كيف صبأت ابنة نبوختنصر
في يوم من الايام كان المندائيون(1) والناصورائيون(2) والترميذي (3) يسكنون في القدس. وكان للناصورائيين مكانهم الخاص بهم، وهو بناء كانوا يتعبدون ويمارسون طقوسهم، وكان بناء منعزلا بحيث لايستطيع احد ان يطلع عليهم ولا ان يدخل اليه. وفي احد الايام ذهبت ابنة نبوختنصر ملك بابل( وكانت يهودية) الى القدس واستأجرت لها دارا يجاور البناء العائد للناصورائيين، وفتحت الفتاة فتحة في جدار دارها، وغطتها بشيء شفاف، بحيث تستطيع ان ترى وتسمع من خلاله ما كان يقال، وماكان يقرأ. وهكذا تعلمت الفتاة العقيدة السرية. لقد كانت مثقفة غاية الثقافة، سريعة الفهم والادراك، وقد لازمت الفتحة صباحا وظهرا ومساء مصغية ودارسة، حتى بلغت درجة فهم ما كانوا يقرأون وعرفت علومهم السرية، وحفظت كتبهم عن ظهر قلب. وحين كانوا يقرأون في كتاب " الكنزه ربه" كانت تسجل وتدون ما كانوا يقرأون والى ان تعلمت وفهمت كل شيء. وقد بقيت الفتاة في القدس تتابع الدرس ولم ترجع الى اهلها.
وكان للناصورائيين علم سري يتلونه بتؤدة، وبهمس، وتصادف ممارسة هذا النوع من العلم اليومين الاول والخامس من ايام الاسبوع( الاحد والخميس).
وحين خيل لها انها رأت حين كانوا ينشغلون في هذه التلاوة السرية ان ضياء قد هبط فغشيهم، وهو يغدو ويروح، معطيا ةآخذا، بينهم وبين السماء.
وفي احد الايام تخلف احد الناصورائيين في حين خرج الآخرون بعد صلواتهم ليمتعوا انفسهم في الحديقة، اخذ الرجل ذلك الكتاب السري المحتوي على الطقوس التي كانوا يهمسون بها همسا وشرع يقرأها بصوت عال وكانت الفتاة قريبة منه تصغي اليه فدونت ما سمعت من هذه الطقوس السرية، كانوا يتخاطبون مع عالم الانوار: مع آدم كسيه( آدم الخفي) في مشوني كشطه، ومع الارواح النورانية. فنحن نقول ان هناك آدمين، آدم بغرا اي آدم الطبيعي وآدم الخفي( آدم كسيه) والذي هو في مشوني كشطه(4) وسكان مشوني كشطه انقياء كاملون ولايراهم الا التقي الكامل. انهم يتحادثون بحرية مع الاثري والملكي.
وحين تعلمت الاميرة هذا العلم كانت سعيدة جدا، ومبتهجة غاية الابتهاج وبدأت تراقبهم في اليوم الاول وتفعل ما كانوا يفعلونه الا انهم كانوا يجهلون ما كانت تصنع، لانها كانت في مخبئها، وفي اليوم الخامس، كذلك قامت بفعل ما كانوا يفعلون، وتابعت تلاواتهم بدقة تامة.
وكان لها معبد في دارها يشبه مكانهم بكل تفاصيله وقد ابقته مغلقا وخفيا، وهكذا لم يعلم احد من قومها ما كان يجري هناك حين كان هذا العمل يحدث، رأت في يوم احد، نورا يهبط من عل ويسقط على وجهها، فسرت وابتهجت وتحدثت الى النور، لا بالالفاظ ، فالنور قد تغلغل في تفكيرها، صاحت الفتاة" ساذهب اليهم في مكانهم، سارى العالم الآخر، اريد ان ارى بعيني" قال لها النور" اذهبي الى الناصورائيين، وسيدلونك على الطريق".
وفي اول يوم من ايام العيد ذي الايام الخمسة" بارونايا" نهضت من مكانها وذهبت الى الناصورائيين، تناولت الكنزربه وبدأت تقرأ، فاخذتهم الدهشة وقالوا" اتكون هذه الفتاة ناصورائية؟" واخذوا يتحدثون فيما بينهم قائلين" لابد ان يكون الله هو الذي منحها هذا العلم. فمن غيره كان معلمها؟".
