ازهر جبارالخميسي
فضاءات لونية تخرج من الحسابات الهندسية
الحركة الفنية الجديدة التي اعادت تكريس واقع المتغيرات الجديدة في عالمنا المعاصر وعكسته على العمل الفني، وهي تضم في صفوفها اعداد تتزايد يوما بعد اخر، يعتقد اصحابها بان مساعيهم الفنية ، هي امتداد للحداثة، ويطمحون للتحرر من مختلف انواع الاتجاهات والاساليب التقليدية المتعارف عليها في الصنعة الفنية.
انهم يفضلون التأويل الاسلوبي في الوسائل المستخدمة والتي يقدمها الكومبيوتر وبرامج " الفوتوشوب" في عملية الرسم اضافة الى ادماج التصوير بكل ما تتيحه الوسائل التقنية الحديثة ومغرياتها الى توفرها، لتستدرج الفنان الى مساراتها ونتائجها شبه الجاهزة.
والفنان ازهر ، هو الاخر من هذه الجماعات، ينشر اعماله، وهي تحمل في جوانبها شعورا بالتفاؤل والتسامح والهدوء، لدرجة نجد انفسنا امام فن يحمل دعوة الى التخلي نهائيا عن كل مظاهر الرسم المتعلقة بالمواد، على اعتبار ان جميع العلاقات في العمل الفني التقليدية ستحددها الاليات المفترضة لنظرية تطور الفن كاختزال عصري.
لذا نراه يرمي بموضوعاته في الوان صافية متأنقة باعتبار هذا المنحى الجديد في عالم الفن منجما انسانيا مشتركا يمكن الاستعارة منه والاقتباس من اساليبه واشكاله، اذا ما توفرت السيطرة على اساليب التقنيات الحديثة، فهو دعوة لخلق ذائقة جمالية من نمط جديد ، تسير بها هذه الاعمال ،عبر الاثر والعلامة الدالة والبصمة ليظل هذا العمل مجهودا فنيا لايبتعد عن مواصفات الفن، يمتلك رابطه الجمالي ويملك رؤيتة المغايرة للعالم، ليفرض نفسه كلغة تشكيلية غير اللغة التي اعتدناها جميعا.
المهم عند الفنان ازهر كما يبدو ،ان يظل التشخيص كامنا وجعل اللون منتج للنور داخل سطح العمل الفني كضرورة جمالية، وهو ما نشاهده جليا في انجازاته الاخيرة حيث يخرج من شكل الرسم المعتاد الى عوالم يراها اكثر رحابة تحمل قدرا كبيرا من الخيال ، من خلال امكانية (اللعب ) بمفردات بصرية حميمية مستفيدا من الحرية الكبيرة التي يمنحها التحكم بدرجات كثافة اللون بحسابات بصرية دقيقة لاتفلت من الحسابات الهندسية، لاتتوفر عادة في اساليب الطباعة التقليدية . فهو يرى ان التخيل الانساني في هذه الاعمال دائم وليد حاجة الفنان الى عوالم جديدة لاتتحدد بتعريف معين ومحدد، على اعتبار ان الاسلوب والشكل التقليدي لم يعد اطارا او اناءا ثابتا، بل مفجر علاقات بين اللون واللون، واللون والشيء، انه بحث وحركة يتزامن مع الانقلابات المعرفية في عالمنا المعاصر والذي يتغيير بشكل سريع.
وقد قطع الفنان ازهر، الطريق على ما تقدم من الاشكال والاساليب والثقافة الجمالية السائدة لغة وممارسة، ليضع بعض الفواصل مع الماضي وكانه بعمله الجديد يخلق حنينا غامضا ومجهولا الى المستقبل، على اعتبار ان هذا النوع من الفنون الزاحفة هي اطراء على الخارج ضمن فضاء حر ومفتوح تماما عبر اساليب حديثة تعكس مشاهدات يومية ضاغطة، هي اقرب الى الغواية ولعب الطفولة منه الى
الدراسة والتجريب في مادة الرسم التقليدية.
افمن يلاحظ وتمعن اللوحات المنشورة يدرك على الفور بانها اشكال سابحة في فضاءات الاعمال، تشبة امتدادات تعكسها تاثير المدينة الجديدة والثراء الثقافي اللذان يملآن المكان الذي نعيشه بفتنة بصرية تكرسها مفردات الزخرفة الخطية للحرف العربي وكانها حالة انجذاب الى مزيد من الطقوس اللونية الزخرفية بتدفقاتها اللونية تنوعواتها التشكيلية التي تفرض قيم جديدة للمتابعة الشغوفة . وهذا يورطنا كثيرا في اغراء المتعة البصرية، حيث الالوان لاتميل الى قتامة او تبلد او برود، انما تذهب الى اتجاه معاكس، نحو الاضاءة والبهرجة والاشتعال، مما يغري العين نحو متعة التنوع البصري
عن ازهر الخميسي
ولدت مثلما ولد كل من انتمى الى الوطن المعذب في بغداد عام 1967 وسكنت فيها ولم تكن أيام صباي إلا حلما جميلا قضيته مع الوالد في محل الصياغة في شارع النهر اشرب الصنعة وأتعلم تلك الحرفة الفنية
الكبيرة مهنه الصياغة. رافقني الخط العربي ولازمني وأعطاني الإحساس بالجمال والإتقان والصبر على التمرين يوميا وهذا لم يكن إلا بمساعده الوالد وحثه على ذلك. عند تواجدي في محل الصياغة كان لي الحظ والفرصة لإثبات قدراتي المتواضعة على تشكيل وترتيب المصوغات الفضية القديمة وتطعيمها بالجديد لتكون نماذج انفردت بها معروضاتنا حينها ولتجذب اكبر عددا من الزوار الأجانب والأوربيين على الأخص لهذه النماذج التي لم تتواجد في بقيه السوق. دراسة فن التصميم في اكاديمية الفنون الجميلة- بغداد عام 1986 كان لها الأثر الأطيب على الحياة وعلى القدرات التي صقلت من خلالها ولتكون حياة الجامعة حينها واختلاطها مع كل شيء من حولي بحد ذاته طعما يضاف لهذه الوصفة الجديدة . كل شيء تبدل ولم يبق شيء على حاله وهذه حال الدنيا وخصوصا بعد الهجرة والخروج من الوطن الحبيب وفراق ترابه الغالي وليكون لنا الوطن الجديد هنا في الغربة في هولندا ولتبدأ رحله جديدة من البناء.... بناء الذات وعمليه الصراع الجديد مع جديد هذه الحياة. هنا في الغربة استطعت بعد تعلم اللغة الهولندية من الدخول في دراسة تكميلية لما قمت به في أيام العراق ولتكن هذه المرة الشيء الحديث والمتطور مع العصر، عصر السرعة والكومبيوتر ولتكون هذه بمثابة الباب الجديد الذي فتح أفاقه لي للرجوع إلى درب الجمال وعشق الألوان والفن ولتكن الأعمال التي أقدمها هي التي تحاكي الزمن الصعب الذي يمر به الحال العراقي من الم وعسر ولتضم بين ثناياها بعضا من الجراح الذي يحمله الوطن الغالي.