English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

من فناني الستينات (يحيى الشيخ) مثالاً

علي النجار

كنا نحن الفنانين التشكيليين في بدابة الستينات (حينها لم يكن مصطلح التشكيل مألوفا) نحاول جاهدين العثور على اساليبنا بما تيسر لنا من معارف ومصادر ليست بوفرة الان. وكان المحظوظ منا من حصل على فرصة لتحصيل الفن في الخارج, والخارج في ذلك الوقت رقعة كبيرة تمتد من كوبا وحتى الصين وما بينهما. كان الامر متيسرا بعض الشئ , بما وفرته ثورة تموز من انفتاح على العالم , ومن اهتمام ودعم لانشطة العلم والفن بما فيها تأسيس كلية الفنون لتكمل وظيفة معهد الفنون. وكانت الدهشة تأخذنا بعض الشئ لما حققه هؤلاء الفنانين الوافدين من مقدرة اسلوبية وتعبيرية هي حصيلة دراستهم ومشاهداتهم وتأثيراتهم بالمدارس العالمية.وكانوا بحق مصدر مهم من مصادر معارفنا التشكيلة وقتها. . ان تتصفح مطبوع فني شئ, وان تشاهد العمل وتتلمسه شئ اخر. كتب الكثير عن تأثر هؤلاء الفنانين بمصادر دراساتهم الغربية. وكأن الامر غير سوي. نحن كنا ننظر لنتاجهم استكشافات مهمة اغنت حصيلتنا , ودلتنا على طرق واساليب تعبيرية متنوعة, وهذا امر مهم يحسب لهم , فالادب والفن وكل المعارف هي خبرات متنافذة. كان (كاظم حيدر) استكشافا, كذلك( مهر الدين) واخرين بضمنهم (يحيى الشيخ).

تنازعت (الشيخ)في بداية حياته الفنية مثل العديد من ابناء جيله الافكار الوجودية والماركسية, كان الوجود لديه بحثا عن مكنونات الذات الاكثر شاعرية, عن وخزة الوجود الاول وتداعياتها. عاشها حسب ما اعتقد بشفافية عالية تركت بصمات على افضل نتاجه الاول. وكانت الماركسية التزاما بقضايا الانسان, وخاصة الانسان المهمش, انسان العالم الثالث. وبقي مزيج من هذا وذاك يتنازعه على مدى عمر لعبت الغربة عن بلده دورا كبيرا في ترسيخ هذه المفاهيم مع الانفتاح على عوالم الخيال والواقع والميثولوجيا فيما بعد, واخيرا ولعه الكبير في جزئيات معينة من عالم الطبيعة الواسع. نسغ النبتة والورقة والحقل, يلون تفاصيل اعماله, وبحوامل افكاره الاولى نفسها, رسالته الفنيه الانسانية الطابع كما يتصورها. حيث التناقض الفاضح, الخراب والصدأ والتلوث يقابله نسغ الطبيعة المتجدد. ومهما نوع من مادة عمله او تجاربه, يبقي الفنان فيه يتنازع الانسان المفكر والحالم بعالم وبيئة فضلى.

بدأ من الثمانينات تسللت عناصر الطبيعة المفضلة لديه, لعبة صراع الاضداد. كانت مشاعره طافحة في هذه الاعمال وبدون مواربة. لقد استعاض بهذه الجزئيات عن جسد الانسان الذي كان يفضله ولا يزال في اعمال اخرى وكما في سلسلة اعمال( مفاصل), بينما كرس عقد التسعينات احتفاءا مطلقا بهذه الجزئيات الطبيعية المرهفة وتحول صخب عواطفه الانسانية الثائره الى نوعا من حكمة استنطاق الطبيعة وامتصاص نسغا اخر ربما هو ملجأ اكثر دفئا واشمل استيعابا لشضايا ارواحنا الهائمة. لقد ساعدته تقنياته الكرافيكيه, اوهي قادته باتجاه هذا المنحى التعبيري لما تمتلكه هذه التقنيات من حرفة عالية تستوعب تفاصيل جزئيات الشكل وحدة ومطاوعة الاداء وتضادات السطح والجزئيات. وبمقارنة اعماله الزيتية باعمال الكرافيك , وبصورة خاصة اعمال الحفر على الزنك, يتضح فارق الرقة التلوينية وحدة حافات المعدن.

يبدو ان تحولا اعمق واشمل حققه (يحيى) بعد انتقاله للسكن والعمل في (النرويج) واعماله في السنوات القليلة الاخيره تشي بذلك, وكأنه وبما لديه من مخزون عملي ومعرفي وجد فسحة اكثر انبساطا من السابق ليبوح بكل مخزونه وبدفعة واحدة. ربما هي نشوة حكمة عمر طويل لحياة جربت كل ممكن لحد الاشباع. اوهي فسحة مفتوحة للتامل بمساحة اكبر من السابق. في كلا الافتراضين هي مكسب لا يمكن اغفاله في مجال تقييم هذه التجربة. هنا نجده اكثر واجرأ تجريبا واشتغالا على خامات اولية عديدة, مع اتساع مداليله التعبيريه لتشمل بعضها ارث جنوب بلاد الرافدين الذي تشربه ونشأ عليه, والذي يشكل جزئا حيويا من طبيعة اناسه الذي هو واحد منهم. لقد حاول في اعماله النسيجية (اللباد وخيوط الغزل الصوفية الملونة) وكمواد اولية فولكلورية, تقمص روح الارث المحلي الجنوبي بصياغات مستحدثة , في هذه الاعمال استفاد الفنان من الدرس التجميعي الحديث الذي يضيف بعدا جديدا للمجال التعبيري ومساحة اوسع للاداء. وفي اعمال تحمل طابعا كرافيكا (الايقونات) نجد ان (يحيى) في انفتاحه على دلالت شتى لم يعد يأبه عن الكشف عن اعنف العواطف الانسانية , وكما هي مدونة في نتاج الاسلاف او صدق التعبير في الدلالة الميثولوجية. اخيرا جمع في اعمالة الزيتية المتأخرة مجموع تقنياته الكرافيكية والتلوينية وكل مواضيعه المحببة لنفسه واطلقها باقة عبقة لتأخذ حيزها ظمن المنجز التشكيلي المعاصر. في عصروفرة الاساليب

في عصر وفرة الاساليب واتساع مساحة الدلالة, هو امر طبيعي ان لا نتفاجأ بمستجدات بحث الفنان نفسه وبموازات مديات اشتراطاته لاستحواز حريته الخاصة.