تراتيل صابئية مندائية
مثنى حميد مجيد
مقدمة
لست بالباحث المختص أو المترجم المحترف ، انما أنا قارئ صابئي يعشق تراثه كما ترجمته المرحومة اي.أس.دراور ولا يجد فيما ترجم من تراتيل وصلوات ـ أو هكذا يعتقد ـ ما يصل الى جمالية ذلك التراث الأدبي وروعته ، ولذلك قررت أن أدلي
بدلوي لعلي أفلح أو على الأقل أستحث من هو أكثر كفاءة لهذه المهمة.وأعتذر مقدمآ عن ورود أي أخطاء محتملة وأشكر من يصوب ويصحح وينتقد فالغاية هي أن نجد تراثنا الجميل يومآ وقد نقل الى العربية بنفس جماليته الأصلية أو ، على الأقل ، بجمالية ترجمة دراور وهو أضعف الايمان.
الترتيله 153
شق شق الأرض
رعد عصف بصهيون الأكبر،
الموكول برأب الأصداع
على قدرته ما اسطاع
وقف الرعد.
اخر بمعيته كان،
حائك لشباك الصيد،
ألقى شبكه للأسماك كبارآ وصغارا.
السمك الأقوى
اخترق الشبك وولى.
السمك الأضعف
استسلم للثقلان.
في يوم لا شق به الا مغلق
في يوم ناعورات الماء به تتدفق،
في يوم لا خرق به الا مرأب،
أيتها السمكه.الى أين المهرب ؟
أنتم يامعتاشين على السوط وحكم الطغيان
ما العمل بيوم للديان ؟
أنتم يامزدانين بورد وحرير
ماذا سوف تقولون لرب الميزان ؟
قد تم القول بكل لسان،
وختمت كل الاراء وكل التصريحات؛
الا من صوت يأتي
يهذب كل الأصوات،
الا من قول يأتي
يعلم كل الأقوال.
الا من كائن يأتي،
يجليها الواحد بعد الاخر.
انا من يمدحك يامولانا،
لخطايانا ومثالبنا انك أنت الغافر
أنت الغافر لخطايانا ومثالبنا،
بسفه من دنيانا نحن جنيناها،
سندآ منك لنهج الحق الطاهر
لمن امن بك.
والحي هو الظافر
وظافر من غادر هذا العالم.
1.يرمز صهيون الى سلطة الكهنوت في اورشليم،والترتيله ،على الأرجح،تعود الى زمن النبي يحيى بن زكريا،تمجد اسمه،وتتميز بعمق انحيازها للفقراء وادانتها للجلادين والطغاة.
2.ان ورود كلمة ناعورا الأكدية الأصل ، وكذلك كلمة سليتا ـ السلية المعروفة وهي شبكة دائرية مثقلة بكتل رصاصية على محيطها تستخدم للصيد في دجلة والفرات كما تشير اليها السيدة دراور ، يثير اشكالية مكان كتابة الترتيلة ، فالمحتوى يرجح أورشليم في حين أن الرموز رافدينية أصيلة.
الترتيلة 157
أقول للجبال
منعشة عطورك،
ومبهج شذاك
بك الأشياء كلها ترفل بالسناء
تردد الجبال
ـ الكائن الذي مر بنا
ليس له لمس ولا بنيان
ليس له بنيان أو لمس
وليس فيه أيما نوع من النقصان.
الكائن الذي مر بنا،
أطلق في وهادنا،
البعض من قدرته المحييه.1
ويمسك الخطاة فيهم قدرة الاثمار،
لينظموا السؤال والهذار.2
والقدرة المحييه
للحي هل تدرك بالسؤال والهذار
أم انها بالحق والايمان،
بهما يعتصم الأصفياء
مبدءآ حيآ لهم.
وكل من يعتصم،
مبدآه الحي ، له أمين
يستيقظ الحياة،
ليعضد الحياة.
ومن لا يعتصم
مبدآه الحي،وليس ثابت الوفاء،
فانه من بادئ ابتداء،
من ابتداء بادئ،
من فاقدي العزم ،ومن نصيب عالم الفناء.
والحي هو الظافر.
1.نصبتا كلمة ذات معنى شديد التعقيد.آساسآ تعني الحافز على التوالد والانجاب،العنصر الاحيائي،التكثير،الزرع والغرس.في بداية الترتيلة يخبر الشاعر من قبل الجبال التي تعجبه بشذى عشبها الحلو،ان القدرة المحيية للحي هي التي أنتجت عطرها وجمالها.ولذلك فان مفعول الحافز الحيوي في الانسان يوصف كتوق للحياة الحقيقية،حياة الروح،في أدب مندائي لاحق تعبر كلمة نصبتا عن الزوجة أو العروس،نصاب نصبتا ـ اتخذ امرأة له زوجة.