قالت لهم الاميرة" عمدوني واجعلوني مندائية" وحين علم اليهود بتحولها، هجموا على المندائيين واحدثوا فتنة وشغبا. وذهب كهان اليهود وشيوخهم وعلماؤهم اليها وتناقشوا معها قائلين" سيحدث من جراء عملك هذا قتل وقتال، فيجب ان تعودي الى مكانك الخاص وان تتزوجي هناك".
قالت لهم الفتاة" لست مضطرة على فعل ذلك ولاداعي للقتل والقتال بسببي، ولست ابغي زوجا، ولا اريد مالا، ولا نفوذا ولا زواجا. ارغب فقط ان اخدم الله كلية".
قالوا لها" اتركي الناصورائيين"
اجابت" سوف لااترك الناصورائيين، فليست لديكم المعرفة التي لديهم".
( كانت هذا الفتناة ابنة نبوختنصر وكان ملكا على بابل، وكان يهوديا، واخيرا ترك مملكته وصار ناصورائيا، فاستولى الاشوريين على المملكة، وطردوا منها البابليين)
اجابها الكهان" سنتقتلهم جميعا او نتعلم منهم"
قالت" لاتكونوا حمقى فانتم لاتقدرون على قتلهم وتعلم اسرارهم، فاذا فعلتم ذلك فسيعاقبكم الله".
تجمع اليهود بسلاحهم وارادوا سحبها واخراجها عنوة.
قال لهم الناصورائيون" لقد جاءت فتاتكم الينا بارادتها ولم نجبرها على ذلك فخذوها واذهبوا".
ولكن الاميرة لم توافق على الذهاب مع اليهود وحين حاولوا اجبارها بدأت تقرأ العقيدة السرية، فكانوا كلما اقتربوا منها تضيق انفاسهم بوسائل مجهولة فبدأوا يخافون وحاول بعضهم الفتك بالمندائيين. نهض الناصورائيون وبالقوة التي لهم في يوم الاحد تحدثوا الى الارواح( الملكي) الذين قالوا لهم" اذهبوا الى جبل مندائي".
استعد كثير من الناصورائيين والمندائيين، بعد ان كانوا قد هيأوا انفسهم للرحيل بقيادة الناصورائيين، وقد منحوا من القوة بحيث كانت مسيرتهم في يوم تعادل مسيرة اربعين يوما. وكانوا في كل يوم يبذرون الذرة التي كانت تنمو وتحصد بقدرة الله ولهذا لم يعرفوا الجوع. وسافروا اربعين يوما وكل يوم باربعين يوما الى ان وصلوا بسهولة وسرعة الى جبل المندائيين حيث كانوا سعداء آمنين ومستسمعين بذلك الجو اللطيف، لقد كانوا قادرين على اداء صلواتهم وعلى العيش بلا قلق، وكانوا يقولون" لقد انقذنا الله من اولئك القوم".
وتبعهم بعض اليهود وحين قطعوا في رحلتهم اربعين يوما رأوا الذرة الخضراء وعلامات مخيم النار فقالوا، "الان سنقبض عليهم، وسنلحق بهم، لابد ان يكونوا قريبين من هنا" الا انهم لم يلحقوا بهم. واخيرا وبعد ايام كثيرة اقترب اليهود من جبل المندائي حيث كان المندائيون يعيشون ومعهم ابنة ملك بابل التي صنعت لنفسها مكانا تقدر ان تتعبد فيه كالناصورائيين.
وحين كان اليهود على مقربة من الجبل نزل ضوء كالسيف من العلى واعترض سبيلهم فكان كل ما تقدم واحد منهم قضى نحبه.
تشاور الكهان فيما بينهم وقالوا" لا مفر لنا، يجب ان نعود" وهكذا عادوا الى بلادهم حزينين مكسوفين".
وقد بقي بعض الناصورائيين في القدس ولم يسافروا مع الاخرين فجاء اليهود والقوا عليهم القبض. قال لهم الناصورائيون" ماذا تريدون؟" اجاب اليهود، نريد معرفة علمكم السري. علمونا وسوف لانقتلكم".
اجاب الناصورائيون" ليس لدينا علم سري".
قال اليهود" علمونا، اليس ذلك خيرا من الموت؟".
اجاب الناصورائيون" لايوجد لدينا علم سري، فكيف نعلمكم وليس لنا اي علم سري".
قتل اليهود واحد من الناصورائيين ثم ثانيا، وكانوا يرددون دائما" علمونا معنى عقيدتكم او ستموتون جميعا كهؤلاء"؟
الا ان الناصورائيين استمروا على الرفض قائلين" اقتلونا ان شئتم فليس لدينا اي علم سري".
