شخصيات من خان الياهو دنكـــور
فاروق عبدالجبار عبدالإمـــام
يزخر المندائيون بإرث كبير في فن الصياغة ؛ فمن تحت أيديهم خرجت تحف لفتت الأنظارإليها وكانت محط أنظار كلًّ متذوق يحب التميز على اقرانه بما يقتنيه من تحف أو مصوغات ، هؤلاءِ الصاغة وفي أحيان كثيرة باتوا محسودين بإعتبارهم أصحاب مهنة متوارثة لايدانيهم فيها أحد بـعد رحيل اليهود عن العراق .
فن الصياغة متعدد المجالات كثير التشعب وقـد لا يلم أحدهم الا بفن واحـد قـد لا يتعدى سواه ولا يعرف أي شيءٍ عن بقية فنون الصياغة بل أنه قد يفشل فيما إذا إُجري له اختبار في غير المجال الذي يجيده؛ فهناك الطرّّاش والنّقـاش والنقاش الذي يستعمل المينا الملونة والآخر الذي يشتغل بالمينا ( المحرك) السوداء وهذه خاصة للفضة وهذه المينا تعمل بنسب معينة من الكبريت والنحاس الأصفر والرصاص وتحرق مع بعض لذا سموها {{ محرق}} او[محرك] وقد تستعمل للذهب أيضـا" الاان هذا قليل الاستعمال وهناك من تميز وأبدع في فن التخريم وفي فن آخر ألا وهو [ الفلكري ] الحشو ، والتفنن بخلق أشكال متميزة جميلة كأن تكون على شكل تعريشة نباتية أو نجمة أو أي شكل يمكن أن يخطر على بال الفنان . ان هؤلاءِ الصاغة فنانون بالفطرة فالكثير منهم بل غالبيتهم لم يدخل مدرسة تأهيلية أو معهـد يقوم بتدريس فن الصياغة أو الطرق على المعادن لعدم وجودها أصلا" بـل كانت الهواية وحب العمل والحاجة لتعلم مهنة تدر عليه رزقـا" حلالا" ومن أجل خلق نموذج لا يضاهى وُيعرف صاحبه بمجرد النظر اليه هي التي دفعت المندائي ليكون مبدعا" متميزا" ولا يدانيه بصنعته أحـد .
كان فن صياغة الحجول الفضية مجالا" آخر من مجالات صناعة الذهب والفضة وكانت الحجول الفضية الثقيلة من حصة {{ اسطة }} من أسطوات هذا الفن ألا وهو { ناصر عـرار } .
كان محله في خان الياهو دنكور قرب مدخل محل تصفية ابو جبار ( جميل مالله ) . رجل في جلسته متربعا" كان وكأنه واقف ، مربوع القامة ، يميل الى البدانة قليلا"، شعر رأسه قد إكتسى ببريق الفضة ، ولحيته الكثة المشذبة تقارب الثلج بنقائها ، أما عيونه فكانت وكأن زرقة البحر قد اُخذت منها .
كان يجلس متربعـا" على الارض وسندانه الثقيل الذي يزن أكثر من العشرين كيلو غراما" ذو الأنف الطويل الضخم ينتظر أن تهوي المطرقة على السبيكة التي فوقه والتي يكاد وزنها يصل الى الكيلو غرام الواحد للفردة الواحدة ، نعم لأن وزن الزوج قد يصل بعد الانتهاء الى الكيلو والنصف أو حسب رغبة الزبونة ؛ هذه السبيكة المحمية حـد الإحمرار تنتظر لتهوي عليها المطرقة التي تحملها اليد الثابتة القوية لأبي فؤاد وتطرقها لتصنع أجمل حجل ابو {{ ثومة }} أو {{ ابو القفل }} والذي يكون وزنه أقل عادة من ابو الثومة ، والذي في أحيان كثيرة ما يزين بنقوش على الثومة بزخرفة وردة بالمينا المحرك لزيادة جمال الحجل ولـُتظهر النقوش دقة وحرفةالأسطة الذي عملها وأجاد فيها .
لقد ابدع ابو فؤاد في فن آخر من فنون الصياغة الا وهو الابداع في صناعة علب السكائر او علب أدوات الزينة المختلفة وكان يشاركه هذا العمل الابداعي ( عودة داخل ) وكانت هذه العلب وفي غالب الاحيان تنقش وتطعّـم بالمنيا السوداء التي تعطي جمالا" فوق جمال . لا زالت الذاكرة تحمل الكثير من ذلك الزمن الجميل ، الزمن الذي أبدع فيه الآباء ولم يستفد من الأبناء !
كان ابا" حنونا" لإخوة مازالت علاقتي بهم طيبة رغم مرور سنوات طويلة {{فؤاد وجواد وأنور ونبيل وبدر وأكـرم }}
رحم الحي الازلي هؤلاء ِ الذين أعطوا الكثير ورحلوا عنّـا بأجساهدم لكنهم في وجودنا باقون ، وندعوه ليهبنا صنّـاعـا" وحرفيين يحفظون لنا تراثا" وصناعة قد تزول بعد حين من الزمن إن لم نبادر لاعادة دورة الحياة لهذا الفن الجميل فن الصياغة اليدوية ، والتي طغت عليه في الوقت الحاضر التجارة المستوردة وكذلك القوالب الجاهزة والأدهى من ذلك الوزن الذي يكاد يحاكي وزن الريشة بحجة أن الذهب قد وصل سعر الغرام منه أرقام عالية ، وبعد أن كان يوزن بالمثقال صار يوزن بالغرام وذات يوم سنراه يحسب بالملغرام أنه زمن العولمة .
7 /9 /06


فـــا روق