الصاغة في ميسان
اعداد زياد طارق جايد
February 25, 2005 10:24:00 AM
صدر على موقع اخر*
في عام 1906في مدينه العمارة و بالتحديد في محله السريه ولد طفل في بيت عريق لكنه لم يعش طفولته كما يجب بسبب انشغال والده الصائغ الفنان -زهرون مله خضر- بمسؤوليات كبيرة فقد كان مختار الطائفة الصابئه المندائيين , يمثلها في الدوائر الرسمية و يرعى مصالحها و يحل مشاكلها بيته مفتوح لكل أرمله و مطلقه محتاجة ، و كان رب اسرة مركبه قوامها ثلاث زوجات مع الأطفال و الأخوان و الأخوات و الأقارب ، و بسبب تلك المشاغل لم يبق لديه الوقت الكافي للرعاية المباشرة فتركت للأمهات .
في هذا البيت المركب الكبير و في حضرة ام متدينة حنوك اختطف منها الموت اكثر من مولود، ولد طفل أسمته (حسين ) تيمنناً حتى يعيش و عاش و نشأ حساسا نبيها و ذكيا جدا دخل المدرسة و تركها في الصف الثاني الابتدائي لاسباب خاصة ، و في الثامنة من عمره بدأ يعتمد على نفسه و شرع بالجلوس على عتبة الدار و اخذ يرسم وجوه المارة و الأصدقاء فعرف بين أهله و أتقرانه بالرسام و بدأت موهبته بالظهور فاثارت انتباه والده و أعمامه و ذاع صيته و حضي بمعامله خاصة و دخل عالم النقش على الذهب و الفضة صغيرا ذلك العالم الذي اختصت به عائلته و برعت و خاصة والده زهرون فاعتمد عليه والده و أشركه في نقش التحف و الهدايا التي تقدم للملوك و الشخصيات البارزة على نطاق الدولة و العالم و لقب - بحسني - تحببا فمنذ ذلك الوقت اختص بنقش الصور الشخصية و ظل ينقشها كهاوِ و ليس كمحترف او تاجر لانه ينقش كل صورة كأنها الاولى و الاخيرة يؤديها بنفس الصبر و الأناة و الدقة و كان يقول كل صورة هي امتحان جديد لان الوجوه كثيرة و مختلفة و قمة سعادته عند ظهورها بالشكل الذي يرضيه .
حسني الإنسان - كان صادق الأيمان يحمل قلبا نقيا صافيا يفيض حبا و عطفا على كل المحيطين به فهو نعم الأب و الجد و الصديق ، كان وسيما نظيفا باسم الوجه أبدا حليما متسامحا كريما لا يرد محتاجا كم اسقط ديونا دون ذكر أصحابها لانه يكره التباهي ، قنوع عف اللسان ، يكره المجامله و الكرم الزائف .
من ابرز صفاته الكتمان و الصبر على الشدائد و الدليل ذلك السر الذي لا يعرفه الا اقرب المقربين ، و هو ان الفنان و النقاش المشهور لا يعرف كيف يصنع سبيكة ذهبيه و لا كيف يصوغ حلقه ذهبيه بسيطة ، كل عدته أقلام النقش و حجر المس يحملها في جيبه أحيانا عند تنقله بين العمارة و البصرة و بغداد حيث محلات إخوانه و أعمامه و أخيرا استقر في العمارة للعمل مع أخيه جبوري و ابن عمته عبد سلوم و قد صاغت أناملهم أروع التحف الفضية و الذهبية و كم تهافت الناس على اقتنائها ، ثم شارك ابن عمه الصائغ ابراهيم رشيد في محل صياغة في شارع بغداد و بقى شريكا حتى عام 1954 ثم انفصل و قرر ان لا يشارك أحدا و بقي في البيت لمده سنه بلا محل و لا عمل و كان حينها رب اسرة مكونه من عشره أفراد . فرح حساده و هم كثر لغيابه عن الساحة الذهبية و توقعوا ان يموت النقاش الماهر و عائلته جوعا لانه ليس ممن يكنزن المال بل يعمل على قدر حاجته و كانت تلك الفترة خير دليل على صبره .
