English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

في رحيل فارس صبري عريبي

رحلتَ عنوة ًعنــّا يا فارس !

عبد الجبار شامي السعودي
هولندا في السابع من أكتوبر 2007

أعلمُ جيداً أنني لم ألتقيك كثيراً سوى لأيام قلائل و ساعات قلائل في زيارتي لأهلي في كندا العام المنصرم .. وأعلم أن سويعات قليلة لكي تعرف أن أبن مدينتك التي أنجبتك، لم يبخل بوقته و نظرات عيونه لكي يتطلع الى سحنتك السمراء و بريق عيونك الجميلة و وجهك الوادع الحنون وأبتسامتك التي لم تفارق لحظات لقيانا !

أعلم ذلك جيداً يا فارس .. وأعلم أن سنوات الغربة والتشرد التي أخذت منا الكثير وأبعدتنا عن لقياكم بأستمرار و معاشرة طيبة أهلك النجباء .. الأم العزيزة أم رستم التي تذوقنا طعم ترحابها و بسمتها و عشرتها منذ أيام البصرة الحالمة و الوادعة ! أما الوالد الغالي العم أبو رستم فيكفينا أننا كنا نتحين الفرص منذ كنا فتية ً لكي نلتقيه بين الحين والآخر وهو في هيبته التي تشع نقاءً و صفاءً و بياضاَ ، لكي نزداد فخراً و حنيناً و لهفة لكي نضحك ونبتسم و نمارس لهونا مع الأيام ..

أعرف كل ذلك يا عزيزي فارس . . لكني لم أعرف ولم أعلم أن كل ذلك ستقتلعه و تغتاله الأيام اللعينة التي نحياها، حتى نفاجئ برحيلك المبكر هذا .. غصباً عنا و عنوة عنا ! لذا فأني لن أنعيك كما يفعل الكثيرون .. أو كما يقولون .. أن الموت حق ! فأي موت هذا الذي أخذك عنا وأنت تغادرنا بهذه العجالة المُرة ومن غير وداع ؟!

( هل أبكيك يا فارس وأنت التراتيل نفسها بأشجانها و بسملة الحزن والمبتدى!).

هل أرثيك وأنت جميع المراثي الحزينة !).

( هل أقرؤك يا فارس بالرفض والتهاليل .. وكيف سأقطف من مقلتيك أجابات أسئلة كثيرة ومحيّرة لم تقلها ! والقوافي التي كُتبت وستكتب .. أين هي منك لكي تجسّد منك معلــّــقــة ً ترسم تمردك الذهبي و تفض أحلامنا البائسة و تشردك الممتد في الأرض عميقاً إلى القلب، فأصبحت أقسى من السنديان مع المحن التي عشتها ومع الدموع التي لاحظتها تنهمر من عيونك يوم لقياك السريع ! أما أقدامك التي التي بللتها المسافات بالوهن والغنى فهي توجز عقم الزمان يا فارس ! ).

( هل أرثيك يا فارس ؟ فو الله كل قواميس الرثاء التي سطرها الأقدمون والناعون، وكل أحاسيس الثكالى وأحزان كل النساء وكل شياطين شعر التشرد والثكل والنائبات تطاول خفيك وأنى لها أن تطال السماء !).

( أما أنا يا فارس، فإني بعد رحيلك سأربت ُعلى كتف ذاكرتك المتخمة بحزين سنينك الثكلى عليك والى عذاباتك وصمتك و قهرك القاسي الذي حطم أضلاعك و أحلامك و الذي أعرفه جيداً رغم بعدنا القاسي عن بعض ! ولن أرى بريق الموت المستتر في عينيك اليوم ! ولن أراك، ولن تنعم ناضري بتسلّق تضاريس هيبتك الشّاهقة على امتداد جسدك الغائب).

( سأبعث برسالتي هذه

سأبعث برسالتي هذه إلى ما يشي بوجود......

إلى أشياءك..... قمصانك الخاوية

عطرك....اشتاق رائحته يوم ألتقيك في أيام خلت ...

فراشك المستيقظ بعدك أبداً......

فراشك ..... لم تعد تقاسمه وحشة الليل، لم يعد يقاسمك الأرق.

الشوارع..... تبكي خطى قدميك

الأمكنة..... تعبقُ بوقار حضورك

أحلامك المتجمدة

أمنياتك الواهنة

سنينك..... تلبس ثوب عزائك

لقاء والديك .. وعناق صغارك و ضحكاتهم !

(( سأبعث كلماتي هذه و بصمت الى والدتك الغالية أم رستم .. إلى تلك المحترقة بصقيع رحيلك، تلك التي حملتك مأساة ً في أحشائها، وهدهدت فجيعة عمرها بأكفّ لهفتها إليك ، وسقت بدمعها أرض القدر، لتنبت موتاً، أطفأ ألق الأمل في أحداقها، فباتت سليبة ُ دهر ٍ، تقتعد أنقاض صوتك الشّجي، تحتسي لوعة الفراق، وفتات الحزن في أدراجك الصّامتة...... إلى المنكوبة ( أمّك ) الحنون ! ))

يقولون يا فارس أنك قد تحرّرت أخيراً من سلاسل جسد ٍعقيم، كنت طريد روحك المحتبسة خلف قضبانه مذ أبصرت شقاء وجودك في دنيا الموت الصّاخب هذه. فطوبى لك يا رفيق الرّوح والألم المشترك، فلتتلقفك أكف الرّحمة في ديار الرّحمة!

أخلد إلى خلودك، اظفر بلقاء الأزلي الأبدي، دع لنا شقاء الحياة وامض إلى رحابة السّماء، إلى نعيم إله الخلق، واهب الحياة وواهب الموت في سواء.

امض.... فلك رحيق الحياة ولنا إكسير الموت وعذاباته .

وإن قالوا أن الموت حق يا فارس .. فإني سألعن وأسخرُ بعد اليوم مهزلة الحياة وكذبتها اللعينة هذه ! سألعن العمرَ وكذبته يا فارس !

و سأقول : أيها الموت.....هزمتك الرّوح وحدها !

هزمتك الروح وحدها أيها الموت !

* * *