English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
الصائغ صالح عايش 1880-1952
ثائر صالح

تطورت حرفة الصياغة في بلاد الرافدين عبر آلاف السنين، وابتكر العراقيون القدماء الكثير من الإبتكارات في الكيمياء وعلم المواد قبل إعادة اكتشافها في أوروبا بقرون عديدة. فعلى سبيل المثال عثر المنقبون على أوانٍ نحاسية سومرية تعود إلى حوالي 2500 ق.م. مطلية بالفضة بطريقة تماثل طريقة الطلاء الألكتروليتي بالخلية الكهربائية. وعثروا في 1936 على أوانٍ يسميها العراقيون بستوگـة تعود للعصر الفرثي (248 ق.م. – 224 م) (وحسب رأي آخر شُخّص الفخار بأنه على الطراز الساساني، أي أن تأريخه يعود إلى ما بين 224 – 640 م) صنعت من الخزف بالقرب من بغداد، فيها اسطوانة نحاسية في وسطها قضيب من الحديد عزل باستعمال القار، وحسب فلهلم كونيغ مدير المتحف العراقي في بغداد آنئذ، يمكن لهذه الأواني توليد تيار كهربائي باستعمال سائل ألكتروليتي مثل الخل المصنوع من التمر، واشتهرت هذه اللقى باسم بطارية بغداد. لكن ما هو الغرض من انتاج الكهرباء قبل آلاف السنين؟ لم يعط علماء الآثار جواباً شافٍ على ذلك، لكنهم يعتقدون بأنها قد تكون استعملت لطلاء المعادن أو للعلاج.
غير أن الصاغة المندائيين عرفوا قبل قرون عديدة خلية كهربائية مماثلة استعملوها في عملية طلاء المعادن الرخيصة كالنحاس بالمعادن الثمينة (الفضة أوالذهب)، وهي تقنية عرفتها أوروبا لاحقاً بعد اكتشاف التيار الكهربائي في 1799 على يد الإيطالي ألساندرو فولتا. وكان الصائغ صالح عايش (1880-1952)، أحد الصاغة المندائيين المعروفين يستعمل هذه التقنية التي قال أنه أخذها عن أبيه عايش الذي أخذها عن أبيه عوض بن فيض الله بن عوض بن عنات بن عزيز بن ناصر بن زكر (كنيانة ملكا صابر).

وكان عوض قد ترك الأحواز وعبر شط العرب سباحة هرباً من وباء الطاعون الذي حصد كل أولاده وعائلته، وعبر معه ابن اخته مرّان وأخته، واستقر عوض في أبي الخصيب قرب البصرة حيث تزوج وأنجب عايش وسيف وعايشة، بعد أن تقدم به العمر كما يقال.
ويحكى أن عايش وأخاه سيف كانا يعملان في البصرة، فشعر صائغ أرمني كان يستحوذ على السوق هناك بالتهديد لبراعتهما، فشكاهما إلى الوالي العثماني بحجة أنهما يفسدان الصنعة، فتناظروا أمام الوالي الذي أمرهم بإثبات قدراتهم في الصياغة. فما كان من عايش إلا وأمسك بصينية من الفضة جلبها معه، وخط فيها بقلم النقش وبدون استعمال فرجال دائرة تامة دون أن يرفع يده إلا بعد أن أكمل الدائرة وترك ”القلاعة“ في الصينية. فسلم الأرمني بالهزيمة ونقل عمله إلى بغداد.
وكان صالح يقوم بعملية الصياغة من ألفها إلى يائها، وكان يصنع القوالب بنفسه ويخلط السبيكة ويصهرها ويصبها في القالب قبل أن يقوم بصياغتها ونقشها وتطعيمها بالمينا وإجراء العمليات النهائية. كذلك كان يقوم بالطرق والسحب والتجميع. وكان يستعمل في عمله مواد لحام خاصة يقوم بتهيئتها بنفسه، ومن المعروف أن تصنيع واستخدام مواد اللحام هو علم هام من العلوم الصناعية. والسبائك لا تتقبل أي مادة لحام بشكل اعتباطي، واختيار مادة اللحام الملائمة عملية معقدة ومهمة فقد يتسبب أدنى خطأ في فشل لحام القطع. وكان يجمع بين العلم والفن، الصنعة المتقنة والقدرة الفنية الراقية، إذ كان ينقش على المعدن أي منظر يوضع أمامه بمنتهى الدقة والجمال. وتخصص كذلك في صناعة الصواني، وكانت له عدة خاصة يعمل بها. ويقال أنه كان يصلح الصواني التي يصيبها العوج (تـپـوّط) دون مقابل بضربة واحدة أو ضربتين من مطرقة خشبية خاصة يستعملها لهذا الغرض.

