الابداع المندائي
كريم جاري
لقد ترك المندائيون لمسات هنا وهناك في تأريخ الرافدين العريق، ومن غير الممكن والطبيعي،ان شعبا يملك المواهب التي انارت في عشرينات القرن الماضي، من علماء وكتاب وشعراء وفنانين مهرة لم يكن لها خلفيات في العمق، لكن النكبات التي حلت بهذه الطائفة الصغيرة من مجواريهم اولا، ثم الطبيعة التي حملت كوارث الفيضانات والحرائق والامراض ادت الى محو او اندثار جزء كبير من ذلك التراث الرائع ثانيا، لم تمحى تلك الشذرات التي اشارت الى علماء وادباء وفنانين مندائيين في القرون الوسطى وقبلها، ولاننسى الكتابات الدينية المصاغة باسلوب فلسفي عميق ، والذي يحمل في طياته علما غزيرا يحتاج الى مجلدات لفهمه وتفسيره، والرسوم على المخطوطات التي رغم بدائيتها تعتبر مدرسة رائدة وفريدة، اضافة الى مخطوطة ( سفر الارواح ) "اسفر ملواشه" الخاص بعلم الفلك واعتماده حركة الكواكب وتأثيرها على الانسان ، وهذا علم اقرت به وبتأثيره بعض المدارس العلمية الحديثة، اضافة الى ايمان هذا الدين العريق بوجود الحياة في عوالم اخرى، والتي يؤكدها في كتبه المقدسة، لهو دليل قاطع على حيوية هذا الدين وعلميته.
سوف نأخذ جانبا واحد من تلك الابداعات، في العلوم والثقافة والفنون، والتي نعتقد جازمين انه كان لطائفتنا باع كبير فيها، وهو فن الصياغة الذي امتهنه معظم ابناء الطائفة المندائية، وقد نقل فنانينا الطبيعة التي عاش اجدادهم عليها ثم قضى بعضهم مراحل من حياته فيها كما ان الشباب الذي انتقل الى المدن بعيدا عن بيئته وحتى الذي انتقل الى خارج حدود وطنه لم ينسى تلك اللمسات الروحية للطبيعة وكل ماحوت في اعماله .
لقد أبتدأ اجدادنا فنهم هذا منذ قرون طويلة، امتدادا لحضارة ألأجداد في وادي الرافدين، تلك الحضارة التي لازالت تطرز متاحف العالم باروع نفائس الفن ، وكان ألأجداد فطريين في فنهم، اي لم يدخلوا مدارسا لتعلم فنهم، وحتى في كتاباتهم الدينية وألأدبية حفظوها وطوروا انفسهم بها ذاتيا من الاب الى الابن حتى وصلت لآبائنا ومن ثم لنا ولمن بعدنا، ستبقى محفوظة في الجينات كعوامل وراثية في اجيالنا الى ما لا نهاية .
ولاننسى نساءا نبغن في مجالات عدة، حيث الروايات رغم ندرتها عنهن، الا انها اشارات قوية بذلك، فمن هيونة التي اعادت بجدها وتفانيها وبذلها الجهود المخلصة في خط الكتب الدينية واعادت رجال الدين الى العمل بعد ان كادت ان تنقرض هذه الطائفة لكارثة المت بها، واخريات غيرها مذكورات في ما يسمى بالمندائية" بالازهارات" ومعناها "الشروح" الموجودة في حاشيات الكتب المندائية.
الصياغة و طريقة العمل فيها منذ نهاية خمسينات القرن العشرين وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي في العراق مستلة من ذكريات خاصة:
بالنسبة للمعادن النفيسة ( كالذهب والفضة)،التي اشتغل بها اهلنا كانوا يستخدمون القطع القديمة ، حيث يعاد صهرها، ثم العمل في معدنها مباشرة اذا عرفوا عياريتها او يصار الى تنقيتها(تصفيتها من الشوائب) ويقومون بخلطها حسب العيارية المطلوبة، لأن في العراق اطنان من هذين المعدنين حيث لايوجد بيت يخلو من القطع الذهبية او الفضية لانه يعتبر ومنذ عصور قديمة ( زينة وخزينة )؛ فيقوم الاهالي ببيع هذه المعادن الى الصاغة عند حاجتهم للنقود ، وبهذه العملية دمرت ملايين القطع الفنية ، والنوادر ألأثرية بالتأكيد ، فقد كانوا يصهرون النقود القديمة من الذهب والفضة او القطع الجميلة القديمة ليعاد صياغتها من جديد.
