English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
رواية "الصمت حين يلهو"
صفحات مخفية من تاريخ العراق


موسى الخميسي من روما

تنسج الكاتبة العراقية الدكتورة خولة الرومي في روايتها الجديدة " الصمت حين يلهو" الصادرة عند دار المدى، عوالم قصتها من فترة تاريخية حرجة في تاريخ العراق المعاصر، وبالذات منذ السنوات التي سبقت ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 ولحد الاشهر الاخيرة التي تداعى فيها النظام الشمولي الديكتاتوري في العراق، من خلال رصدها تفاصيل الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي في مناطق الجنوب العراقي، حيث عمقت الاحداث اليومية البسيطة في حياة ابناء الجنوب، في توغل عميق بجسد واقع المجتمع وثقافته، والاهتمام بتلابيب ومحتويات ذلك الواقع الذي استدرجته في مجريات الحدث وفعاليات البناء الذي تنوع وفق الاسلوب السردي الحكائي المطعم باللهجة العراقية الجنوبية، والذي ابتعد عن البعد التزييني.
ومع ان الرواية ظلت حبيسة الفضاء الريفي الذي قدم مستويات متعددة من الوقائع التاريخية لواحدة من الفترات التاريخية الصعبة التي مرت في حياة العراقيين ، الا ان الروائية قدمت فلسفة الحياة الجنوبية في ظل ظهور مظاهر التمدن من ناحية وصعوبات الحياة التي تعقدت بمجيء حزب البعث ليستولي على السلطة من خلال انقلابين عسكريين ، الاول مثله الانقلاب الدموي الذي راح ضحيته اكثر من 80 الف ضحية في 8 شباط/ فبراير 1963 والانقلاب الثاني في 17 تموز/ لوليو 1968 الذي جاء باحدى العشائر العراقية التي تلبست صورة الحزب القائد، لتحكم اربعة عقود من الزمن بالحديد والنار، وحتى الايام الاخيرة قبل سقوط نظام حزب البعث، حيث ربيع الحرية العراقي في التاسع من ابريل 2003 لتصل بالرواية الى عدة فضاءات تشكل عدة مراحل تتقسم الرواية حولها بتسعة فصول اساسية، تبدأ بـ( الذئاب، ابناء تيارات الآبار،الظلام ورحلة الموت، الدروب الحلزونية للذات، الاقنعة، حين يورق الصمت، الدروب والضفاف، قرابين لشروق الشمس، والصمت حين يلهو) يفضي كل عنوان فصل الى مرحلة تاريخية معينة ، سادت فيها الفضاءات الشعبية الريفية لعائلة عاش افرادها تحت خيمة الفكر اليساري العراقي وبالذات فكر الحزب الشيوعي ، لتتحدث عن جموع غفيرة من العراقيين في داخل العراق وخارجه، وعن ظواهر سياسية واجتماعية ونفسية ، اصابت المجتمع العراقي طيلة خمسة عقود من الزمن. عن خروج الجماهير العراقية الى الشوارع في محاولة تصديها للانقلابيين عشية الانقلاب العسكري في 8 شباط ، وعن حرب المقاومة العراقية في الاهوار، وضرب اهالي مدينة حلبجة الكردية بالغازات السامة،وظاهرة تهجير العوائل الكردية الى المناطق الجنوبية، وظاهرة تهريب الاموال والاثار العراقية التي كان يقوم بها اقطاب النظام البائد، وهروب الناس الى الخارج، والخراب البيئي نتيجة الحروب، مرورا بالانتفاضات بوجه النظام.. الخ.
لقد مثلت رحلة البحث في مصير شخوص الرواية، كشفا لسيادة الفضاءات الشعبية الجنوبية، مما جعل الروائية تقترب من خلال شخوصها الريفية الجنوبية( الاخوين ابا رند وابا ساهر ) والدكتور عادل والدكتورة ثروة، ورمز النظام القمعي العدواني صارم ،على اداء الفعل السردي بسمات الشخصيات التي عانت الانهزامات والانكسارات الداخلية في مسيرة بحثها عن حريتها التي سلبتها قوى الظلام التي حكمت العراق طيلة عقود مريرة من الزمن( انكسر الطريق. كنت تسير معي، لم تتركني كالحارس الامين واكبتني.. مشينا شارع الرشيد.. ثم دفعنتنا الجموع نحو الكريمات، قرب محطة الاذاعة والتلفزيون بعد ان عبرنا جسر الاحرار الى الصالحية.. الجنود والدبابات خذلونا.. الرشاشات انطلقت.. اتذكر كيف هاج الناس.. ازقة الكريمات كانت ضيقة حمتنا.. خلف منعطفاتها وتحت شناشيل بيوتها القديمة.. كان قلبي يخفق من شدة الانفعال.. ذات العيون السود جاءت لنا تحت عباءتها السلاح.. وحثتنا الاخرى على الصمود.. قالت الحياة الحرة هي ما نريد.. الديمقراطية هي هدفنا.. اصوات المدافع ظلت تدق ابواب الليل كله.. كان قلبي يهوم.. ثقيلا هو كان..).
