل المستشفى لإجراء عملية دقيقة في الدماغ خرج بعدها وقد فقد بعض الذكريات والكثير من الوجوه والاشخاص الذين يحملونها ، هو غادر العراق الى عمـّأن وانا عدت الى عمـان من اليمن وكأن القدر يأبى إلا ان ألقاه ، ولقيته وكانت يد السنون قد امتدت اليه بالتغيير ؛ فهدت حيله وهـدّأت من ثورته واندفاعه ، كانت عيناه تدوران في محجريهما لا تستقران وكأنهما تريدان معرفة هذا الزائر غير المتوقع ، كانت اللهفـة تتقافز من محياه لمعرفة من أنا و .. ماهي الا هنيهة حتى استعاد المناضل العنيد الذاكرة الحديدية التي لا تلين وتحت إصرار الارادة التي لا تقهر إنهار سـد النسيان وتذكر أدق التفاصيل الصغيرة لكن بين الحين والآخر كانت الاسماء والموضع تتوه في زحمـة الحياة ودروبها المتشعبة.
وفي عمان التقيت بزائر لم أكن في يوم ما أحلم أن ألقاه لكنه وجدني ؛ لأنه يبحث عـن صـديق شبابه و طريقه الأول و رفيق نضاله والمعلم الذي كان معه في ذات المدرسة (( لعيبي خلف رمضان )) بلحيته القصيرة والتي غزاها الشيب من فترة ليست بالقصيرة بمعية ابن اخيه [ ظافر سعيد ] جاء _ ابو عادل _ من السويد حيث الثلج والشمال السرمدي وما أن علم بأن رفيق دربه وزميله موجود وانا أعرف أين يسكن حتى كان أمامي ، لكنه لم يترك لي الفرصة للترحيب به لأني لو فكرت مليون مرة بمن ألقاهم في عمـّان فلن يكون أبو عادل من ضمنهم فما جاء من أجله هو أكبر من فرحتي بلقائـه ؛ فقلبه يهفو للقاء أخيه ورفيق دربه ونضاله وماهي إلا دقائق حتى التقى الجبلان ، كانا يعلّمان في مدرسة واحدة ويناضلان في مدرسة واحدة ، فرقتتهما الحياة في العراق والتقيا في الغربة من جديد ، أحدهما استقر حيث الجليد وحيث آباثر والاخر ينتظر مجهولاً لعله يأتي بأخبار يهفو لسماعها وأرض جديدة أكثر أمنــاً يرنو اليها ، لكن الأخبار لم تأتِ والأرض التي أرادها لم يصل اليها فلقد غدر الزمان وغادر .
نظر ابو سعد بوجه الزائر غير المنتظر ، تطلع اليه وهو يقرأ الفرحة بوجوه من يحيطون به ، كانت عيوني قد اغرورقت بالدموع ، ووجه الزائر الملهوف يحكي الف قصة وقصة اما بقية العائلة فأنها كانت تنظر من إساريره ان تنطلق لتعلن معرفتها بمن جاء ولم يطل التساؤل فلقد اختصره ابو عادل بأن احتضن ابا سعد وهو يطوّقه وكأنه يطوق زمناً وعمراً يكاد أن يفلت من بين أصابعه وتجاوب الإثنان وما هي الا هنيهة حتى اكتنزت الذاكرة وكأن مسـاً كهربيـاً قد أنارها فاذا بأبي سعد يقول ( هلا باخوي هلا بالعيبي هلا ابو عادل )) قبّـله في انحاء وجهه النحيل قبّله بالآف القبل ولم يترك ناحية الا وكان له فيها نصيب ، كانت الدموع المنهمرة من قبل الموجودين تغسل آثار الغربة والفرقة والعذاب الذي يغلّـف الأبدان لكنه لم ولن يصل الى جوهرها .
لك مني ومن كل محب التحية ؛ فلقد كنت جوهراً صقيلاً لم تستطع سياط الجلادين من أن تنال منها أو تطفئ بريقها ؛ فتألقت وأينعت وأثمرت .
ليكن أثريو النور حرّاسك وانت تحلّـق عالياً بين محطات السماء لتصل حيث الكاملون الصادقون .