مهرجانات في ألمانيا وبريطانيا في الذكرى الـ 250 لوفاته... هاندل الأوروبي وجنّة الموسيقى
ثائر صالح
24/02/09
هاندل (هيندل بحسب اللفظ الألماني، أو هاندل الإنكليزي) هو أحد أعظم الموسيقيين الأوروبيين على مر العصور، نموذج بارز للموسيقي الأوروبي ?الشامل?، فهو ولد وتعلم في ألمانيا، وأتقن فنون الموسيقى في إيطاليا، وعاش وأبدع في بريطانيا. لهذا السبب اختار منظمو مهرجان هاندل في هاله في 4-14 حزيران (يونيو) المقبل ?هاندل الأوروبي? عنواناً لمهرجانهم المقام بمناسبة الذكرى الـ 250 لوفاة الموسيقار.
ولد هاندل في مدينة هاله (ولاية ساكسن - آنهالت الألمانية اليوم) يوم 23 شباط (فبراير) 1685، قبل شهر واحد من ولادة زميله في العبقرية الموسيقية يوهان سباستيان باخ في مدينة آيزناخ القريبة. وفي هاله تعلم العزف على الكمان والأورغن ومبادئ الموسيقى وهو في السابعة بدعم وتأييد من أمير سكسونيا الذي أقنع والده بضرورة ذلك (كان يود لو يدرس ابنه القانون). وكان أستاذه عازف الأورغن تساخاو (1663-1712) يدرّسه مختلف أنواع الموسيقى الأوروبية، ويشرح له حسنات وسيئات مشاهير الموسيقيين، فنشأ متفتحاً على الموسيقى الأوروبية وأجاد التأليف بمختلف الأساليب. التقى عازف الأورغن ديتريش بوكستهوده (1637-1707) عام 1703، وقد زاره بصحبة صديقه العازف والمؤلف يوهان ماتيسون (1681-1764)، حيث تباحثوا في إمكان خلافته في وظيفته كعازف أورغن في كنيسة ماريا في مدينة لوبيك. كان شرط بوكستهوده العجوز، أن على من يخلفه في وظيفته الزواج من ابنته. ورفض الاثنان هذا الشرط، مثلما رفضه باخ قبل عامين. وكان هاندل قد عيّن في تلك السنة عازفاً للأورغن في الكنيسة الكالفنية في هاله، ألا أنه انتقل إلى هامبورغ عاصمة الفن والثقافة والثروة في ألمانيا عام 1704، حيث ألّف أول أوبرا له عنوانها ?آلميرا?، وقدمها هناك، وسرعان ما ألحقها بأوبرا ?نيرون?، وهي بداية سلسلة طويلة من الأوبرات الجادة التي ألفها وبلغ عددها 45 أوبرا.
سافر إلى إيطاليا في العام 1706، فزار روما وفينيسيا وفلورنسا ونابولي حيث التقى دومنيكو سكارلاتّي (1685-1757) وأباه ألساندرو سكارلاتّي (1660-1725)، وكذلك كورَلّي (1653-1713) وفيفالدي (1678-1741). ألف حوالى مئة كانتاتا والكثير من الأوبرات والأوراتوريات خلال السنوات الثلاث التي قضاها هناك، حيث أتقن أساليب التأليف الإيطالية، وأثرت خبرته في التأليف لموسيقى الأدوات (الكونشرتو خصوصاً) والغناء (الكانتاتا على النمط الإيطالي، والأوبرا).
عيّنه حاكم هانوفر، غيورغ لودفيغ، عند عودته قائداً للفرقة الموسيقية لديه في 1710، لكنه طلب إجازة طويلة على الفور وذهب إلى لندن لتقديم أوبرا ?رينالدو? التي قدمت بالفعل أوائل 1711. عاد إلى لندن للمرة الثانية في خريف 1712، حيث صرفت له الملكة آن مبلغ 200 جنيه سنوياً. بذلك تأرجح بين لندن وهانوفر، ولم تكن العلاقة بين غيورغ لودفيغ وآن خالية من التوتر، وكان حكام هانوفر يطمعون في الحصول على التاج البريطاني، لكن الملكة آن كانت تتفاوض في السر لتعيين ولي عهد من عائلة ستيوارت. بعد وفاة الملكة المفاجئة عام 1714 وجد نفسه في خدمة حاكم هانوفر من جديد، بعد إعلان غيورغ لودفيغ ملكاً على بريطانيا باسم جورج الأول. ولحسن حظ هاندل، كان مخدومه القديم - الجديد الملك جورج محباً للموسيقى، فغض النظر عن تأرجحه. ألف هاندل السريناد ?موسيقى الماء? عام 1717، وهو عمل حاز إعجاب جورج الأول، إذ أمر بتقديمه ثلاث مرات في الأمسية نفسها وهم يتنزهون على متون المراكب في نهر التيم. وقاد هاندل فرقته المؤلفة من خمسين عازفاً وهم على متن مركب آخر. واشتهر عمله ?