سلطت الروائية خولة الرومي الضوء على معاناة الاسرة العراقية في ظل نظام اجتماعي وسياسي رجعي وضع المرأة في مرتبة دونية بعد الرجل، وعاملها على انها مجرد اداة لمتعته وتلبية رغباته واحتياجاته، بعيدا عن احترام انسانيتها وكرامتها، وهي النظرة التي استغلها الرجل المنتمي الى حزب السلطة لممارسة سلطته القمعية المطلقة على المرأة اولا، وعلى كل اشكال المعارضة التي يشعر بانها تحمل بداخلها اصابع الاتهام لما يقوم به من اعمال لا اخلاقية تتنافى واعراف المجتمع. (ستستبيح كل ما يسمونه بالعفة. لاقيمة لهذه الكلمة الان في هذه الظروف الصعبة. انها تطمع فقط ان تأكل وتلبس كما يلبس الناس.. اهذا طمع؟ ان تقدم الدواء لاختها.. اهذا كثير؟ ان تجعل امها تكف عن النحيب.. اهذا خطأ؟ لاتجد من تحدثه عن مشاكلها.. فلا اصدقاء لها. كل شيء اصبح يقاس بالمصالح وتجارة السوق السوداء.. وهذا الطريق ،طريق الساقطات هو مجرد عمل ويأتي بالكثير من النقود لم لا اذا؟ اجل.. انها ستكون اداة جنس وتأخذ نقودا.. اليس النساء ادوات جنس؟ حتى المتزوجات احيانا ادوات جنس واشباع رغبات.. ).
بنت الكاتبة روايتها بلغة مبسطة جميلة غير مثقلة لتدمج مجموعة من قصص العوائل التي عاشت مرارة التسلط الاقطاعي اولا والرجعي الذي مثله نظام الحزب الواحد، حيث تتناوب في السرد المرأة التي تمثلها ( رند)حفيدة الرجل الذي ثار بوجه الاقطاع في زمن الحكم الملكي، والاب الذي واجه مظالم وتجاوزات حروب النظام البائد، وابن العم( ساهر) العشيق الثائر الصامت، والشقي( صارم) من ابناء النظام، والفتاة البريئة( ملاذ) التي تمثل نساء الاقليات العراقية ، وهي تعيش معاناتها في ظل المواضعات الاجتماعية التي ترى في الحب معصية، وفي ظل تابوهات المحرمات، وثقافة العيب، ليروي كل منهم بضمير المتكلم، ومن زاويته الخاصة التي فرضتها طبيعة العلاقة التي تجمعهم في تلك القرية الجنوبية، وليروي كل منهم هواجسه وما في دواخله من مشاعر واحاسيس تجاه النفس والمجتمع والمتغيرات ، وتجاه الطرف الاخر،حيث تلم الكاتبة كل هذه الخيوط لتضعها في يد القاريء ليقرأ صفحات مخفية ما دار في عراق تلك الفترة على السنة رواة مختلفين، وهو الامر الذي خلق سردية ممتعة متداخلة تكسب وبسرعة مذهلة محبة القارىء في التواصل لمعرفة النهايات الفاجعة في حياة شعب دفع الكثير من اجل كرامته( انها سموم الحرب تلم حصادها.. شعب مفزوع بالشظايا والانفجارات. وكينونة لاناس اسودت احجار بيوتهم من الكيماويات التي ضربوا بها.. وسياسة لا تعرف الرحمة، تجبرهم على شد الاحزمة على البطون الخاوية، وليقدموا قرابين لضحايا تموت في تصحر الرمال..).
الرواية عبر احداثها تمثل رحلة بحث في تاريخ العراق المعاصر الذي لم يفصح للان عن الكثير من تفاصيله، حتى هذا اليوم، كما انها تجسد فعلا ثقافيا شعبيا ينتقل من ممارسة الى اخرى، من داخل الشخصيات الى داخل الامكنة، وهو ما يميزها في هذه السردية الشعبية العالية في ادائها بخلاف العديد من الاعمال الروائية العراقية التي ظلت تراوح في مكان واحد، ما عدا رواية " الرجع البعيد" التي كتبها فؤاد التكرلي وكشف من خلالها بعض من الاحداث التي تناولتها خولة الرومي ، وكذلك رواية " اذا الايام اغسقت" للراحلة حياة شرارة، ورواية" وليمة لاعشاب البحر" لحيدر حيدر.
انها وثيقة، لانها تتناسب وحجم الاحداث الجسيمة التي مرت على العراق، وهي ايضا اعلان عن موقف واضح وصريح لكل ما حدث ، حاكته خولة الرومي ببراعة ابداعية عكست صورة الانسان العراقي في ظل نظام القهر والتسلط والحرمان الانسان من حرية العيش والتعبير عن ابسط المواقف الانسانية.

للمزيد عن روايه الصمت حين يلهو