قتل اليهود الناصورائيين جميعا ولم يتعلموا شيئا من علمهم.
بعد ذلك ذهب اليهود الى هيكلهم المقدس واجتمعوا هناك. كتمن قلوبهم وجلة وهم يعلمون بانهم قد قتلوا اولئك الناس خطأ. وفي الصباح رأوا طائرا ابيض يحوم فوق الهيكل، نظر الجميع الى الطائر، وحين كانوا ينظرون نزلت نار من السماء فاحرقت جميع اولئك الذين اوقعوا بالناصورائيين وقتلوهم، وفرّ الباقون من اليهود الى الصحراء وهم في هلع عظسم وكانت، النار شديدة بحيث نفذت الى عمق اثنى عشر فرسخا في الارض.
هرب بعض اليهود الى ان وصلوا بابل، قال الملك نبوختنصر للربيين والكوهينين" لماذا فعلتم ذلك؟ لماذا قتلتم اولئك الناس بلاحق؟" اجابوا" لقد كانت الفتاة ابنتك وما كان غضبنا الا من اجلك" قال لهم" هل ذهبت ابنتي لانها قد احبت رجلا منهم؟" فاجابوه بالنفي. فسالهم" ماذا كانت غايتها اذن، ولماذا ذهبت معهم؟" قالوا" لدى الناصورائيين عقيدة شرية وهذا كان السبب" اجاب الملك" انا نفسي واتباعي سنلحق بهم ايضا".
غادر الملك وحكماء مملكته المملكة وذهبوا الى جبل المندائيين، وبعد ذلك التحق هو وحكماء قومه بالصابئيين واصبحوا مندائيين وتعلم الملك العقيدة السرية من ابنته.
ومن ذلك الوقت ولسلوكهم الشرير لم يملّك اي ملك يهودي( كلداني) في بابل.
ان من يريد الله ان يعلمه يمكنه من تعلم عقيدته مهما كانت سرية
ملاحظات حــــــول القصة
1- الكلدانيون: اليهود والكلدانيون كلاهما يسميان بـ" يوهطايي" في المخطوطات المندائية، فهم لهذا يعتبرون شعبا واحدا بالنسبة للمندائيين وفي كتاب" الابوكريفال" ليهوذا يقول اخيور لهولوفرنيس" هؤلاء الناس متحدرون من الكلدانيين" وجوزيفوس يكتب مثل هذا في " ضد ابيون" مجلد رقم 5 ص 185 يقول" ان اسلافنا الاوائل كانوا كلدانيين، وهم يذكروننا باسم يهودا في مدوناتهم بيننا" وبصورة عامة فتن نبوختنصر يطلق عليه " يوهطايي" فالعنصر لا الدين كان هو الدليل، وهناك تنشودة انكليزية تقول( نبوختنصر ملك اليهود، باع زوجته بزوج من احذية من الجلود).
2- ان الصلاة المهموسة في " باج" هي خاصية عظمى في الطقوس الزردشتية.
3- اليومان كلاهما مخلصان للارواح النورانية، فيوم الاحد يوم " شامش" ويوم الخميس هو يوم" بيل"
4- يرونايا_ الايام الكبيسة الخمسة، وهي عيد الموتى، حيث تقام المعموديات وتؤكل الوجبات على ارواح الموتى.
5- او الماداي( مدّاي) يتحدث كتاب " حران كويثا" عن هذا بوصفه " حران الداخلية".
6- النسر الابيض هو عادة رمز" هيبل زيوا" النسر الابيض لدى المندائيين يمثل انوش اثرا لا هيب زيوا_ (المترجمان)
فكـــــــــــــرة عامــــــــــــة
ان هذه الاسطورة ممتعة لانها تربط قسم مريم في كتاب" دراشة اد يهيا" بقسم اخر عن مريم في كتاب الصلوات اليومية الاسبوعية وقصة" الناس في جبل مدّاي في كتاب حران كويثا".
