English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

هرمز بن ملا خضر

قصة الثالثة : جبل مدّاي وكيف جاء الاتراك لاحتلاله
الرواية: هرمز برانهر(هرمز بن ملا خضر)

كان مندائيو شسشتر يحبون ان يروا افراد ملتهم اينما كانت ديارهم، وكانوا مغرمين بتتبع اخبارهم. وفي احد الايام جاء الى شيشتر من بلاد المغرب درويش فسألوه ما اذا كان هناك مندائيون في بلادهم، وما اذا كانوا يقرأون كما نقرأ نحن" صلوات وتعازيم". اجاب الدرويش" معي درويش آخر يعلم ذلك. انه شيخ كبير السن جدا" وخاطب الكنزفرا قائلا" ولاجلك سآتي به الى هنا".
ثم ذهب الدرويش وعاد معه الشيخ الاخر. وحين عاد الى المندائيين ومعه الدرويش الثاني لاحظ المندائيون ان نصف جسم الشيخ الاول كان ابيض والنصف الثاني اسود، وان نصف جبهته ونصف راسه كانا ابيضي اللون وكان النصفان الآخران اسودين، النصف بالتمام.
جاء الدرويش كبير السن ووقف قبالة الكنزفرا وقال" ان قلبي جذلان الان!".
فسأله الكنزفرا: لماذا ذلك؟.
اجاب" انتم من المندائيين، ولقد رأيت قومكم". لقد ميز المندائيين من ازايائهم ومن الرستات التي يلبسونها. من الهميانات التي يتمنطقون بها، فهو كان قد شاهد المندائيين والناصورائيين في جبل" مادّاي او مدّي- جبل المندائيين".
سأله الكنزفرا:" كيف تسنت لك رؤيتهم؟".
قص عليهم الدرويش القصة فقال." انه كان منجما يصحب الجيش التركي الذي يقوده وزير السلطان، وكان الجنود كثيري العدد، ومعهم المدافع والبارود، وكانت الاوامر تنص على الذهاب الى جبل المندائيين واعلان الارادة بان على المندائيين الخضوع للسلطان التركي، فاذا رفضوا ذلك كان على الجيش فتح النار على الجبل، وكان الوزير قائدهم قد نصح السلطان باتباع الوسائل السلمية اولا، وارسال مبعوث للتفاوض معهم او مع زعمائهم. لقد قال للسلطان، " من الحكمة ان نتبع هذا الاسلوب الاولا الى ان نعرف مقدار قوتهم".
وطبقا للاوامر فهم حين وصولوا الى الجبل، ارسل الوزير رسولا وكان شخصا ذا معرفة، للتفاوض مع الريشامه، وكان ذلك يوم احد.
ذهب الرسول الى الكنزفرا وتمنى له السلام، وجلس الاثنان، فقال المبعوث" لقد ورد الينا امر من السلطان انة تكون انت وقومك من اتباعه وان تؤدوا له الولاء".
اجاب الريش امه" نحن لا نخضع للسلطان، ان خضوعنا لله وحده. ونحن لانطيع امر اي انسان، او نكون تحت سيطرته." قال المبعوث" اذا لم تقبلوا بما عرضت عليكم، فسنطلق عليكم مدافعنا ونقتلكم".
اجاب الريش امه" لتطلق مدافعكم، واننا سنهزمكم ولكن ليس عن طريق الحرب، فالسلطان لديه الجنود والمدافع، ونحن لا شيء لدينا، لا مدافع ولا سلاح. ومع ذلك فسنلحق بجيشه الهزيمة والخسران. من الخير لقائدكم ان ينسحب لئلا يهلك جنده".
