English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

الامل

سوسن سلمان سيف

كلنا هكذا نحلم ونظل نحلم دون الاهتمام للسنوات التي تمضي اذ نكتشف فجاة ان العمر قد تسرب من ايدينا دون ان نشعر به ويكون الاوان قد فات وليس بايدينا ان نفعل شيئا فلا الزمن يرجع ولا العمر يعود , وتضيع الاحلام وتتبخر الامال , وهذا حال الدنيا حكاية هذه المراة هي حكاية الكثير من الناس الكثير وهاهي ماريا التي اراها كل يوم وحكايتها
ماريا.. المراة الطويلة القامة, البيضاء جدا حتى يخيل لك ان ماء نقيا يجري في عروقها ولها شعر اسود فاحم مقصوص تلك القصة الغلامية التي تعطيها ذلك الشكل المرح وهي تبتسم لك وانت تحدثها وسرعان ما تنخرط في بكاء حاد حين تحدثك عن متاعبها وهي تمسح الارض وتلمع الاخشاب وتجلي الصحون و, هي الحياة تدفع بنا الى المتاهات التي نريدها او لا نريدها فنجري الى امكنة في مدن نجهلها وازمنة لم نكن ننتظرها وهاهي ماريا المراة البولونية التي جاءت من هناك تبحث عن المال الذي تتمنى ان تحصل عليه لاجل حياة حلوة تريد ان تقضيها مع عائلتها البعيدة , بعد ما ضاقت عليها سبل العيش , حدثتني كثيرا حينما سالتها من اين جاءت فاجابت بانكليزية ركيكة بان عائلتها منقسمة بين الزوج الذي يعيش في كندا والاولاد الذين يعيشون في بولونيا قلت : ولماذا لا يعيش اولادك مع ابيهم اجابت : اننا لا نملك المال ولا الاوراق الكافية كي نعيش في كندا , وزوجي هو الثاني , اي ليس هو ابيهم . كانت تعمل بجد وتتحرك بسرعة لا تهدا ابدا في عالم غريب بكل شئ وتتحدث عن زوجها الاول الذي عذبها كثيرا والذي كان يضربها كل يوم ويهينها و ينتزع منها كل ما تحصل عليه من مال ليشتري الخمر ويشربه حتى الثمالة ويغط في النوم , ولايكن يعمل بل لم يجد اي عمل لانه لم يكن يريد العمل . انجبت المسكينة اولادها الثلاثة منه وتركته بعد انفصالهما تاركة الاولاد في بولونيا لتتزوج من ايفان الروسي الذي تعرفت علية في يوم ما في مقهى صغير وعرفت يومها طعم الحب واحترام المشاعر البشرية واحبت ايفان وتقاسمت معه الحياة وقررا ان يذهبا الى كندا تحمل معها صورا لها وله وهي تتابط ذراعه في الشارع وتجلس معة في مطعم صغير ,لكن الحاجة للمال جعلتا تعمل لتعول الاولاد الذين تركتهم في بلدها حتى ينهوا دراستهم . جاءت لباريس تبحث عن عمل , اختارت فرنسا لان صديقتها اقنعتها بانها ستجد هناعملا بسهولة وستشاركتها غرفتها المتواضعة , فرنسا هذا البلد الكبير الواسع العريق الذي ياخذك اليه دون ان تشعر كان رحلتك هذه هي الاخيرة او المحطة الاخيرة . سكنت هنا وظلت بعيدا بين الاولاد والزوج الذي احبته وذاقت لاول مرة طعم الراحة لا اقول السعادة فالسعادة لم تعد في متناول اليد , قليلون جدا في هذا العالم من يجد السعادة الحقيقية ’ها هي ماريا تشيخ يوما بعد يوم لم يعد شعرها الفاحم كما كان فاخذت الشعريات البيضاء تشتاح شعرها فتشعروانت تنظر اليها ان الجليد بدا يتساقط فجاة في هذا الليل وبشرتها الشفافة بدات تجف وتتصلب بل ظهرت الكثيرمن الخطوط عليها , الخطوط التي يرسمها الزمن بقسوة كلما مر عليها , الزمن كلما مر على الناس لاحت للنظر اثاره القاسية ولكل شئ ثمن . ظلت ماريا مع الامل تنتظر الاوراق التي يريد زوجها الحصول عليها في كندا , وكلما كان يتصل بها في الهاتف يتحدثان تلهث وهي تكلمه , تضحك , تعاند, تتضجر هكذا في كل مرة كان الخيط المتبقي لتلك العلاقة هو الهاتف وتواصل الكلام عبرالبحار بل المحيطات ونفحة الحب هذه تجعلها هادئة وصامدة كيف كانت ستمضي ايامها وحيدة ؟ وهنا لا تعرف كيف تجيب . وتزور اولادها كلما اقتصدت بعض المال لبطاقة السفرفي الباص الذي تذهب به الى بولونيا , تتحرك بنشاط تلملم الحاجات والاغراض تبدا بشراء اشياء صغيرة للاولاد تجمع ما يعطيها الناس من ملابس مستعملة تشتري علب الحلوى الرخيصة والجوارب واقلام الرصاص تجري لمحطة القطار ومعها قطعة خبز وجبنة . سكنت في باريس مع صديقتها البولونية حين تركت كندا دون ان تمنح اي ورقة وتعرف ان وجودها من غير اوراق سيعرضها لكثير من المتاعب ومع هذا بقيت , تاكل احيانا او لا تاكل لم يعد مهما كيف تاكل وماذا تاكل . تتالم وهي تغسل قدميها المتعبتين اللتان تحملانها مشيا الى حيث تقيم لتوفر بطاقة المترو, تندس في الفراش الخشن وحيدة , منذ زمن وهي تنام وحيدة لا تشارك زوجها الفراش اعتادت كل شئ الوحدة والحرمان والجوع ونسيان انها امراة وو الكثير ..