يتم العمل بعد صهر كمية المعدن الذي يحتاجه الصائغ ،او يقوم بذلك عامل مساعد له ، فتأخذ السبيكة، ويبدأ طرقها بالمطرقة الكبيرة على سندان كبير، لتقريبها من العرض والطول والحجم المراد عمل القطعة المطلوبة، وهنالك عدد من المطارق والسنادين الخاصة بهذه العملية ، قبل مجيء الآلة (ماكنة السحب) ، ثم يأتي بعد ذلك هندستها، وتحويلها الى اقرب شكل يرومون عمله، ثم ترسل الى من يسمى الجماع او الأستاذ
في الهندسة التشكيلية حيث يقوم بطرق القطعة وتحويلها الى الشكل المطلوب تماما وعدته المطارق والسنادين المختلفة ألأشكال وألأحجام ايضا، اما اذا كان رب العمل
استاذا فنانا متمكنا فيقوم بتلك الاعمال من ألفها الى ياءها، وهذا ما قام به اكثر فنانينا المندائيين .
بعد تلك العملية يستلمها منظف ماهر، ليمحو آثار الطرق وغيرها من العملية السابقة ويستعمل المبارد ( جمع مبرد) اولا بمختلف درجاتها، ثم يأخذ ورق الصقل ويبدأ من اعلى درجة حتى انعمها ، ويسلمها الى النقاش الذي اول ما يقوم بعمله هو تخطيط الشكل المراد بقلم الرصاص او يبدأ ان كان ماهرا ومقتدرا بدون رسم الشكل بالنقش
والحفر بواسطة قلمه الحديدي، الذي يصنعه بنفسه، الذي يكون بدرجات مختلفة من التدبب في الرأس والحجم ، فان كانت القطعة المراد شغلها ستركب بالمينا، يكون حفر النقش اعمق بنصف مرة من التي لايراد تطعيمها بالمينا؛ حتى يترك مجالا للمينا في دخول النقش ، وكانت المينا السوداء وحتى عام ( 1995 ) تصنع يدويا، من خلط مادة الفضة والرصاص والكبريت،بنسب معينة ونظافة تامة، حيث يصهر الخليط ، وبعد ان يبرد، يسحق بالهاون لعمل بودرا ناعما يهيأ للعمل ، ويستلم مركب المينا القطعة المنقوشة، فيمسحها من العلائق، ويرش اخاديد النقش بالباودر ألأسود المزرق احيانا، لجماليته وبريقه، ويضعها على قطع الحجارة الناعمة او الرمل، او قطعة من (الاسبست) ، او الخشب ، او اية وسيلة يمكن اسناد القطعة وتثبيتها عليها، ثم يعطيها نارا حامية لصهر المينا الباودر عليها ، حيث يذوب سريعا لوجود مادة الرصاص فيه،وتبرد القطعة بعد تشبع جوانبها اذا كانت متعددة ألأوجه او الجوانب وتعتبر هذه القطع اصعبها لأنها تحتاج الى التقليب مرات لملأها بالمينا ولا تنتهي العلمية الا باشباع القطعة كاملا بالمينا .
واخيرا يستلمها امهر منظف في هذا العمل، ويبدأ باخشن مبرد لديه وهكذا حتى الدرجة الاخيرة ، وياتي على الاوجه كافة، ويكون من الدقة بحيث لايؤثر على خطوط النقش ابدا،ثم يقوم بصقلها بواسطة الورق الخشن، وهكذا حتى آخر درجة من النعومة ثم اخيرا يدعكها بيديه حتى يحس انه يلمس سطح مرآة ، ثم يستعمل مادة للتلميع ، بقطع من القماش الناعم كالقطن اوماشابهه وقد رأيت بعض كبار الناس من اهلنا يدعكون القطعة برماد السكائر او رماد الفحم بعد اضافة قطرات من النفط ألأبيض لزيادة لمعانها، وآخر المطاف ترش القطعة المنظفة بقطرات من الماء ثم تدعك بأنظف وانعم قطعة قماش لتصبح حقا مرآة تعكس صورة من يتطلع اليها . لايفوتنا ان نقول بأن اساتذة هذا الفن رحمهم الرب كانوا في اكثر الأحيان يؤدون تلك العمليات كلها لوحدهم لضمان دقتها وايصال خيالهم الفني الى الزبون من خلال القطعة.
كريم جاري
سدني استراليا
Emil:k.j.jari.@hotmail.com
ملف صاغة و صياغة اضغط هنا