موسيقى الألعاب النارية الملكية? هو الآخر، وقد ألفه عام 1749 احتفالاً بصلح أي - لا - شابيل Aix - la - Chapelle. ويعتبر أوراتوريو المسيح من بين أشهر أعماله، إذ ألفه عام 1741، وقدمه في دبلن في 1742 وهو من الأعمال التي لم يتوقف تقديمها منذ تأليفه حتى اليوم، بعكس الكثير من أعمال معاصري هاندل الذين نسيت أعمالهم بعد موتهم وتعيّن إعادة اكتشافها. وأبرز مثال على ذلك، أعمال باخ التي أعاد تقديمها موسيقي ألماني احتفلنا بالذكرى الـ 200 لميلاده في 3 شباط (فبراير) الماضي، هو فيلكس مندلسون - بارتولدي (1809-1847). مال هاندل إلى تأليف الأوراتوريو في العقدين الأخيرين من حياته. والأوراتوريو عمل درامي غنائي موسيقي، يستمد موضوعه عادة من ?الكتاب المقدس?. ويعود الفضل إلى هاندل في كتابة الأوراتوريو باللغة الإنكليزية، وكتب عدداً منها بدأها بأوراتوريو ?أستر? (1732)، وهو من بين أجمل أعماله. ألا أن أياً منها لم يفق اوراتوريو المسيح في شهرته، ولا يزال الإنكليز يقفون احتراماً عند تقديم كورس ?هللويا?، الذي قال عنه هاندل: ?يخيل إليّ رؤية الجنة، وفي وسطها الرب العظيم?. أعجب البريطانيون بهاندل، ومنحوه الجنسية البريطانية في 1727، وأخذوا يعتبرونه أحد أهم مؤلفيهم الموسيقيين على مر العصور، إلى جانب ويليم بيرد وهنري برسل الذي تحتفل بريطانيا بالذكرى الـ 350 لولادته هذا العام أيضاً (وستنظم جامعة لندن مؤتمراً علمياً مشتركاً عن هذين الموسيقارين في 19-21 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، عنوانه ?برسل وهاندل والأدب?). فقد هاندل بصره تماماً في 1753، لكنه استمر في التأليف مستعيناً بسكرتيره وكاتبه جي سي سميث (وهو صديقه من مدينة هاله، واسمه الأصلي يوهان كريستوف شميت 1683-1763). توفي في 14 نيسان (ابريل) 1759 ودفن في كاتدرائية وسمنستر قريباً من أداته الموسيقية المحببة، الأورغن.
موسيقى هاندل آسرة، مؤثرة، عميقة العاطفة، قريبة إلى الوجدان، لكنها في الوقت نفسه متينة البنيان، مكتملة في شكلها الموسيقي. تتميز أوبراته وأوراتورياته بأبعادها الدرامية، وبتوظيف ?المقام? الموسيقي في خدمة التأثير الدرامي في شكل محسوب، إذ يتوالى تسلسل القطع فيها على هذا الأساس. وبرع هاندل في تطوير شكل كونشرتو غروسّو، وهو شكل موسيقي ظهر في إيطاليا، أشبه بمباراة موسيقية بين مجموعة كبيرة من أدوات الأوركسترا (كونشرتو)، ومجموعة صغيرة من الأدوات (كونشرتينو). كما ابتدع وطور ما يعرف بكونشرتو الأورغن. وهذه كلها كانت تقدم بين فصول الأوبرات التي يكتبها، بغرض الترويح عن النفس.
والبرنامج الاحتفالي البريطاني بمناسبة سنة هاندل متنوع، إذ بدأ مهرجان هاندل في يوم ميلاده 23 شباط بالتعاون بين متحف هاندل في لندن، جمعية هاندل والجمعية البريطانية للهاربسيكورد، وسيستمر خلال عام 2009. وسينظم يوم هاندل الأوروبي بإدارة محطة راديو ?بي بي سي? - القناة الثالثة، حيث ستشترك 40 محطة راديو أوروبية في البث الحي يوم الأحد 19 نيسان المقبل، وتنقل الحفلات الموسيقية من مختلف المدن الأوروبية تباعاً. وسيكون هذا اليوم قمة نشاط القناة الثالثة في أسبوع هاندل بين 12 و18 نيسان. وستقدم القناة أكثر من 40 من أوبرات هاندل خلال هذا العام، تبث كل يوم ثلثاء.
أما في ألمانيا، فيبدأ الاحتفال بسنة هاندل يوم ميلاده كذلك، وستقدم أعماله في البيت الذي ولد فيه، وفي قاعات ولاية ساكسن - آنهالت، وتبث الحفلات محطة وسط ألمانيا (MDR) من مدينة لايبتزغ. وستقدم ست أوبرات من أشهر أعماله على مسرح أوبرا مدينة هاله ومسرح غوته. وسيقام مهرجان هاندل في مدينة هاله، حيث يقدم عازفون مشهورون وفرق راقية 50 نشاطاً موسيقياً خلال أيام المهرجان العشرة.
والعام 2009 من الأعوام المتميزة في الموسيقى الأوروبية، وسيكون مناسبة لسماع أعمال موسيقية لعدد من المؤلفين يندر تقديمها في السنوات العادية، إذ إن تقديم كل أوبرات هاندل أو أوراتورياته، أو بث كل أعمال هايدن للبيانو، أو سمفونياته وأوراتورياته، أو أعمال برسل ومندلسون سيكون متعة فائقة لمحبي الموسيقى الأوروبية، سيما وأن الكثير منها يُنقل حياً عبر محطات الراديو.