عاد الرسول الى القائد وقال: انه يقول كذا وكذا. ونعجب القائد وقال" ماذا سيكون ما يقتلنا بلا حرب؟" وكان للكنزفرا ابنة وكانت له بناية مقدسة، وهي محل سري للعبادة فوق الجبل، الى هناك ذهب واخذ ابنته، فقد كانت له معرفة من معارف ليوت( دلبات او فينوس) التي هي ملاك انثوي تسكن في كوكب ليوث. وكانت الابنة محببة جميلة بحيث اذا رآها انسان تلاشى واغمى عليه. وكانت تلبس تاجا غاية في الجمال فوق جبينها، ويفوح منها عطر آخاذ بحيث كان من يشمه يفقد احساسه ووعيه، وكان التاج من نور، وكان يوجد حكماء ولهم محلات يستقبلون فيها بنتا او ولدا ويقرأون له او لها التعاويذ السرية، فتهبط فينوس على البنت او الولد، وتجيب عن اسئلتهم وبهذا يتعلمون فيها معرفة كثيرة.
وقد اعتاد الكنزفرا ان ياخذ ابنته الى هذا الملجأ السري الذي كانت تهبط اليه ليوث، وضع الاب اناء زجاجيا مملوءا بالماء امام البنت قال لها" انظري". ثم بدأ بقراءة التعاويذ الى ان احمر القدح ثم ابيض ثم ازرق، الى ان اصبح كرة من نور. في تلك اللحظة تهب ريح عذبة على الفتاة فتنام وتدخل ليوث في افكارها وتتحدث عن طريق فمها، وكان الكنزفرا ينهض ويقول لها" ليوث ساعدينا وتفضلي علينا!، ان جنود الترك قد جاءوا لالحاق الضرر بنا وانت تعلمين اننا لم نفعل لهم اي سوء".
وادجابت ليوث" ساسبب لهم الهلاك، سوف لن يقدروا عاى الحاق الضرر بكم ما دمنا في هذه الدنيا".
قلب لها الكنزفرا" وماذا سنعمل ضدهم؟" اجابت ليوث" سافعل ما يمنعهم من رؤيتكم، ستظلم الدنيا امامهم وسيعجزون عن الرءية".
قال الكنزفرا" ان ذلك سيضرهم كثيرا، انهم جنود مساكين واناس فقراء، انا لا ارغب بالحاق الضرر بهم( لان الناصورائيين اناس رحماء لا يرغبون بالحاق الضرر باحد). ولذلك سالها" هل تقدرين على شيء آخر؟".
اجابت" اقدر ان اجعل الماء يحيط بهم فبعجزون عن الحركة". قال الكنزفرا" اذا احاط بهم الماء فسيعجزون عن تناول الطعام وسيسجنون هناك ويلكون، اسألك ان توحي اليهم بالخوف" اجابت ليوث" ان الايحاء اليهم بالخوف هو بيد اثاهيل والشفياهي، لان ملك الظلام والشفياهي هم تحت امرة ابثاهيل، اقرأ هذا الطلسم وسيرسل ابثاهيل روحا تفعل لك ما اردت".
وجاء يوم الاحد وذهب الكنزفرا وتعمد في الماء وصلى واخذ طلسمه وذهب الى معبده وبدأ يقرأ هناك، وظل يقرأ ويقرأ، حتى ظهر امامه شيء يشبه النار، فتهيبه لكنه قال له" شلاما الاخ يا كنزفرا، شلام ادهي اهبيلخ"
( سلام عليك ايها الكنزفرا، ليكن سلام الحياة لك).
قال الكنزفرا" ان هؤلاء الترك قد جاؤا للاضرار بنا، اسال منك، ومن ابثاهيل ان تلقوا الخوف في قلوبهم فقط، ليغادروا بلادنا دون الحاق الضرر باي احد منهم".
اجاب الملك الشفياهي" استطيع ان اجلب لك ملكا لكل جندي من الجيش التركي يقف بجانبه، وحين يحاول الجنود ان يطلقوا النار من مدافعهم او من بنادقهم فسوف يدفعون الى الخلف عاجزين، ولن يعرفوا السبب"
قال الكنزفراهذه طريقة جيدة لتخويفهم.
جمع الملك الشفياهي، واتخذ كل واحد مكانه بجانب الجنود الاتراك الا ان زعيم الشفياهي جلس بجانب الكنزفرا فوق الجبل.