2.شوليا،شويليا تعني أسئلة.وشول تشير الى الأعضاء التناسلية وهنا قد يكمن المعنى.تورية ربما كانت مقصودة.E.Drower المبدأ الحيوي.في الفلسفة الغربية يظهر في عقلانية كانت و سبينوزا الذ ي يقترب جدآ من الفكر المندائي.تنتقد الترتيلة بشدة الافلاطونية التنسكية التي تدعو الى قتل الحواس والامتناع عن الزواج والانجاب،والافلاطونية نسخة مشوهة عن المعرفية الشرقية والمندائية قامت عليها فلسفة عصر الاقطاع في اوربا. في الاسلام يقترب جدآ هذا المفهوم ،كما أعتقد،من العبارة القرانية العروة الوثقى.
الترتيلة 164
بسم الحي العظيم
ممجد النور السامي.
اني شهدت جبلآ أبيضآ،
بياض جمع فوقه التأم.
ان هبت الريح عليه يومآ هللت ،
من عطرها الأمم.
وان الريح يومآ في وديانه جرت ،
بالنور أشرقت.
اني وقفت في مكاني رافعآ
دعائي العظيم،قد دعوت
أن أوهب ،هبة ، من موطني الجبل
من موطن الجمع العظيم ذاك
شاف يطبب النفوس أن يجئ من هناك
يشفي ولا يسأل أي أجر.
كنت في مكاني واقفآ اذ استجيب ما دعوت
و قد وهبت الهبة التي رجوت
من موطني الجبل
من موطن الجمع العظيم ذاك
وصرت شاف للنفوس
شاف للنفوس صرت
يشفي ولا يسأل أي أجر.
عندها شددت راحلآ وسرت
حتى بوابات بابل بلغت.
وكان أن أغلق بعض أهل بابل
في وجهي الأبواب.
وبعضهم قد فتح الأبواب.
من أغلق الأبواب كاره للحي عاشق للموت،
لهم قرار بهيم
به سيلزمون.
من فتح الأبواب عاشق للحي كاره للموت،
هم في نقاء سوف يعرجون
لهم مقام منير
له سيشهدون
و الحي ماجد كثيرا والحي ظافر
وظافر من بلغ المنتهى.
1.الجبل في هذه الترتيلة يختزل العديد من المعاني،فهو رمز التوق الصوفي في الوصول الى الله،وهو الوطن،والطبيعة الحية التي تعكس الجمال الالهي. يرتبط مفهوم العقاب في الترتيلة بمفهوم الموت في العالم السفلي وهو مفهوم سومري وبابلي للعقاب مما يرجح انتساب الترتيلة الى زمن قديم جدأ في الألف الثاني قبل الميلاد يوم كانت الديانة المندائية تبشيرية ، حيث الداعية الصابئي يجوب مدن الشرق القديم الوثنية وهو يدعو الى الله واليوم الاخر.وتشير الترتيلة الى انتشار المندائيين في المناطق الجبلية غرب بحر قزوين فكردستان حتى وادي حران.
الترتيلة 207
بسم الحي العظيم
ممجد النور السامي.
>عجلة أنا
عجلة صغرى
رسا النور على فكري.
أرتحل ، أغذ في المسرى،
أنا ومن قد وصلوها بي
في رحلة الحيا.
سألتها ، رفيقة المسرى
من وصلوها بي
قلت لها ،
ان كنت أنا بقوتي أجري ؛
فأي قوة أنت تسيرين بها ؟
تكلمت رفيقتي في رحلة الحيا
قائلة كما تسير أنت في اضطراد
بقوة فيك الى أمام
أسير بالايمان.
بالحق في الفؤاد
عيناي عينا ضيا
والقلب مني امتحن الأصفياء.
واننا في كسوتين قد حللنا وحجبنا النفس
وحل في الكينونة فعل الغرس.
فعل الغرس في الوجود ان
صفيان قد ابتدا وسوف يثبتان.
والحي معروف وظافر ،
وظافر من بلغ المنتهى.
1.ترمز العجلة ،في المندائية جلا ،الى العقل ،مانا ، وهو موجب وبالنور نهورا يكتسب حركته الذاتية.وتشير الرفيقة المقترنة به في رحلة الحياة الى النفس،اللاوعي المختص بالغرائز والأحاسيس والنوازع،وهي سالبة وتتعادل مع الضوء،زيوا،الموجب الذي تكتسبه بالايمان والحق أو القسط،كشطا،والاختبار بالتجربة.
2.فعل الغرس أو التكاثر والانجاب يعطي معنى كوني عام لطقس الزواج و يرتبط هذا المفهوم بطقوس الزواج المقدس في حضارة وادي الرافدين الاروائية.ورغم الطابع المعرفي التأملي لهذه الترتيلة فهي قوية الصلة بالواقع الموضوعي ،زاخرة بشكل أخاذ بعناصر الجدل،وهي مع تراتيل اخرى للزواج ترتبط بنيويآ بحقب قديمة جدآ،وكما يعرف زمن القطعة الأثرية بالفحص المختبري يمكن الاهتداء الى زمن هذه التراتيل بدراسة علمية منهجية.