سنوات وماريا تنهض من الصباح سيرا على الاقدام لتذهب الى تلك المنازل التي تريد خادمة وتعرف ان ابسط الاعمال هي العمل في البيوت فهي لا تحتاج لشهادات اواوراق اوهوية رغم التعب الذي تلاقيه والمعاملة السيئة التي تتعرض لها وعدم تفاهمها الكامل مع الاخرين هو جهلها اللغة الفرنسية واكثر الوقت لا يحدثها احد او يسالها احد عن حالها فتعمل صامتة طوال اليوم ,ياكل الحزن في اعماقها للغربة التي تسكنها والشوق الذي يزورها في احلامها ليأخذها الى دفء تلك الايام.. تنام غريبة وتصحو غريبة . تنهي عملها في منزل وسرعان ما تذهب الى المنزل الذي يليه وتقضي النهار بطوله وهي تغسل الارض وتدعك الرفوف وتلمع الصحون وتكوي الملابس وينتهي النهار وهي لا تدري ان كانت جائعة ام لا وتجر اقدامها المتعبة سيرا في تلك الازقة الضيقة القديمة حيث تقيم ففي فرنسا تجد كل شئ حتى الازقة الصغيرة البائسة التي تضم الفقراء من الناس حتى نست تماما انها في فرنسا و لم ترى ماريا فرنسا الجميلة المغناج لم ترى البيوت الفخمة والشوارع المضيئة لم تزر الحدائق وتتجول فيها لم تجلس في مطعم يسيل له اللعاب . .غير انها لا تنسى كم تعرضت لمضايقات من رجال لا يرون في المراة سوى انها انثى وتعلم انها كانت رائعة الجمال عندما جاءت الى هنا .. الكثير من حاول العبث في ثنايا جسدها وهي تعمل وهناك من قبلها عنوة وهناك من تساوم معها على بضع قطع معدنية لبعض الوقت ولم تكن تعرف ماذا تفعل تعطي لتاخذ ولا شئ في هذه الدنيا بلا ثمن وقد كانت تبكي في كل مرة لاحساسها بالضعف والحاجة والحرمان .
نادرا ما كانت تتصل باولادها في الهاتف لاجل المال وكانت يوم تسمع اصواتهم تحس بفرح طاغ ولا تدري كم ستبقى امها معهم تلك المراة التي تكاد تفقد بصرها في اية لحظة وهي على اعتاب الثمانين.
الرجل الذي احبته يكلمها في التلفون وهو الذي يخفف عنا التعب الذي تعانيه ويطلب منها دائما ان تعود وانه مشتاق لها وانه بانتظارها ويسال عن حالها في ارض الاحلام هذه . ماريا تكبر وتذوب مثل قطعة ثلج , وتتغير كما الاشجار في الخريف. والاولاد يكبرون ايضا وايفان الذي تزوجته يكبر, والمواسم تمر وكم عذبها الشتاء وهي لا تملك معطفا سميكا يحميها من الم البرد وعذاب الزمهرير وظلت تذهب وتجئ بسترة خفيفة لا تكاد تحميها من الشتاء وعطفت عليها احدى السيدات واعطتها معطفا قديما وكانت فرحتهالا تصدق وهي ترتديه وكانها تضمه اليها كلما ارتدته , الناس حولها متخمون بكل شئ , الملابس الجديدة , والاحذية اللامعة الانيقة والحقائب الثمينة , والبيوت النظيفة الجميلة والاثاث الفخم وهي تحلم بكل هذا لكنها لا تراه حياتها كلها لاجل عائلتها المنقسمة لاجل ان تراهم باحسن حال وبعدها تسافر الى كندا لتنهي رحلتها الاخيرة بين ذراعي ذلك الرجل التي احبته وشعرت معه بانسانيتها المفقودة متى تذهبين يا ماريا ؟ فتجيب وهي تغسل يديها بعد انتهائها من العمل وتردد قربيا .. كم من السنوات وانت هنا تجيب ماريا لا ادري ولعل ماريا بدات تنسى كم من السنوات مضى وماريا تريد ان تجمع بعض المال ولا تستطع وهي ترسل معظمه الى الاولاد ولا يبقى لها سوى مبلغ صغير لا يكفي لها طعاما.وزوجها ينتظر الاوراق ولا اوراق جاءت ولا انهى الاولاد دراستهم ولم يعودوا يسالون عنها لكنهم يذكرونها حين يطلبون المال وباستمرار ,وبدات تلفونات الزوج تتباعد حتى انقطعت تماما .. السنوات تمر وماريا تشيخ ولم يعد لها بعض النقود لتشتري صبغة الشعر فاصبح شعرها كله ابيض وما زالت تكنس الارض وتدعك الرفوف وتغسل الصحون وتلمع الزجاج ولم تعد تشعر بشئ لا شئ ابدا..


7-10-2005

باريس