من الاساطير المندائية القديمة
يرويها هرمز ابن الملا خضر
القصة الرابعة - الموتى يعودون الى الحياة
حين يموت الصابئي لايوضع في صندوق كما يفعل المسيحيون بل يلف في "بانية" من البردي مما يشبه الحصير من القصب، ثم تفتل حبال من خوص النخيل وتلف به البانية ثم يوضع جريد النخيل بين الحبال بحيث يستطيع اربعة رجال اتقياء، يسمون" حلالية" حمل الجنازة الى القبر وهم ماسكون بتلك الجرائد من سعف النخيل.
ولا يدفن الميت ليلا، فاذا مات وقت غروب الشمس او بعد الظهر فان دفنه سيكون في اليوم الثاني، وفي كل الاحوال، يجب ان تمضي ثلاث ساعات قبل ان يدفن الميت، ولعمل البانية والحبال التي يجب ان تفتل وهي جديدة، واعداد جميع التحضيرات الاخرى، يكون مجموع ما يكفي لذلك ست ساعات.
وديننا يمنعنا من البكاء على الميت، فالبكاء يساعد الجن في الاساءة للموتى، والرجال عادة لايبكون، الا ان النساء يبكين احيانا على الموتى، وليس هذا امرا مستحسنا ولكنهن يفعلن ذلك(1)
وكان يوجد في مدينة المحمرة صابئي يسمى بهرام، وكان مريضا الى درجة الموت، ولذلك البسوه" الرسته"، ثم مات. كان الوقت حوالي العاشرة حين مات( ساعتين قبل غروب الشمس)
وجاء الطبيب ففحصه وقال انه ميت. لقد كان ميتا يصورة تامة. وجاء الصابئون بالقصب وعملوا البانية وغسلوه واطبقوا عينيه الا انهم ارجأوا الدفن الى اليوم الثاني، لان النهار كان على وشك الانتهاء. ووضعوا فوق الجثة غطاء ابيض شفافا ثم وضعوا الى جانبها مصباحا مضيئا، كما وضعوا سكيندوله والسكين المربوطة بها قبل ان يدفن الشخص، ويختم القبر بالسكيندوله من جهاته الاربع، ولكن اذا كان الميت عروسا او امرأة ماتت اثر ولادة فتترك السكيندوله في اصبع الجثة. وهكذا هيأوا جثمان بهرام وحضر الاصدقاء ليحرسوه، فنحن لانترك الميت وحيدا. وكان لبهرام ابناء وبنات وزوجة وام عجوز، كان يعيلهم جميعا من حرفته كحداد. وحوالي الساعة الواحدة ليلا جاءت والدته وهي تندب" اريد ان ارى ولدي" واقتربت منه وكشفت عن وجهه، فقال لها حراس الجثة" لماذا تكشفين عن وجهه؟" اجابت" انه ولدي وانا مشتاقة اليه". وانحنت فوقه وقبلته وقالت" اي بني من سيعين اولادك ويطعمهم؟ وماذا سافعل انا….، ساتسول من باب الى باب اسأل الصابئين العون، وهكذا سيفعل ابناؤك ايضا". ومدت يديها وربتت على صدره صارخة" سيكون هذا الصدر تحت التراب. وارحمتاه!" وحين لمست الصدر احست بشيء من الحرارة، وخيل اليها ان نبضه يدق، فدعت الحراس قائلة" تعالوا، تعالوا، ان جسم ولدي ليس ببارد وان به نبضا يدق".
وجاء القوم اليه وتحسسوه وقالوا " اجل، حقا ان به شيئا من الحرارة" وبدأ قلب الرجل يدق بوهن اما عيناه فبقيتا مغلوقتين، ثم بدأ الجفنان ينفرجان بالتدريج، ومع ذلك فان العينين بقيتا لبعض الوقت ثابتتين لاتتحركان، وكان الوقت منتصف الليل، واخيرا بدأت عيناه تشعان حياة. فرحت امه حين رأت ذلك وسرت سرورا بالغا، ثم ذهبت فحلبت بقرة في ساحة البيت وسخنت الحليب، وجاءت به، ووضعت بضع قطرات منه في فمه بالملعقة، بدأ الرجل يبتلع، وبدأت يداه ورجلاه تتحرك تدريجيا، وعند شروق الشمس جلس معافى. قال الناس جميعا" مات بهرام ثم عاد الى الحياة مرة اخرى".