رفض صالح عايش الإنخراط في الجيش العثماني أثناء الحرب العالمية الأولى، وعبر إلى عبدان وعمل بالصياغة هناك، وتتلمذ على يديه بعض الصاغة من مندائيي الأحواز، كما أمضى سنوات أخرى في العمل هناك لاحقاً. وحكى لي عمي مهدي العايش أنه زار عبدان مع صديق له، وجالا في سوق الصياغ وتوقفا عند أحد الصاغة. وعندما رأى الصائغ أن عمي يفهم في أمور الصياغة سأله من أين أنت. وبعد الجواب صاح الصائغ أنت ابن استاذي، لابد أن تتغدوا اليوم عندي، فاعتذروا. وبعد انتهاء الحرب وعودته بدأ صالح يبيع مصوغاته إلى القوات البريطانية وبدأ يكثر من السفر إلى المدن التي أصبحت مقراً لتلك القوات مثل البصرة.
اختارت الحكومة العراقية صالح عايش سوية مع ستة فنانين آخرين هم عباس عمارة وأسمر هرمز ملا خضر (ويعرف كذلك بأسم أسمر زهرون) وجاني سهر (أبو الشهيد سميع جاني القائد النقابي الذي اغتاله البعثيون قبل انقلاب شباط الفاشي) ونوري خنجر وسبع فياض وشوكت غالب لتمثيل العراق في معرض نيويورك العالمي التخصصي في 1939 قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وسافر الجميع إلى إيطاليا المحطة الأولى حيث طلبوا سمة الدخول للولايات المتحدة الأمريكية في السفارة هناك، غير أن طلبات أربعة منهم رفضت. فلم يصل الولايات المتحدة من السبعة سوى عباس عمارة وسبع فياض ونوري خنجر، فقد أشار الفحص الطبي إلى وجود إصابة قديمة بالتراخوما عند كل من صالح وأسمر، فرفض طلب منحهما السمة. وبقي كل من أسمر هرمز خضر وشوكت غالب في إيطاليا، لكن سرعان ما زج بأسمر في المعتقلات بعد اندلاع الحرب، وقد نجا من الموت بإعجوبة بعد أن أثبت أنه ليس يهودياً ولم يتحرر من المعتقل إلا بعد احتلال إيطاليا من قبل الحلفاء. وحكى لي ذات مرة أنه كان يستعمل أسم برونو هناك (وهو ما يقابل أسمر باللغة الإيطالية) وعاش وعمل في فرنسا وإيطاليا وجال في أوروبا قبل أن يعود إلى العراق في السبعينيات، وكان يتحدث بعض اللغات الأوروبية بطلاقة مثل الإيطالية والفرنسية. أما صالح فعاد إلى بيروت حيث عمل فيها لفترة، ثم إلى دمشق فأمضى فيها سنتين للعمل في الصياغة قبل أن يعود إلى العراق. وكان صالح يجيد إلى جانب العربية والمندائية اللغات الإنكليزية والفارسية وتعلم بعض البولونية من الجنود البولونيين في السوق.
وتتوارث العائلة مخطوطة ”نياني“ كتبها الجد الكبير عايش في 1299 هجرية (1882 م) نجد فيها ”وأنا يا عايش جيت لأبو الخصيب وكتبت عليها ونعلا على من يسرقها وما يباريها ويقرا بيها ويترحّم لمن كتبها آمين ثم آمين يا رب العالمين والسلام خير ختام“. وكتب فيها صالح بخطه الجميل عن أحوال العائلة وبعض الوصفات الطبية والمعلومات المهمة باللغة العربية.

وبقيت لنا مفكرة من عام 1929، كتب فيها صالح أحداث ذلك العام وبعض أحداث العامين التاليين، وقد كتبها بخط جميل وواضح يحسد عليه وباللغة العامية (إذ لم يدرس العربية). وتشير سطورها إلى صعوبة المعيشة وإلى علاقاته بأقاربه وعائلته وبأصدقائه الذين يعمل معهم، وكذلك أرخ بعض الأحداث، فيذكر مثلاً خلال وجوده في بغداد: ”هذا اليوم طاحت طيارة على جسر مود ومات بيها واحد هولندي“. كما يصف في أحيان قليلة علاقته الظريفة بالمشروب ”هذا اليوم احتصرت واشتريت روبية عرق وشربت عود أونس خاطري أشو احتصرت أزيد“ أو ”هليوم نحس وجعتني بطني وصلتني إلى درجة الموت وشربت نص عرق ونشكر العرق على هاي الحكمة“. كان يتألم لفراق أولاده، وكثيراً ما كان يذكر زوجته وأولاده: ”هل يوم فاتوا من على دكاننا أولاد المدرسة كشافة يقرون نشيد وهم من كبر حنا ومتي وشفتهم وضاق خلقي على فراق أولادي“.
أتقن صالح استعمال المينا السوداء (المحرگ) التي قال أن جده عوض قد جلب أسرارها معه من الأحواز، وأشار الكاتب موسى الخميسي في كلمته الجميلة عن الفنان أسمر بن هرمز خضر المنشورة على موقع اتحاد الجمعيات المندائية، أن ملا خضر هو الذي جلب أسرار صناعة المينا السوداء من أرمينيا. والمينا السوداء هي خليط فيه قليل من الفضة وكمية معتدلة من النحاس والرصاص وكثير من الكبريت بنسب خاصة، يصهر فوق الفضة المنقوشة ثم تصقل الحلية بعد ابترادها.