الترتيلة 212
بسم الحي العظيم
ممجد النور السامي.
هناك كرمة لشيتل وأخرى لأنوش 1
لشيتل كرمة هناك
بك ياأرض الأوفياء ،
محملة بالجزاء ، محملة بالثواب ، محملة بالناصروت.
البراعم في نهايات أوراقها
مكنوزة بالصلوات ، والتراتيل والقصص الساميات.
حينما قمت واقفآ في مكاني
دعوت دعاءآ وكان دعاءآ عظيما ؛
سائلآ أن أوهب سلمأ عاليآ
أركنه على الكرمة مرتقى للارتقاء ،
مرتقى للارتقاء أركنه على الكرمة ،
لعلي به أعتلي كرمتي ،
أكبر نفسآ وأمسك أوراقها ،
أطعم وأورف في فيئها
وأنعم بايراقها ،
لعلي أجدل اكليلآ لنفسي من براعمها
وأحكمه على هامتي.
حينما قمت واقفآ في مكاني ، استجيب دعائي الذي قد دعوت .
منحوني سلمآ عاليآ أركنه على الكرمة مرتقى للارتقاء.
على الكرمة مرتقى أركنته.
صعدت على كرمتي ، كبرت نفسآ ، وأمسكت أوراقها ،
طعمت ، وأورفت في فيئها
نعمت بايراقها ؛ومن براعمها
جدلت اكليلآ وأحكمته على هامتي.
والتأم الناس من كل فج ، والذرايا التقت ،
وجدل الجادلون على صورة اكليلي أكاليلهم ،
ولم يك ما جدلوه بشبه له.
وراحوا وقد قلدوا نفسهم ورق الكرم
يقولون ، يا أنت ، من أين اكليلك ،
ومن أين هو الكائن الذي جدله ؟
واني أجيب عليهم ،تبآ لكم ، أما تغربوا عن وجودي ،
موتى ،خطاة لم تعرفوا الحي .
أما أنا ، فليس اكليلي من الأرض ؛
وليس من العالم هذا الكائن الذي جدله.
ان اكليلي من كرمة الروض
والكائن الذي جدله ، من موقع النور.
والكائن الذي جلبه ، وعلى هامتي ثبته
من موطن الخلد.
والحي معروف وظافر
وظافر من بلغ المنتهى.
1.شيتل ـ شيت ـ وأنوش يرمزان الى الروح والنفس ـ ملاحظة اي .أس دراور.
2.الناصروت ، ناصروثا ، المعرفة النورانية الأصيلة بالدين.
3 كرمة الروض ـ رواز ـ هكذا تترجمها السيدة ناجيه المراني المتبحرة في الديانة المندائية ـ مفاهيم صابئية مندائية ـ 4الكرمة هي التعبير عن وحدة الوجود ، التدرج من الملموس والمحسوس الى العقلاني فالروحاني ، ويوظف السلم الذي يرتقيه الصوفي لأجل هذا الصعود حتى درجة الكشف النوراني
،والاكليل هو التعبير عن نجاح المسعى وبلوغ الغاية.هذا العشق للطبيعة وقواها الحية هو ما يميز المعرفية المندائية ويدل على جذورها الرافدينية وتعارضها مع الاتجاهات الغنوصية ذات الصبغة التشاؤمية المحتقرة للجسد ونعم الحياة وبشكل خاص الافلاطونية الحديثة ذات النزعة الهروبية الرجعية التي شكلت الأساس للفكر الاقطاعي في أوروبا العصور الوسطى.
5.رغم النفس الصوفي التأملي للترتيلة فانها ، كأغلب التراتيل المندائية ، تعود لتلمس الواقع الحياتي في نقد أو حتى تهكم ، وهو ما نلحظه في انتقادها للطقوسية المظهرية التي تهمل الجوهر الحقيقي للدين وتأخذ ما هو شكلي منه وتعتبر أصحابها من الخطاة والموتى الأحياء
المصادر
1.The Canonical Prayerbook of the Mandaeans - E.S.Drower
2.مفاهيم صابئية مندائية ـ ناجيه المراني
3.اعتمدت الى حد ما ، عند تحليلي للترتيلة 207 ، على نظرية عالم النفس الأمريكي
بيتر نوفاك ـ نظرية النفس الثنيوية المنشطرة ـ ويولي السيد نوفاك اهتمامآ
كبيرآ بالمندائية والتراث الغنوصي بما في ذلك مكتشفات أوغاريت وانجيل القديس
توماس ، ونظريته جديرة بالاطلاع من قبل المهتمين بالمندائية.أنظر الى موقعه في
الانترنت.