وجاء بعظهم اليه، وقالوا "لقد كنت ميتا، ذهبت وعدت، فاخبرنا عن الطريق وماذا رأيت؟".
قال بهرام" ان اولئك الذين اخذوا روحي من جسدي كانوا مخطئين. فهم حين اتوا بي الى" ابثاهيل"، في موضع الارواح، نظر اليّ وقال لهم لقد اخطأتم، كان يجب ان تأتوا بروح البنت" زريفة" لهذا اعادوني بلطف وعادت روحي لتدخل جسدي".
وكانت زريفة ابنة للجيران، وفي اللحظة التي اخبرهم بهرام بهذا كانت هي باتم صحة، ولم يخبرها احد بما قال بهرام، ولكن في مساء ذلك اليوم توفيت فجأة بالرغم من انها كانت بصحة جيدة.
حدث مثل هذا اكثر من مرة. فقد كانت عشيرة صابئية تسمى" البو زهرون" يسكنون بالحلفاية قرب العمارة، وكانوا يعتاشون من عمل الزوارق والمناجل والمساحي والفؤوس، والادوات الاخرى التي يحتاجها اليها الاعراب في تلك المناطق. ومن بين افراد تلك العشيرة كان رجل قد توفي، الا انه عاد الى الحياة مرة اخرى، كانوا قد قاموا بجميع مستلزمات الدفن قبل ان يعود الى الحياة، وكان قد مضى على موته ست ساعات، وحين سألوا الرجل" اين كنت؟" قال" اخذوني باتجاه موضع الارواح، ورأيت معي هناك سندال وتامول، وكانا في طريقهما الى ابثاهيل، الا ان ابثاهيل امرني بالعودة لاني اخذت خطأ بدلا من شخص اخر".
حين سمعوا ما قاله، ارسل صابئة ذلك المكان رسولا الى العمارة حيث كان يعيش تامول ليسألوا عن صحته فوجدوا انه قد توفي، الا ان سندال كان يعيش في ايران فارسلوا هناك برقية للاستفسار عن صحته، فكان الجواب انه مات صباح يوم الاحد.
سأل الكهان الرجل الذي عاد الى الحياة، عن هيئة ارواح الموتى فاجاب" ان سندال وتامول كانا لو انهما حيان في الدنيا، وكانا يرتديان نفس الملابس التي يرتديانها في حياتهما اليومية، لقد كانا يظهران كما لو تراهما في المنام"(2)
(1) – في كتاب " كنزاربه. القسم الشمالي في الفقرة الثالثة" تحث الروهة حواء على ان تندب ميتها آدم قائلة" من الذي هجرك، وانت تجلسين هكذا يبكون هنا ولاتنتحبين؟" وتبدأ الروهة وجنياتها بالنحيب والبكاء على الميت، ويقتربن من حواء قائلات" ان صديقاتها يحتقرن امرأة شريفة لاترفع صوت النحيب على زوجها". بعد ذلك يظهر هيبل زيوا لحواء ويلومها على حماقتها وانخداعها بالكواكب، وحين تحرضها الروهة ثانية على البكاء، ترفض ان تفعل ذلك وتقول" الحمد لك يا منداهي". والبكاء على الميت موجود بين النساء في العراق بصورة عامة فهن يصرخن صراخا عاليا وقت وفاة الشخص فيأتي المجاورون لينحوا معهن.
(2) وبسبب ان الاثنين كليهما قد ماتا، مع رغبتهما بالحياة، لهذا يتمسكان بالارض ويعاودانها كاشباح مؤذية، فالسكين دوله تمنعهما من ايذاء الاخرين. لاحظ التعاويذ البابلية عن اشباح النساء اللواتي متن في فراش الولادة، والفكرة الهندية من انهن كائنات شريرة. ان عرب العراق ليست لديهم مثل هذه الخرافات، بالرغم من ان الباحث" دوتي" يقول ان النساء البدويات، يؤمن بان نحيب اليوم هو عبارة عن نحيب الام التي ماتت اثر الولادة، وفي الحالات التي ذكرت توضع السكيندوله في اصبع العريس وتعلق في رقبة المرأة
الرواي: هرمز برانهر( هرمز ابن الملا خضر)