English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
لاهوتية المصبتا المندائية

الترميذا علاء النشمي

ان الطقس المركزي في الديانة المندائية هو (طقس المصبتا = الصباغة = التعميد) والذي يجري في الماء الجاري (الحي) الذي يعتبر رمزا للحياة. ولقد اوضحا سابقا ما لليردنا من اهمية الفكر الديني المندائي.
والميثولوجيا المندائية تعتبر المصبتا سماوية وليست أرضية، فالمصبتا تمارس من قبل جميع الملائكة في عوالم النور، لغرض الارتقاء بالعلم والمعرفة إلى عوالم أنقى والتبجيل للحي العظيم "مسبح اسمه".
ومن لاهوتية المصبتا ان الارتماس (الطماشا) في الماء الجاري الحي (يردنا) هو انغماس في السائل الحيوي للحياة فهو يمنح الجسد المادي الصحة والعافية والقدرة والديمومة على المواصلة، ويخلص الإنسان من قوى الموت ويعد بحياة خالدة أبدية.
والمصبتا في نفس الوقت علامة التطهير الاولى، التي جبل عليها الانسان فطريا، فكما يطرد الماء القذارة والاوساخ والنجاسة من الجسد، كذلك يطرد الخطيئة والنجاسة من النفس، وخاصة اذا كان مصاحبا بذكر الحياة الحية (الحي العظيم). ولاننسى هنا بان جوهر الفكر المندائي ان يصاحب النظافة والطهارة وصحة الجسد والطاعة في اداء المراسيم، سلامة العقل والفكر والضمير واطاعة القواعد الاخلاقية والالتزام باركان الدين.
والمصبتا ولاهوتها عبارة عن مراسيم فيها رموزا كثيرة تعبر عن الحياة وديمومتها، ومترابطة مع صلوات وتضرعات وتراتيل وشعور بالندم، والاحساس بامكانية الخلق والولادة الجديدة، وندم الى الحي العظيم (مسبح اسمه). فهذه كلها مجتمعة تجلب مميزات اليردنا السماوي وخواصها الالهية وتجعلها حالة في الطقس. فهي تجعل طالب التعميد المندائي قادرا على الاستفادة منها والانتعاش من قوتها السماوية، وصفة الحياة والطهارة بشقيها الروحي والمادي تكسبها لمن يتناولها.
فخلاصة (المصبتا) صيرورة الانسان من ابناء النور والعهد الحق، واكتساب الخلود الروحي في عالم الانوار عن طريق الاتحاد بالشبيه (دموثا) والمعرفة الحية والتطهر من الخطيئة التي تثقل حاملها، وتجره الى مسالك ومهالك الظلمة.
- فالمصبتا هي الاتحاد المباشر بالعائلة المندائية المتحدة مع الحياة. أي الدخول للديانة المندائية.
- المصبتا هي الشكر والتبجيل والتسبيح للحي العظيم المتعالي. (ان ربنا هو ملك النور العظيم، ملك السماوات والارض الواحد الاحد): دراشا اد يهيا.
- المصبتا هي طلب الرحمة والمغفرة للانسان والخلق باسره من الحي العظيم الازلي المتفرد (ايها الرحمن، ارحمنا ! ايها المشفق، اشفق علينا): الما ريشايا ربا.
- المصبتا هي الاعتراف بالتوبة الصادقة والشاملة (انت يا من تعرف بمكنون القلوب، افعل ما طاب لك ان تغعله): الما ريشايا زوطا.
- المصبتا هي الارتقاء (مسقثا) بالنفس (نشمثا) والاتحاد (لوفا) مع الشبيه (دموثا) في عوالم النور (المي دنهورا).
- المصبتا هي عهد الحق بين الحي العظيم والبشر. (سوف اعلمكم يا نبتاتي سوف انوركم واعلمكم كل الاسرار حتى تطمئن قلوبكم): الما ريشايا ربا.
- المصبتا هي عهد الحق والشراكة والاتحاد بين البشر كافة. (احبوا واستروا بعضكم بعضا، ذنوبكم وخطاياكم ستغفر لكم): دراشا اد يهيا.
- المصبتا هي الاقتراب من معرفة او الاتحاد بعلة الوجود. (طوبى لمن تبصر بك وطوبى لمن عرفك وطوبى لمن تاملك): كنزا ربا.
- المصبتا هي ولادة الانسان المعرفي (المندائي) الذي يؤمن بالله الخالق الازلي، ومعرفة الحياة.
- المصبتا هي وحدة الانسان بمكوناته الثلاث ( نشمثا ، النفس- روها ، الروح - بغرا، الجسد ) ليكون كاملا في عبادته وتسبيحه وتبجيله لخالقه.
- المصبتا هي البركة الربانية في الانسان المؤمن المتعمد (مبارك هو صوت الحي): انياني اد رهمي. وهي بركة الخالق العظمى للانسان وتمييزه عن باقي الخلق.
- المصبتا هي تهيئة روحية للانسان لاداء دوره الفاعل في حياته مع خالق الخلق.
- المصبتا هي رمز عدالة الخالق على الارض، عن طريق امتزاج طبقات المجتمع بكافة شرائحه، فالكل بالولادة الجديدة والغفران عند الخالق سواء. فلذلك نرى جميع المصطبغين لابسين نفس الملابس الدينية القطنية البيضاء، والمكونة من خمس قطع بسيطة، فلا فرق بين غني وفقير، وعبد وسيد .... الخ.
- المصبتا هي رمز تمييز الخير والصلاح والنور عن الشر والخطيئة والظلام الممزوجة مع هذا العالم.
- المصبتا هي الحياة والولادة الجديدة للانسان المؤمن بالحي العظيم، وهي التجديد في الحياة.
- المصبتا هي معرفة الانسان لحقيقة وجوده وذاته ودوره في الحياة مع الخالق (طوبى لمن تعلم حكمتك وتحرر من الخطايا وفوضى هذا العالم): كنزا ربا.
المصبتا هي رمز اعطاء قوة الخالق للانسان عن طريق ماء الحياة السماوي الذي يعطي القدرة للانسان على تغلب صعاب الحياة قبل وبعد الموت.
- المصبتا هي الولادة الجديدة من خلال رمز الماء الجاري الحي وباسم (هي ربي) مشبا اشمي. فتاخذ النشمثا (النفس) مكانها الطاهر وتتمتع وتقوى بالنزاهة والاخلاص والتمجيد للحي العظيم.
- المصبتا هي ختم الخالق للانسان ورسمه باسمه العظيم (الختم دلالة رمزية لعدم ابتعاد الشيء المختوم المقدس عن حدود الله).
- المصبتا هي مفاهيم ودروس تخص حياة المتعمد (المصطبغ) الجديدة والصحة النفسية التي يكتسبها بعد التعميد، فيردد المتعمد مع رجل الدين الادعية والتراتيل والابتهالات التي تؤكد توبته وطلبه الرحمة والمغفرة والهداية والنور من الرب العظيم. وينظر بعدها الى السماء قيلقي بذاته الحقة، بضميره بنفسه التي هي نسمة من لدن الذات العليا، ويجعله ذلك قادرا على تحدي الصعاب والعقبات واستئناف حياته الجديدة واعماله بقلب سليم وعقل نير.
- المصبتا وهدفها المندائي العام، هو الاتصال بموطن النور والاتصال بالقوى الواهبة للحياة. والثبات في العقيدة والمعرفة والحياة والارتقاء (مسقثا) وازالة الخطيئة والنقاء والنصر والشفاء، بالاضافة الى ان الصباغة تقي من الارواح الشريرة.
فالصباغة ضرورية ل (نشمثا) للارتقاء الى موطن النور.