ان العبارات في دراشا اديهيا تحكي بصيغة الشخص المتكلم. فمريم تتحدث عن قصة تحولها( بواسطة اختها الروحية في مشوني كشطة) وعن هربها الى الفرات الادنى، وتبدأ هكذا" انا مريم ابنة ملوك بابل، وابنة حاكم القدس القوي، اليهوطابي( الكلدان واليهود)( انظر الملاحظات السابقة) ولدوني والكهان ربوني، وليس هناك ذكر لبختنصر. وتقص مريم كيف ان والديها منعاها من مغادرة ملجئها في غرفتها او الخروج الى الطرق العامة، ولكنها تعصي امرهم" لقد فتحت الباب الداخلية وتركت الباب الخارجية مفتوحة على مصراعيها. خرجت الى الطريق العام، فسقطت فوقي، شموس ربي. اردت ان اذهب الى الهيكل( بيت امه) الا ان قدميّ قادتني الى بيت مشخنه( اي بيت العبادة للمندائيين). دخلت الى هناك فوجدت اخوتي جالسين يتلقون الدروس( اردش دراشي). وغلبها النعاس ونامت وهي تصغي الى اصواتهم" لكن اتت اليّ اختي من مشوني كشطه وايقظتني وقالت لي انهضي، انهضي يا مريم، قبل ان يبزغ الصباح ويصيح ديك الفجر، قبل ان ترسل الشمس اشعتها فوق العالم، قبل ان يذهب الكهان واولاد الكهان ويقبعوا في ظلال خرائب القدس وقبل ان يأتي ابوك الدنيوي وينزل على رأسك الكارثة".
يكتشف ابوها امرها ويتهمها بالسلوك السيء. فتطلب اليه ان يتركها وشأنها، ويتهمها بنبذ اليهودية وخروجها عن محبة ربها. الا ان مريم ترفض ان تشجب عقيدتها الجديدة. بل انها تشتم اليهودية والكهان. وتنقلب القصة هنا الى رموز، فمريم تشبه بكرمة تحمي الطيور من العاصفة. وتوجد اشارة ولكن ليس وصفا، لفرار مريم الى الفرات الادنى، وعلم يرفرف فوق رأسها وكتاب موضوع في حجرها"
" تقرأ في كتاب الكشطة فتهز العوالم باجمعها. في يدها صولجان الماء الحي" مركنه" ويحيط بخصرها الزنار( هيمانه) تصلي وتتسجد فتجتمع الطيور والاسماك لتصغي اليها، تطير وتتجمع نحو صوت مريم وليست لها من رغبة لان تحط وتغفو، انها تستروح عطر وجودها وتنسى العالم.".
وتدعوها امها مشوقة اياها بمسقط رأسها مذكرة اياها، كم كانت مشرفة في القدس وتطلب اليها" انسي هذا الرجل الذي اسرك وخرج بك" وترفض مريم، بازدراء انها تتبع عشيقا. ويأتي نسر ابيض ويرمي كهان اليهود في الفرات ويعود ليوقع الخراب والنار على القدس. هنا ينتهي هذا الجزء.
يستنتج ليدز بارسكي من هذا الجزء بان هذه الطائفة كانت في يوم ما قد طردت من القدس وسيقت الى بابل الجنوبية.
وليس في كتاب حران كويثا اي شيء مما جاء في جزء مريم الا انه يصف اضطهاد قوم جبل مندّاي وكيف تبعهم العدو وذبحهم، ونجاة الباقين.
ان الشيء الوحيد الثابت في جميع هذه المتناقضات المشوشة هي حقيقة كون المندائيين يعتبرون جبل مندّاي موطنهم الحقيقي وان جنوب بابل محل لجؤهم وان القدس لم تكن مركزهم الاصلي.
ان صلة نبوختنصر غريبة، ولكنها ليست بدون فائدة. يظهر في كتاب" دانيال" انه في بلاط الملك الفارسي كانت جماعة معينة من اليهود وكانوا نباتين، وبعقائد ليست بعيدة عن عقائد الاسينيين. وهنا تأخذ قصة نبوختنصر اهميتها والقصة التي تحكي لنا نباتية نبوختنصر( يأكل حشائش الحقول). ان الجنون والسير على اربع يظهر بما يشبه تفسير الكهان الارثودوكي، ومن الممكن ايضا انه في يوم ما يمكن ان يكون بختنصر قد مال الى العقائد الايرانية. وانه عاد اخيرا الى عقيدة الدولة الاساسية( دانيال (4) 33- 36). ان نفوذ زوجته الميدية يمكن ان يكون قد اثر في انحرافه هذا.
اشارات
1- المندائيون- عامة الصابئيين في اللغة الارامية
2- الناصورائيون- المتفقهون في اسرار الدين الصابئي من الصابئة
3- الترميذي- مفردها ترميذه وهو اولى درجات الكهانة
4- عالم وسطي بين الارض وعالم الانوار حسب معتقدات الصابئيين