وداعا" يا أبا نوار
في أربعينية رحيل رعد عبد الجبار سهر
فائز الحيدر
أيها الأخوة الأحبة لم تعد الأخبار تحمل ألينا من الوطن ما هو سار! فليس هناك سوى أخبار القتل والتدمير والخطف والسيارات المفخخة والتهجير ، حتى بتنا نخشى وسائل الأعلام لتجنب سماع الأخبار المحزنة ، ولم تعد تحمل لنا الغربة ومشاقها أخبارا" سارة أيضا" فقد فقدنا في تورنتو / كندا أخوة وأحبة أعزاء على الجميع ، فبعد رحيل فرج عريبي ( ابو نبيل ) ، رحل وبشكل مفاجئ أيضا" طالب بدر ( ابوسلام ) ثم بأشهر قليلة تبعه رحيل الشاب جاني عبود فارس بعد معاناة طويلة مع المرض وبعده باسابيع قليلة رحل عنا فجأة فارس صبري عريبي وهو في عز الشباب . وثم جاء الخبر المحزن للجميع برحيل رعد عبد الجبار سهر الكحيلي ( ابو نوار ) بعد صراع طويل مع المرض .... يا لقسوة الأيام في الغربة التي باتت تحتاج الى الصلابة وقسوة النفس لتحمل رحيل اخوتنا واحبتنا الواحد بعد الآخر وخلال أشهر معدودة .
رحل ابو نوار بتواضعه ، وسعة صدره ، وطيبة قلبه ، وطرائفه ونكاته والبسمة التي لا تفارق محياه وهو يحمل في قلبه احزان عميقة وطموحات وحلم لم يكتمل ... برؤية عراق ديمقراطي سعيد .
ففي الثالث والعشرين من كانون الأول / ديسمبر / 2007 سيصادف يوم الخامس والأربعين لوفاته حيث وافته. ففي اليوم التاسع من تشرين الثاني / نوفمبر / 2007 وقبل خمسة وأربعين يوما" مضت أنطفأ سراج هذه الشخصية المندائية الأصيلة في مدينة تورنتو / كندا التي ودعته بمزيد من الحزن والاسى ، ودعته وهي توّدع واحدا" من أبنائها البررة الذين قدّموا لطائفتهم الكثير .. لقد ودّعت تورنتو صديق الشباب ( ابو نوار ) وهو في قمة نشاطه .. وسط بكاء وحزن الكثيرين ممن عرفوه .
لقد عرفتك يا ابا نوار رجلا" طيبا" عانيت من الغربة لسنوات طويلة ، غادرت الوطن في نهاية السبعينات هربا" من النظام الدكتاتوري بسبب حسك وافكارك الوطنية وتنقلت ما بين الكويت واسبانيا ولندن ثم عدت الى اسبانيا واستقريت أخيرا" في كندا ... فماذا حملت معك في رحلتك الطويلة هذه ، ماذا حملت غير الحلم الذي لم يفارقك بعراق حر جميل ومستقبل مشرق سعيد لشعبك وطائفتك وطيبة قلب متسامح وأصرار وصلابة على تجاوز المصاعب . فقدت والدك الرجل الطيب الطاعن في السن وهو في طريقه الى اوربا بعد مغادرته الأردن صيفا" متوجها" نحو صحراء شمال أفريقيا حتى وافته المنية في الطريق داخل الأراضي الليبية وهو يحلم بلقاءك وابناءه الموزعين في بقاع الأرض ودفن هناك بعد بذل جهود كبيرة مع السلطات الليبية في أحدى المقابر المسيحية القديمة .
كانت تجمعني وابو نوار منذ الستينات من القرن الماضي صداقة وذكريات عميقة متينة وستبقى هذه الذكرى مغروسة في الأعماق . فهو ذو شخصية اجتماعية بسيطة مميزة ، هادئ الطبع ومسالم جدا" ذو أسلوب متمدن وعاطفة قوية.. ، لم يتوان يوما" ان يقدم خدماته دون مقابل لمن يطلبها من الاصدقاء الذين يعتبرونه رائدا" لهم ويجلونه ويحترمونه.. أنسانا" مثقفا" يحب المطالعة كما عهدته ،.. يحب أن يسمع الكثير ولا يتكلم الا القليل ، يحترم غيره ولا يتدخل بشأن لا يخصّه ، يحترم الزمن وتراه يحافظ على مواعيده بدقة . يهوى اوقات الصباح ويعشق الطبيعة وهي تزهو بخضرة أشجارها وزهورها الملونة ، يحرص على العمل في المخيمات المندائية ويضع كل ما يملكه من معرفة مع الأخرين في سبيل نجاحها ويعود له الفضل في نجاح هذه المخيمات ....
كان أبا نوار يعشق مرسم زوجته الفنانة أشراق عريبي ويقدم لها الملاحظات الفنية رغم انه لم يمارس الرسم يوما" ولكنه كان يملك أحساس فنان ماهر حيث يبدي ملاحظاته لتضع شريكة حياته اللمسات الفنية الأخيرة على لوحاتها وعندما يشعر ويحس ان اللوحة قد أكتملت كان يقول لها الأن أصبحت اللوحة ناطقة فلا تمسيها بعد الأن ، فله فضل كبير في نجاح زوجته أشراق في العمل الفني والتي بدأت شهرتها تظهر خلال مساهمتها في متحف الحضارة في العاصمة الكندية أوتوا ومشاركتها النشيطة فيه .
وهنا لا يسعني الا ان اقول وداعا" أبا نوار , لقد فرقنا الزمن منذ سنوات , ولا أمل ان نلتقي في أي مكان , رحلت دون ان تترك لك عنوان وبقيت ابحث عنك في عيون الأحبة , لقد عشنا ايام الشباب معا" , وقضينا اوقات جميلة وذكريات لاتنسى ، ولم يبقى لي سوى الذكرى والأحزان . أنها أيام حزينة على قلوب الجميع فليس سهلا" علينا ان نكتب مراثي احبتنا ، لقد عبرت ياصديقي العزيز في سبيل الواجب والوطن الجسر الذي كان يخشي الكثير من الناس عبوره , .. وكنت اهلا" للمهمة وأديت واجبك .
اعذرنى فقد هاجت في قلبي الاشجان . وجاشت العواطف , فبكيتك في صمت مثلما بكيت بقية احبتنا سابقا" ,. ليتني عرفت حين رأيتك آخر مرة انه الوداع الأخير وسيتبعه ألم الفراق , فلا اكاد اتصور ان أبا نوار صديق الشباب قد غادر هذه الدنيا .
لقد كان أبا نوار بطلا" وفارق الحياة بمعنويات عالية بعد ان علّمنا البساطة والوفاء والحب والفداء
فإلى جنات الخلد يا صديقنا العزيز وستبقي ذكراك في قلوبنا الى الأبد لأنك باق معنا بأحلامك وتواضعك وطيبة قلبك المتسامح وبما قدمت من مثال يليق بأسمك وبالأنسان الطيب .
خالص تعازينا لزوجتك الأخت أشراق عريبي ام نوار وأبنك نوار وأبنتك نور ، ولكل عائلتك واصدقائك ومحبيك
ملاحظة ـ الصور توضح الفقيد وهو يرقد في المستشفى في مدينة تورونتو الكندية وهو يتصفح الكتاب المقدس ( الكنزا ربا ) .
كندا / كانون الأول / ديسمبر / 2007