وصاح قائد الترك قائلا" الى المعركة، افتحوا النار عليهم واقتلوهم، انهم لا يطيعيون ارادة السلطان فيجب ان يموتوا".
ولكن حين بدأ الجنود يطلقون النار احس كل منهم ان شيئا يدفع به الى الارض، فقد انكسر رأس احدهم وذراع الآخر، فصرخوا" ماهذا" ودب فيهم الرعب ومعهم ضباطهم وقادتهم. قال القائد لمستشاره، وهو الرسول الذي كان قد ارسله للتفاوض مع المندائيين" ما الذي جعل الجنود يخرون الى الارض؟ لقد كانوا يسقطون على جميع الجبهات!".
قال" ان هؤلاء الناس دراويش، وهم اناس يعبدون الله، فيجب ان لا يسعى احد الى الاضرار بهم، ومن حاول ذلك فان القوى التي يتسلمونها من الله عظيمة، تقتلنا جميعا".
قال القائد" سنرجع الى السلطان ونأتي بتعزيزات ونستمع لما يقول بهذا الشأن"، وكانت العادة في تلك الايام، انه اذا احتاج السلطان الى جنود اجبر الناس على الدخول في الجيش.
ان ملك الجن الذي وقف بجانب الكنزفرا سمع ما قيل وبدأ يضحك عاليا. قال الكنزفرا" لماذا تضحك؟" قال الملك" اضحك على ذكاء الترك هؤلاء، ان ايثاهيل هو الذي يعطيك القوة بينما قوتهم بشرية فما اتفه قولهم". ثم قال" ساريك شيئا مسليا". قال الكنزفرا. حسنا. قال الآخر" غذا سيبدأون بالتراجع، ولكن سافعل ما يعيقهم من التقدم للامام، جميعا، قادة وجنودا"
ابتسم الكنزفرا وقال" اود ان ارى هذا العمل".
وفي الصباح حاول الجيش ان يسير، وكان ملك الجن مع الكنزفرا يرقبانهم من فوق الجبل، ونظر الكنزفرا، وبدأ ملك الجن يقرأ تعاويذه همسا، فرأى الكنزفرا بريقا من النور يهبط من السماء، ويتكاتف وينتشر في الهواء، ويمتد فوق الجنود، ومن معهم، وكلما كان الجنود الترك يحاولون السير، كان الخطو الى الامام يعجزهم، فكانوا مضطرين الى الخطو الى الخلف. صاح القائد" ماهذا اسرعوا" الا انهم لم يقدروا على ذلك وكان هو على نفس الحال ايضا لايستطيع التحرك الى الامام. قال الضباط للقائد" سنموت جميعا، فماذا نفعل، ان هذه نتيجة محاولتنا القتال مع المندائيين والناصورائيين الذين هم كالدراويش والذين يخافون الله، لماذا نحاصر هؤلاء الناس، ونريد ايذائهم".
وكان مع القائد منجمون، يحسبون حساب النجوم ويتنبأون بالغيب، وكان مع احدهم اناء يشبه مرآة تستطيع ان ترى فيها وجهك. كان الاناء اثريا قديما، وكان قد استخرج من باطن الارض، وكانت عليه نقوش باسماء ذات سلطة وقوة، وحين كان المنجم يمعن فيها النظر كان يرىى ما يريد رؤيته. جلب المنجم الاناء ونظر فيه ليرى مجرى هذه الاحداث، الا ان ذلك كان بصورة سرية، لان القائد وسائر المنجمين لم يعرفوا انه يمتلك مثل هذا الاناء. تمعن المنجم في الاناء، فرأى الكنزفرا وملك الجن الذي سبب هذه الكوارث، جالسين فوق الجبل، وفي نفس الوقت ادرك ملك الجن بان المنجم ينظر في انائه فاخبر الكنزفرا قائلا له" ان لدى هذا المنجم اناء هو طلسم مندائي مع كتابات فوقه، وقد كان قد صنعه اجداد قدماء لكم".
قال له الكنزفرا" هاته لي، فهو يجب ان يعود لنا لا للترك".
