تحية الى الفنان الخالد اسمر زهرون
في الذكرى الخامسة لوفاته
موسى الخميسي/ روما
تصادف هذه الايام الذكرى الخامسة لوفاة الفنان المندائي الراحل اسمر زهرون، الذي برز كواحد من المهرة في فن الصياغة والحفر والتطعيم ، الا انه لم يكن اخصائيا فحسب في الصياغة. لقد كان حبه للطبيعة جانبا اخر من حبه للناس والفنون بكل انواعها واساليبها ، حيث اظهر مقدرة فائقة في مجالات الرسم والنحت والخط حسب ما صرح به الراحل الصائغ شوكت غالب قبل رحيله في العام الماضي بمدينة روما.
لقد نضج اسمر من الناحية الفنية كشاب عاش الواقع الفني الذي كان منتشرا في احياء روما القديمة وبيوتها ومتاحفها التي تمس القلوب بسحر جمالها، وبتاريخ حضارتها العريقة، جنبا الى جنب انفعالاته العميقة من واقع جديد سرعان ما تذلل بقوة وتعاطف كبيرين ،تم من خلال توثيق صلته بالحياة الواقعية التي الهمته مرونة جميلة في ممارسة عمله الفني، وتعدد وتشعب اهتماماته، ليحقق خلال تلك السنوات كشفا لجمال وانسانية الناس البسطاء المتواضعين الذين احبوا ذلك المندائي الاسمر الدمث الذي يتسم بالوداعة والصبر والتأني .
اتذكرته اول ايام مجيئه من ايطاليا الى بغداد، وكنت صبيا مسحورا بفنون ايطاليا التي جاء منها هذا الفنان المندائي، بعد ان قدمني اليه كفنان تشكيلي صديقي الفنان خالد ناجي ابن اخيه في محل والده بالقرب من مقهى شط العرب ، فكان لقاءا حافلا بالمسرات الضاحكة، وانا احاول ان اساله عن اعمال ليوناردو دافنشي وميخائيل انجلو، وظل طيلة ساعات وديعا وصبورا ومتأنيا كعادته، يلتقط لنا العديد من صور الحياة الايطالية الساحرة، فقد كان طليق اللسان بايطاليته التي لم نفقه منها شيئا، الا اننا كنا نشعرعذوبتها وانسياقاتها من خلال صوته الهادىء، التي قادتنا الى ان نضع في نهاية كل كلمة حرف الواو، لتصبح العديد من كلماتنا العراقية ايطالية. قال وهو يتذكر اول ايام سكنه في احدى الغرف المستأجرة وسط روما بانه احتاج يوما ما ان يطبخ" المهروثة المندائية" وبعد ان احضر السمك وصلصلة الطماطم بقي له رأس البصل الذي حار كيف يحضره فطلب من صاحبة الدار راسا من البصل الا انها لم تفهم طلبه وبعد ان شرح لها ورسم راس البصل على الورق، صاحت وهي تطلق ضحكة كبيرة كمن عثر على كنز مفقود" شيب الله .. شيب الله" نعم ساجلبه لك ،وتعجب هو كيف يكون راس البصل" المكرود" شيب الله!! وبمرور الوقت وبعد ان تعلم اللغة الايطالية ادرك بان هذا الذي لا تتنازل عنه اية طبخة ايطالية او عراقية، يطلق عليه الطليان شيبولا، الا انه وبعد مرور كل سنوات الغربة الطويلة على بقائه في روما بقى مصرا على تسمية البصل شيب الله!!
الفنان اسمر وريث عائلة اهتمت بالفن وخاصة فن الصياغة الذي تطور على ايديها ليصل الى مراحل متقدمة من خلال ما ادخلته هذه العائلة الكريمة عن الجد الاكبر الملا خضر للمينا السوداء التي تعلم سر صنعها من خلال سفره في اواسط القرن التاسع عشر، الى مدينة وان في ارمينيا، وهي لا زالت الى يومنا هذا مدينة الاعمال الفنية المرموقة وخاصة فن الصياغة والحفر، اما المينا الملونة فقد ادخلها اب الفنان اسمر المرحوم هرمز الملا خضر بعد ان جلبها مع الفرن الحراري من فرنسا بمساعدة صديقة الاب انستاس الكرملي في عشرينيات القرن الماضي.
وكان الفنان اسمر بن هرمز الملا خضر المولود في مدينة العمارة سنة 1913 بارعا في فن النقش والرسم والنحت وحفر القوالب الحديدية اضافة الى اجادته الخط العربي وباقتدار كبير ومتميز، ففي اول مساهمة دولية له عرض لوحات بالرسم والخط منقوشة بالفضة المذهبة ضمن معرض بغداد الزراعي الصناعي الدولي عام 1932، كما تم انتدابه عام 1934 لتمثيل العراق في المعرض الدولي الذي يطلق عليه اسم ( المشرق) والذي لا تزال فعالياته السنوية تستقطب اهتمام جميع الشركات الصناعية والفنية في العالم في مدينة باري الايطالية، حيث لا يزال اسمه في سجلات المعرض جنبا الى جنب العديد من الفنانين العالميين الذين شاركوا في تلك الفعالية.
وعلى ضوء النجاح الذي حققه هذا الفنان الخالد تم انتدابه لتمثيل العراق في المعرض الزراعي الصناعي في باريس عام 1937. وبعد مرور عامين على هذه الفعالية التي رفعت اسم البلاد من خلال فنانها والمشاركين معه ، تم انتدابه لتمثيل العراق في واحدة من اكبر واشهر المعارض العالمية التي تقام في مدينة نيويورك في معرضها الزراعي الصناعي جنبا الى جنب عدد من الفنانين العالميين . بعدها حمل الفنان الراحل عدته الفنية ليرحل الى باريس ومن بعدها الى الاستقرار في روما ليطور قدراته الفنية في معاهدها الفنية المتعددة ومنها معهد الفنون الجميلة ومعهد حفر المسكوكات والالواح ودرس نحت الرليف( النحت البارز) وكان اثناء بقائه في روما شاهدا على احداث الحرب العالمية الثانية، وتوطدت علاقته بالراحل شوكت غالب الذي توفي قبل عامين عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. الا ان اسمر عاد بحنينه المندائي الى بلده العراق في بداية الستينات، فشارك بعدد من المعارض الفنية، وعمل في المتحف الحربي، وقام بتنشيط فن الصياغة والحفر على الحديد، بعد ان جلب معه انواع متميزة من الرمال الناعمة التي حافظت ولاول مرة على القطع الذهبية والفضية اثناء عملية الصب. الا ان الاوضاع الحرجة التي عاشتها البلاد بعد مجيء انقلاب شباط الاسود، عجلته للعودة الى اوربا فعاد الى باريس وروما ليتخصص بعمله الراقي في حفر الاختام على المحابس والقطع الذهبية والفضية.
عام 1972 بعد ان زحفت رياح خريف العمر قرر العودة الى بلاده للمساهمة في تأسيس قسم فني جديد للمعادن النفيسة لاجل احياء التراث العراقي الاصيل في فن الصياغة، فعين مديرا في وزارة الثقافة والاعلام العراقية الى ان وافه الاجل في 6/12/1999 لتنطفىء هذه الشمعة المندائية المبدعة التي اتسمت بالجرأة والصراحة والخروج عن التقاليد الفنية السائدة ليساهم في فتح الافاق الجديدة في فنون الحفر والتركيب والنحت وصنع الاختام التي عرفها الفن العراقي من خلاله.