English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

إلكْ رَنــــّــــه يَجـــــدر ِ الفـــــــوح ْ!

عبد الجبــــار السعودي
17-Jan-2008

رغم أني قد تناولت يوم أمس الأربعاء التاسع من كانون الثاني 2008 في تقرير علمي غذائي ، السوائل الباردة التي تزيد من دفء الجسم في أيام الشتاء على العكس مما هو متداول حول أهمية تناول الأشربة الدافئة خلال أيامه ، فقد أخذتني ساعات الظهيرة اليوم و وسط الأجواء الغائمة والباردة والممتلئة بالرطوبة ، الى أحياء تقليد غذائي شعبي أرتبط بطقوس الطبخ البيتية ، بل وتعداهـــا الى ما هو أبعد في المناسبات التي كانت تعج بها أيام المندائيين وغيرهم في عقود طويلة مضت و حيث مناسبات الأعراس و ( الفواتح ) وما شابهها ، وحيث ضجيج ( البريمزات ) أو ( العفاريت ) و قرقعة ( الصفـــاري ) و( المشاخل المعدنية ) وأختلاط الصيحات من هذه المرأة أو تلك الرفيقة التي تشاركها العمل المضني هذا التي يستوجب تهيئة العشرات و ربما المئات من الأواني الخاصة بالتمن والمرق و غيرها من مستلزمات المناسبة .. !
وسط هذه الأجواء وذكرياتها قادتني أرجلي الى الطبــّاخ الذي يتوسط ساحة المطبخ ، لكي أتناول كوبين من ( الرز البسمكــي ) وأضع عليهما ما هو مناسباً من كمية الماء وأعمل( جــــدراً ) من الفــــــوح المملــّح !
لم تكن الفكرة هذه ، بجديدة ، رغم سنوات التغرب الطويلة هذه ، ولم تكن هي المرة الأولى خلالها ، لكن الحنين الى شيئ ٍ مـــا أرتبط بذاكرة الطفولة وطقوس المناسبات ، قد شــدّني و شجّعني ، لكي أترقب بلهفة الجدر الصغير وهو يغلي بهدوء و دون ضجيج من هذا أو ذاك.

تســـّمرت عيناي لدقائق معدودات على تلك النار الهادئة المنبعثة من مشعل الطباخ ، وجالت بي الذكريات بعيداً ، وحيث حكايات عن (الفوح) و رائحته العطــــرة المنبعثة من غليان رز العنبر الذي كانت تجود به الأسواق الشعبية العراقية ، وطلباتنا التي تتكرر مع أنتهاء كل ( طاسة ) فوح نتناولها !!

لم نكن حينها نفقه من الفــــوح شيئاً ، سوى أننا نعرف أن جوف المعدة قد أمتلأ تماماً ، وقد أخذتنا ( حماوة ) أجسادنا للركض سريعاً وحيث اللهو البرئ في هذه الزاوية أو تلك .. أو في زقاق من محلة ٍ تتداخل شوارعها ، حتى لتكون وحدها عالمــاً من المتعة والشوق لمغامرات الطفولة و عنفوانها ، لكننا سمعنا بعدها وقد فطــّنا الى الألسن الحيـــّة وحكاياتها العذبة ، من أن شراب ( الفوح ) يــُعد ّ شراباً مقوياً للجسم ، وحيث يحتوي على خلاصة التمن المغلي ، من عنصرالحديد وباقي الفيتامينات !!
ولكثرة ما تناولنا من ( الفوح ) ونحن أصحـــّاء أو مرضى مصابين بالأسهال أحيانــــاً ، حتى غــــدا لنا لاحقــاً وحيث أشتد عودنا و ساعدنـــا ، من أن للفــــوح عالم خاص به أرتبط فعلاً بالكثير من الحكايــــات والطقوس والبيتية وطلبات الصغار والكبار معاً و بالتالي جاءت عنه تلك الأردودات الشعبية الساخرة !

قاطعَ كل تلك الذكريــــات السريعة وتلك الحكايات اللذيذة ، ( جدر ) الرز المغلــــي وهو يدفع غطاءه عالياً من مكانه ، فاسحاً المجال لسائل ( الفــــوح ) بأن ينساب من على جوانبه ، و دون أن أسمع ضجيجـــاً أو قرقعة أو رنــــيناً !

وما أن مرت ساعة كاملة على أنتهاء غليان ( الجدر ) و محتواه ، حتى كنت قد أنهيت شرب ( طاستان ) من سائل الفوح المملـــّح ، تاركاً جهاز الكومبيوتــــر في زاويته التي يركن فيها ، غير مباليــــاً لا ، بالعولمـــــة ولا ، بشرورها ولا ، بنعمتهـــــا ! فما ألــّــذ رائحة الفوح و طعم تلك الذكريـــــات والحنين الذي لا يريد أن ينتهي ، والذي به نعيش ونحيــا أيامنـــا !

نهضتُ من مكاني .. وعاتبت ( جدر الفوح ) ، لأني لم أسمع رنينـــاً ، فقد خفت صوت وماضي ذلك الزمـــان ، لكن تلك الأردودة الساخرة تبقى تعيش مع عشاق ( الفــــوح ) و ذكرياته ..

إلــــــكْ رنــــّــــه يجـــدر ِ الفـــــوحْ ... إلكْ هيبــــــه يجـــدر ِ الفــــوحْ

* * *