وعلاقة صالح ببيت ملا خضر علاقة قرابة وعمل مشترك وصداقة. إذ يكتب صالح في مفكرته عن وفاة زهرون في 27 تشرين الثاني 1929: ”إجاني خط من أهلي يقولون زهرون إبن ملا خضر مات في بغداد وضاق خلقي على زهرون هوايا واحتصرت. مات بالمبطلات أبو الفل“. كما يكتب في آب 1929: ”هذا اليوم نحس. أسمر إبن غرنوقة [أسمر بن هرمز ملا خضر] اتعارك، وأجا واحد ودفع غرنوقة وأنا واقف وقلت له ليش تدفع الحرمة وتعارك معاي“.
كان كثير الترحال بهدف طلب الرزق الذي حصل عليه بصعوبة رغم جودة عمله، كادحاً شأنه شأن سائر فنانينا الصاغة قبل أن يزاوج بعضهم بين فن الصياغة وتجارة المصوغات منذ خمسينيات القرن العشرين بعد النزوح الجماعي لليهود من العراق. علي سبيل المثال سافر صالح للعمل في بغداد في 1928، ثم عمل في كركوك من تشرين الأول 1928 لغاية نيسان 1929 عاد بعدها إلى بغداد، وفي تموز عاد إلى أهله في العمارة ليقضي الكرصة معهم، ثم ذهب في آب إلى البصرة وعبر في أيلول إلى عبادان فقضى خريف 1929 وعامي 1930 و1931 في العمل هناك. وكان صائغاً معروفاً، صنع مثلاً أثناء إقامته القصيرة في بغداد سنة 1929 سيفاً مفضضاً لحساب البلاط الملكي خلال أقل من ثلاثة أسابيع حسبما ورد في مفكرته، وصنع الكثير من علب السكائر أو الثقاب أو ما يسمى بـ (قوطية تتحرك)، وهي تراكيب معقدة مشغولة بطرق فنية ذكية.

وقص صالح على أولاده قصة طريفة عن محاولة ”اختطافه“ من قبل ثري أمريكي في أوائل عشرينيات القرن العشرين، تتلخص كما يلي: في أحد أيام الربيع الصافية صعدت إلى إحدى بواخر شركة فرّاره كعادتي لبيع منتجاتي من المصوغات، فأخبرني القبطان بأن صاحب الشركة موجود على الباخرة ويدعوني لقمرته، فاستبشرت خيراً. رحب بي الرجل وأجلسني بجانبه وقص علي ”كما ترى فأنا رجل كبير السن وأملك شركة كبيرة لسفن تمخر عباب بحار العالم مثل هذه السفينة، ولدي عائلة صغيرة متكونة من زوجة وإبنة وحيدة، وسبق لنا زيارة ميناء البصرة عدة مرات وكنا نراقبك عن كثب واخترناك أنا وزوجتي عريساً لأبنتنا وقد وافقت هي على ذلك بعد أن رأتك، وكما تعلم ستؤول كل أملاكي وشركتي إلى ابنتي، فما تقول؟“ أجاب صالح وبدون تردد بأنه غير موافق، وأوضح بأنه متزوج وله بنتين وولد وأنه يحب عائلته ولا يود تركهم أو ترك وطنه. وبعد الإلحاح والترغيب الذي قابله صالح بالرفض قال الأمريكي وما العمل الآن؟ فتبين أن السفينة قد أقلعت من البصرة متوجهة نحو الولايات المتحدة ودخلت الخليج حيث لا يوجد سوى الماء والسماء. فما كان من صالح إلا أن يصر على العودة إلى البصرة. فأسقط في يد الثري الأمريكي وازداد احترامه لصالح، لذا أبرق لأول باخرة عائدة إلى البصرة لتأخذه. وكان صالح وسيماً كما نراه في الصور القليلة المتبقية رغم مرور الزمن عليها. ولا تزال شركة فرّاره من الشركات الملاحية العاملة في الولايات المتحدة إلى اليوم.
وكان صالح يهتم بالجديد والغريب من الأشياء، مثلاً كان يجلب فواكه وبذور ونباتات غير معروفة في العراق آنئذ عند قدومه من سفراته. كما كان يصف الطبخ الهندي والصيني وكيفية استعمال التوابل والفلفل في غذاء هذه الأقوام. وقد أثرت سفراته الكثيرة في شبابه وجولاته في الشرق الأوسط وإيطاليا على ثقافته وطريقة تفكيره وعلاقته بالآخرين.

 

(الكاتب ممتن لأعمامه البروفيسور متي العايش والسيد مهدي العايش، أبناء الصائغ صالح عايش، وأبنة عمته اكتفاء نعيم الرومي وأخوته فاتن وسعد العايش على تزويده بالمعلومات والوثائق والصور المستعملة في كتابة هذا المقال)