كان المنجم لا يزال يتمعن بالاناء، وحين كان يفعل ذلك، حدث ان خر عليه شيء وخطف الاناء واختفى من امامه كلية، فبدأ يصرخ وجاء الاخرين اليه مسرعين، قال المنجم" لقد كان لدي شيء امامي، وهو اثر قديم، الا انه خطف مني ولا ارى من الذي فعل ذلك".
وناح وبكى، فقال له الضباط والجنود،" كيف حصل ذلك؟"
وظل المنجم باكيا عليه ليل نهار، فاشفق عليه الكنزفرا، فقد كان الاباء لا يقدر بثمن، فقال للروح" مر المنجم ليأتي الى هنا، ودع الجنود يغادرون كل الى اهله فهم يجب الا يبقوا مسجونين هنا".
وحين جاء صاحب الاناء، ركع على يديه وركبتيه، لانه قد رأى نورا يحيط بالكنزفرا، نورا كان يتخذ احيانا شكل وجه انسان او شكل شخص. خاف المنجم فقال له الكنزفرا" لا تخف، ان الذي معي هو ملك الجان".
ثم قال له" من اين حصلت على هذا الاناء؟ انه يخصنا وعليه كتاباتنا". اجاب المنجم" ان الاناء الذي تراه هو من جبل قوردون الذي يسميه العرب جبل قاف وهو من الجبال التي تحيط بالارض وهي واقعة في الشمال".
قال الكنزفره" وكيف حصل عليه الذين جلبوه اليك؟". اجاب المنجم" يوجد في تلك الجبال محل يتعذر بلوغه محاط بمستنقعات كثيفة، مملوءة بالقصب والشجر والحيوانات المفترسة، وقد حدث ان افتقر والدي الغني وارتاد هذا المكان المخيف قائلا" لتفترسني السباع والوحوش، فانا الان لا ابالي لانني اصبحت معدما". وكان له حمار يحمله في اسفاره، ولما اقترب الحمار من ذلك المكان رأى والدي ما ملأه رعبا، فقد رأى افعى ضخمة تلتف حول لوح من الرخام الاسود، ورأسها منتصب وعيناها تقدحان شررا، وكان في منتصف اللوح اسد في هيئة تهديد، وبجانبه عقرب كبير وفوقه زنبار اكبر من الطائر".
ضحك تاكنزفره حين سمع ذلك لان والد المنجم لم ير حيوانات ووحوشا حقيقية، بل رأى سكيندوله، وهي مجموعة رموز طلسمية، فالافعى برأسها المرفوع تمثل اور التنين الهائل الذي تستقر فوقه الارض، ورأسه مرتفع الى اباثر، وعيناه المتقدتان هما من الماس، وهذا الرصد، والرموز قد صنعها المندائيون لتحافظ على كنز مدفون هناك، من الجان والعابثين الاخرين. لقد كان هذا الرصد قويا بحيث لا يستطيع احد الدنو من البقعة التي هو فيها، وسر الكنزفره كثيرا حين سمع هذا وقال " ساذهب الى هناك".
واستمر المنجم قائلا" وغادر والدي المكان، الا ان حماره تعثر بعارض اعترضه، فنزل من على ظهره، ورأى قسما من جرة مطمورة في الارض، فحفر واخرجها وازاح غطاءها فرأى فيها هذا الاناء، وسر سرورا عظيما، فبواسطته كان يستطيع ان يستدعي الارواح التي كانت ترشده للاشياء المفيدة، فادخر مالا، وحين توفى ورثت انا الاناء".
قال الكنزفره" ان هذا الاناء اناؤنا، وان قومي هم الذين دونوا عليه الكتابة، ساحتفظ به وساعطيك ما تريد عوضا عنه".
اجاب المنجم" لا اريد مالا عوضا عنه، اعطوني ما استطيع به من كسب قوتي، لانني رجل درويش".
اعطاه الكنزفره مصباحا معدنيا صغيرا، عليه نقوش وقال له" لهذا المصباح روح اليفة، فاذا احتجت الى طعام او الى مال فسترى ملكا صغيرا جالسا فيه سيجلب لك ما تريد، ساعطيك هذا عوضا عن انائك".