بدأت محاولاته الاولى لاكتشاف عالم الصياغة المجهول بالنسبة له و هو في الثانيه و الخمسين من عمره دون مرشد و كان يجد غضاضة بل مرارة بالاستعانة باحد و هو لا يعرف أسرار المهنة في تنقيه الذهب و عمل سبيكة قابله للطرق دون تكسرها و لا يعرف كيف يلحم ، بقي يحاول و بعد عشرات المرات بل المئات افلح في تحقيق مراده و فرح بنجاحه و كأنه المكتشف الأول للصياغة و بدأ يصوغ و يا لروعة ما صاغ .
استأجر لاول مرة محلا خاصا به في العمارة في شارع بغداد و أصبحت التحف التي يصوغها لا تجارى و خاصة الاساور و القلائد المطعمة بالميناء السوداء و الصور الشخصية المنقوشة على الذهب و صارت كل فتاة عمارية تشترط على خطيبها صورة من صياغته تتباهى و تتبارك بها و هكذا أصبحت تحفه زينه و خير خزينه و لا يمكننا ان نحصي عدد الصور التي نقشها لعامه الناس والشخصيات البارزه و قد وصلت تحفه الى الدول العربية و الأجنبية و قد قصده الكثير من الزوار لمشاهده التحف و كيف يصوغها .
احب هذا الفنان الطبيعة بل قدسها و خاصة مدينه العمارة الحالمة بأحضان دجله الخالد و أطلق مقولته المشهورة - بلم بشط العمارة تسوى باريس كلها - بعد عودته من سفرة قام بها الى فرنسا للاشتراك في معرض باريس الدولي في الثلاثينيات القرن الماضي و حاول مدير المعرض إغرائه للبقاء في باريس . و هكذا عاد الفنان لارض أجداده و أهله لينعم بدفء حضن مدينه العمارة و أهلها الطيبين تلك المدينة الهادئة الغافية على ضفاف دجلة الخير و استمر بالتعبد و الصلاة صباح مساء على الشاطئ الحبيب بعد الوضوء بالمياه النقية الطاهرة الجارية على مر العصور .
ثقافته شخصيه بحتة . فبعد ترك الصف الثاني الابتدائي تعلم القرائه و الكتابه باللغة العربية و المندائيه و اللانكليزيه من الممارسة و الاحتكاك بالمتعلمين دون مدرسه او معهد احب العلم و المطالعة و من اعز أصدقائه ، السيد عبد الرحيم الرحماني - صاحب اشهر مكتبه في العمارة - مكتبه الرحماني - و قد واظب على شراء مجلة الهلال و قراءتها من الغلاف الى الغلاف و اكن يحب إشراك العائلة بالقصص و المواضيع الطبية و العلمية .
من هواياته لعب الشطرنج و قد تفوق على مدير معارف العمارة الأستاذ - سيد حسن الجواد - في لعبه شطرنج رغب بها المدير تحديا لانه كان امهر لاعب في العمارة.
عاش متدينا صادق الأيمان اخذ من الدين جوهره ، تصرف طول حياته بنكران ذات و بكرم و إباء فاعطى نضره انه من أصحاب الملايين لقناعته و رضاه و الحقيقة انه توفي في بغداد بتاريخ 8/8/1982 - و كانت كل ثروته - صدق او لا تصدق - خمسه عشر ألف دينار لا غير و معها كنز من السمعة الطيبة لا تصنعها مليارات الدنانير ، عاش و مات بلا جعجعة فارغة بل باسم نقش في ذاكرة الزمن بقلم من ماس .
http://mayssan.friendsofdemocracy.net/default.asp?item=79299