كيف صنعوا تلك القطع
كريم جبار جاري
لقد أبتدأ اجدادنا فنهم هذا منذ قرون طويلة امتدادا لحضارة ألأجداد في وادي الرافدين تلك الحضارة التي لازالت تطرز متاحف العالم باروع نفائس الفن ، وكان ألأجداد فطريين في فنهم اي لم يدخلوا مدارسا لتعلم فنهم حتى في كتاباتهم الدينية وألأدبية حفظوها وطوروا انفسهم بها ذاتيا من الاب الى الابن وهكذا وصلت لآبائنا ومن ثم لنا ولمن بعدنا تبقى محفوظة في الجينات البشرية الى مالانهاية .
ولاننسى نساءا نبغن في هذه المجالات والروايات كثيرة وتوجد صورة قبل سنين في المجلة المندائية من العراق صورة لفنانة من عائلة رويد .
بالنسبة للمعادن النفيسة التي اشتغل بها اهلنا وحتى الان يستعملون القطع القديمة حيث يعاد صهرها ثم العمل في معدنها او يصار الى تنقيتها ويقومون بخلطها حسب العيارية المطلوبة لأن في العراق اطنان من هذين المعدنين حيث لايوجد بيت يخلومن القطع الذهبية او الفضية لانه يعتبر ومن عصور قديمة ( زينة وخزينة ) ، وبهذه العملية دمرت ملايين القطع الفنية ومن النوادر ألأثرية قطعا ، فقد شاهدت وانا طفلا كيف يصهرون النقود القديمة من الذهب والفضة او القطع الجميلة وانا انظر باندهاش لذلك ، وفي مجموعتي قطع ابتدا في تقطيعها او كسرها لصهرها وقفزت لدفع ثمن اكثر من معدنها لأخذها .
العمل يتم بعد صهر كمية المعدن الذي يحتاجه الصائغ بيديه او يقوم عامل مساعد له ، تأخذ السبيكة ويبدأ طرقها بالمطرقة الكبيرة وعلى السندان الكبير وحسب العرض او الطول المراد وهنالك عدد من المطارق والسنادين الخاصة بهذه العملية ، وتأتي بعد ذلك هندستها وتحويلها الى اقرب شكل مراد ثم ترسل الى من يسمى الجماع او الأستاذ في الهندسة التشكيلية حيث يقوم بطرق القطعة وتحويلها الى الشكل المطلوب تماما وعدته المطارق والسنادين المختلفة ألأشكال وألأحجام وقد رايت وتكلمت مع احدهم رحمه الرب ( محمد الجماع ) وقد كان يرسلني والدي اليه لعمل بعض القطع وكان يعمل في السوق المقابل لخان الشابندر وفي الستينات أ صلح لي بعض القطع القديمة حين صارعندي محلا للتحف، ولدي بعض القطع من عمله ، واحيانا اذا كان رب العمل استاذا فنانا متكاملا يقوم هو بكل ذلك وهذا ما قام به اكثر فنانينا.
بعد تلك العملية يستلمها منظف ماهر ليمحو آثار الطرق وغيرها من العملية السابقة ويستعمل المبارد( جمع مبرد) اولا بمختلف درجاتها ثم يأخذ ورق الصقل ويبتدأ من اعلى درجة حتى انعمها ، ويسلمها الى النقاش الذي يبتدأ عمله بتخطيط الشكل المراد بقلم الرصاص او يبدأ رأسا بعمله ان كان مقتدرا على ذلك حيث يبدا النقش بالحفر بواسطة قلم من الحديد الذي يصنعه بنفسه ويكون احيانا بدرجات مختلفة من التدبب في الرأس ، فان كانت القطعة المراد شغلها ستركب بالمينا يكون حفر النقش اعمق بنصف مرة من التي لايراد تطعيمها بالمينا حتى يترك مجالا للمينا في دخول النقش ، وكانت المينا وحتى وقت سفري 1995 تصنع يدويا من خلط مادة الفضة والرصاص والكبريت بنسب معينة ونظافة تامة وتصهر وتسحق بودرا ناعما يهيأ للعمل ، ويستلم مركب المينا القطعة المنقوشة فيمسحها من العلائق ويرش اخاديد النقش بالباودر ألأسود المزرق احيانا لجماليته وبريقه ويضعها على قطعة الخشب او اية وسيلة لأسنادها وتثبيتها ثم يعطيها نارا حامية لصهر هذا الباودر عليها ويذوب سريعا لوجود مادة الرصاص فيه ، وتبرد القطعة بعد تشبع جوانبها اذا كانت متعددة ألأوجه او الجوانب وتعتبر هذه القطع اصعبها لأنها تحتاج الى التقليب مرات لملأها بالمينا ولا تنتهي العلمية الا باشباع القطعة كاملا بالمادة السوداء .
واخيرا يستلمها امهر منظف في هذا العمل ويبدأ باخشن مبرد لديه وهكذا حتى الدرجة الاخيرة وياتي على الاوجه كافة ويكون من الدقة بحيث لايؤثر على خطوط النقش ابدا ثم يقوم بصقلها بواسطة الورق الخشن كذلك حتى آخر درجة من النعومة ثم يبدأ يدعكها بيديه حتى يحس انه يلمس سطح مرآة ، ثم يستعمل مادة للتلميع بقطع من القماش الناعم كالقطن اوماشابهه وقد رأيت بعض كبار الناس من اهلنا يدعكون القطعة برماد السكائر او رماد الفحم اوالخشب بعد اضافة قطرات من النفط ألأبيض . وآخر المطاف ترش القطعة المنظفة بقطرات من الماء ثم تدعك بأنظف وانعم قطعة قماش لتصبح مرآة بحق وحقيق . لايفوتنا ان نقول بأن اساتذة هذا العمل رحمهم الرب كانوا في اكثر الأحيان يؤدون تلك العمليات من الفها الى ياءها بمفردهم .
كريم جبار جاري
ملف صاغة و صياغة اضغط هنا