فرح المنجم وقال" هذا شيء حسن ايضا".
كان المنجم هذا هو الدرويش الشيخ الذي جاء الى شيشتر واخبر الكنزفره انه كان قد شاهد المندائيين. وحين قص المنجم قصته قال الكنزفره انه يريد المصباح الذي اعطاه اياه كنزفره جبل المندائيين.
اجاب الدرويش الشيخ" انه معي، ولكني لا اريد ان يراه احد، فهو عزيز عليّ جدا" ولكن كنزفره شيشتر اقنعه بمعسول الكلام. وفي احد الايام جلبه معه، فرأى الكنزفره روحا صغيرة داخله فسأل الروح" اين قومنا وفي اي بقعة؟" اجابت الروح" انهم في جبل مداي" ) يسمي العرب جبل المندائيين جبل مدي).
بعد ذلك سال الكنزفره الدرويش الاخر" كيف حدث ان اصبح نصف منك اسود والنصف الاخر ابيض؟" اجاب الدرويش الاول" انا وزوجتي واولادي الثلاثة وابنتي سكنا مرة البراري لصيد الحيوانات من اجل الغذاء، كالغزلان والخنازير البرية والطيور والانواع الاخرى، وكان موضعي وخيمتي بعيدين قليلا عن مواقع البدو، وفي احدى الليالي حين كان القمر في ليلته الرابعة عشرة، خرجت للقنص فاصطدت ثلاثة غزلان اوثقتها بحبل قوي، واتيت بها الى خيمتي وعلقتها مربوطة الى السقف وجلست هناك مع زوجتي وعائلتي، وخيل الينا اننا رأينا شيئا اسود في الخارج كان يقترب، ثم دخل فملأ باب الخيمة وكان رأسه، كما خيل اليّ، عريضا وكبيرا، وكان بطنه هائلا، وذراعاه ضخمتين، وكان على العموم يشبه الانسان ما عدا انه كان مغطى بشعر كثيف.
" وحين رأينا ذلك، ارتعبنا انا وزوجتي وصرخنا" ماهذا!" نظر الوحش الى الداخل وحين رأى الغزلان معلقة في السقف امسك بها فانقطع الحبل وابتلع الغزلان الثلاثة مرة واحدة.
" فر الاولاد رعبا الى امهم، فقفز على احدهم وابتلعه، ثم عمل بالثاني ما عمل بالاول، وكذلك فعل بالولد الثالث، ثم بعدهم التهم البنت، كانت زوجتي قد شلها الرعب فرأت شقا في الخيمة، هربت من خلاله الى الصحراء، فلحق بها الوحش، اما انا وكنت صيادا ماهرا فقد اخفيت نفسي واخرجت بندقيتي وملأتها بالرصاص وخرجت، وكانت السماء مقمرة، وكان من السهل رؤيتي، وحين رآني الوحش توجه نحوي فصوبت بندقيتي على جبهته واطلقت النار، فصرخ الوحش صراخا عاليا وقفز في الهواء وسقط على الارض، اما انا فقد سقطت كالميت الى ان اشرقت الشمس.
" بعد ذلك، وقد وجدت نفسي لا ازال حيا، ذهبت افتش عن زوجتي وقد خشيت ان تكون قد قتلت، فتشت كثيرا، واخيرا وجدتها ميتة في حفرة ومنذ اللحظة التي سمعت بها صراخ الوحش صرت كما تراني، نصفا ابيض ونصفا اسود.
" وحين رأى الله حالي جعل مني درويشا، وحين التقيت مع هذا الدرويش الشيخ الذي سمعت قصته قال لي" يا بني ابتعد عن قتل الحيوانات، فقتل الحيوانات شيء رديء، لا تفعل ذلك بعد، فالله قد خلق لنا القمح والحبوب والخضر فلماذا نقتل الحيوانات(5) انها خطيئة عظمى" بعد ذلك اعطاني الدرويش نقودا وابقاني معه".