 

المصبتا .. التعميد .. تعريف لغوي

أن كلمة (مصبتا - مةصبوتة) مشتقة من جذر الفعل الثلاثي المندائي (صبا - صبة) بسكون الصاد وفتح الباء – وتعني مندائيا التعميد او الصباغة بالذات. ومن هذه الكلمة جاءت تسمية المندائيين بالصابئة أي الصابغة او المتعمدين او السابحة. والأخيرة اقترحها عباس محمود العقاد، في كتابه (ابراهيم ابو الانبياء)،جعل سببها كثرة الاغتسال في شعائرهم (أي الصابئة المندائيين) وملازمتهم شواطئ الأنهار من اجل ذلك .
وتأخذ معاني تقريبية اخرى، سنوضح أهمها وكما يلي:

· صبا = صبغ ، غطس ، غط ، غمر ، غطسة ، غمسة ، صبغة.
· مَصبتا = المعمودية المندائية
مثل: مَصبتا هَيثا = الصباغة الحية
· مَصبانا = المعمدان ، الصابغ
مثل: يوهنا مَصبانا = يوحنا المعمدان
· صوبيانا = صبغة
مثل: صوبيانا دَ نهورا = صبغة النور

وحسب رأي البروفيسور كورت رودولف ان الفعل (صبع) من الاصل (صبغ) في جزيرة العرب وأصبحت الغين "عينا" في بعض تلك اللغات كالعبرية والارامية، ثم اصبحت العين "الفا" لذا أصبحت اللفظة (صْبا) في المندائية والسريانية، اذ ان حرف العين والغين يخففا الى "الف" حسب القاعدة المندائية، وتعني كلمة "الاصطباغ" أي الغط في الماء الجاري (يردنا) أي ال"مصبتا" من "مصبعتا" بمعنى الصباغة (=التعميد).
وتعني كلمة (صبا) الارتماس في الماء ايضا وكذلك الانغماس في حوض الصبغ وكما تلاحظ الباحثة الانكليزية بالمندائيات الليدي دراور في تفسيرها للكلمة ان المصبتا تنطوي على اعتقاد المندائيين بان من يتعمد يدخل الماء اسود ليخرج منه ابيض، أي يدخله غير طاهر ليخرج منه طاهرا، وهكذا فان الكلمة تعطي معنى مزدوجا الانغمار في الماء ليخرج منه طاهرا مع تبدل في اللون.
اما كلمة معمودية (تعميد) فاصلها يوناني وفعلها ( baptein / baptizein ) (غطس ، غسل) فالعماد تغطيس او غسل. وتعني الانغمار أو الارتماس في الماء. ويقابلها بالآرامية (مصبوثا) وهي تؤدي ذات المعنى. وأصبحت تطلق على كل طقس ديني يجري مع الانغماس في الماء.
وان من مدلول لفظة (معمودية) والتي هي في الأصل اليوناني (فابتزما) وهي صيغة مبالغة من (فابتين) أي الصبغ وصبغ الشيء لا يتم إلا بوضعه في السائل وهذا لا يكون إلا بالتغطيس.
نستنتج من ذلك بان حتى كلمة (فابتزما او التعميد) في اصلها اللغوي تأخذ معنى الصباغة (الصبغ) مع أخذها لمعنى الغطس والغسل.