وحين رأى كنزفره شيشتر الكتابة على المصباح قرأها، مع ان الدرويش الشيخ لم يقدر على ذلك. كان اسم الروح منقوش عليه" فارور" قرأها وحفظها عن ظهر قلب، ثم صنع لنفسه اناء وكتب طلسم عليه. وكانت الروح تأتيه حين يدعوها، فوجد الكنزفره ذلك مفيدا له لان" فارور" كان يأتيه بما يحتاج اليه، حتى الاولاد اذا كانوا يسلكون سلوكا سيئا كان يهددهم به فينصاعون لامره.
والان اخذ الكنزفره يفكر كثيرا في جبل المندائيين ورغب في الذهاب اليه، وهكذا اعد لنفسه هو وسبعة اخرون، بينهم اربعة من اقربائي وانا للسفر للجبل، وسرنا الى ان اقتربنا من سوريا حيث استخدمنا كصاغة من قبل ملك تلك الاقاليم، هناك صادفنا درويشا كان من بين اولئك الذين ذهبوا الى جبل المداي مع الترك، ولكن حين توجهنا الى الجبل لم نجده. واستمررنا على هذه الحال من التفتيش ثلاثة اشهر الا اننا لم نعثر على الجبل.

ملاحظات حول القصة

1- الحرب والقتل ضد العقائد المندائية. فالعقوبة في الاساطير المندائية لا تكون بالقتل مالم يكن بامر من السماء، وحتى في مثل هذه الحالة تكون قوى النور رؤوفة رحيمة لانقاذ حياة العدو.
2- ليبات( فينوس) يقال انها موحية لجميع الاختراعات، وان عبادة ليبات محرمة حسب نصوص الكتب المقدسة عندهم، وفي وصف المطهر( كنزاربه يسار، القسم الرابع) يخصص وصفا لبيت طهارة لاولئك" الذين يدخلون بيت تموز ويمكثون هناك ثمانية وعشرين يوما، يجزرون الخراف ويمزجون الكؤوس ويقدمون الخبز ويجلسون يندبون في بيت ليبات" مبرهنين على ان الكتاب حين كتب كانت احتمالات- ادونيس- فينوس- لاتزال موجودة، وهنا اشارة الى عبادة فينوس في الكتاب التاسع من القسم اليمين من الكنزاربه. انه رفض لعبادة الكواكب. وشجب قام به المصلحون من الكهان للقضاء على اعتقادات قديمة.
3- الاواني الطلسمية شائعة في العراق، ويكون الاناء عادة من نحاس او فضة وفي بعض الاحيان له ارتفاع في مركز قاعة( على ذلك المحل تقع انظار المتفرس فيه) وتنقش على الاناء كتابات سحرية مقدسة، وللكتابات المندائية، كما يعتقدون، ميزة خاصة وصفات سحرية، والماء الذي يشرب بهذه الاواني يكون ماء شافيا، كما يعتقدون.
4- ان هذه القصة توضح فكرة المندائيين في قتل الحيوانات. وكتاب الكنزربه متناقض في هذا الشأن، فالفقرة الرابعة من الكتاب الثالث من" كنزهربه يمين" يحدد حيوانات معينة باعتبارها حيوانات محللة للذبح " الطيور الطائرة وسمك النهر" ويحرم اي حيوان لا يذبح بآلة حديدية واي وحش يقتل بواسطة وحش آخر. وهناك في كنزه ربه مكتوب ايضا" لا تأكل الحيوان... كل لحم الحيوانات التي فاكهة الماء( السمك)".
ويذكر جوزيفوس بان الاسينيين كانوا نباتيين ويقتبس( بروفيري) من ( ايبولس) ان المجوس كانوا يقسمون الى ثلاث طبقات، طبقة تمتنع عن اكل لحم اي مخلوق حي، وطبقة تمتنع عن اكل لحوم الحيوانات الداجنة، وطبقة ثالثة لا تمس اي حيوان، واما محاولة( يرفيسور لوسيوس) تفنيد ادعاءات جوزيفوس حول الاسنيين فليست مقنعة.