الـصّـدقــــــــة { زدقـــــــــــــــــــا بــريـــــخــة } الصدقة المباركــة
فاروق عبدالجبّار عبدالإمام
الصدقة :واحدة من الواجبات التي يجب الإلتزام بها ؛ لأنها واحدة من السبل التي بها نتخلّى عن أنانيتنا وحبنا لذاتنا ونشمل بها الآخرين الذين هــم بأمسٍ الحاجة اليها ؛ فـهي الجود بشيءٍ حتى ولو كان بسيطا" في نظرنا الأ انه كبير في أعين الغير لأنه يزرع البسمة فوق شفاه الآخرين لأن حتى الكلمة الطيبة {صدقة} فهل الكلمة هي عطاء مادي يمكن أن نشتري به شيئا" ؟ نعـم إنها مما يمكن أن نشتري به سعادة الآخرين المحتاجين لكلمة مواساة تريح الذهن المتعب الحامل لهموم الحياة المختلفة في أوقات نحتاج فيها الى كلِّ مشاركة وجدانية تخفف بعض ما نحسّ به من إرهاق يومي ومعاناة لا يعرف مداها الا خالق الأنفس ، صانع الأجساد . لذا كانت الصدقة حقا" من الحقوق المفروضة على القادر لنصرة الضعيف العاني الخالي الوفاض ممن انقطعت بـه سبل التحصيل وبات على الطّوى يشكو العوز والفاقة ولا يستطيع سؤال الآخرين المساعدة والعون لئلا يشعر بالمهانة ؛لذا يتوجّه بسؤاله الى خالقه وهو موقن أن ربَ العباد سيجد له الطريقة الفضلى لإخراجه مما هو فيه .
كتاب{مواعظ وتعاليم يحيى بن زكـريّا }عليه أفضل السلام يزخر بنصوص غاية في الجمال ، غاية في الرقة الإنسانية الداعية الى التصدق لكسب رضا وأجر غير منقطعين وبهما تسمو الروح المثـقـلّة بالحسنات الى بارئها (كـلّ ُ من يحمل زادا"ويصلُ المعبر فسيعبر ،وكـلُّ من لا يحمل زادا" فسيجلس مترقبا" حتى يشيب شعره ، يأمل الذهاب ؛كمن ينتظر موسم الحصاد في حقلٍ لا زرع فيــه )النص الحادي عشر .
من منّا سيكون المحظوظ كيلا ينتظر في {المطراثي } ليثقّــل ميزان روحه وبـه يعبر الى الضفــة الأخرى .من منّـا يستطيع أن يقطع المسافات الشاسعة دون أن يحمل معـه مؤنة وزادا" تكفيه مسافة الطريق المجهول المليء بالأسئلة ونحن لا نملك من الأجوبة إلاّ النزر اليسير والذي لم يكفــنا في حياتنا فكيف بـه بعـد رحيل لا عـودة منــه .
{الـزدقـــا } الصدقة الكلمـة الطيبة الفعل الحسن ، الكرم الكرم دون منـّةٍ ، البذل الخالى من الانانية ، العطاء دون مقابل ، لكن أكلّ هذا دون مقابل ؟ إنــه مقابل شيءٍ ندّخــره لقابل الأيام حيث لا ينفع مال ولا بنون لا والد ولا ولد وما كنزّنا من مـال ٍ أو ذهب إلاّ ما قدّمت ايدينا من من عطاءٍ غير ممنون ٍ ؛ فالذهب ذاهب ، والوالد ذاهب والابن ذاهب والعطاء باقٍ والرحمة بقية من عطاء بذلناه لنحصل بدله على رحمة من السماء ؛ فنحن بذلنا لنحصل على شيءٍ مقابل شيءٍ آخر من ربِّ السموات والأرض {هناك من هو أكبر منّي ،يحاسبني على قـدر أعمالي ، ويقدّر أجري } النص الرابع والعشرون... وهل الأجر هنا الذي يطلبه نبينا الكريم ، مما هو معروف لديننا ، متداول بيننا ؟ إنها الصدقة التي ينشدها من ربِّ العالمين والتي يمكن بها فقط الصعود بقلبٍ طاهرٍ لانها المرادف لكلِّ كلمات العبادة ..!
مـن الـنصـوص الخاصة بالصدقة نقرأ معـا" {يحيى يعظ في الأماسي ويقول : اعـطوا الصدقة العـظيمـة التي هي افضل من الزوجة والأبناء، الصدقة تطلب في الطريق ، كاليد للفـم ، الصدقـة ترتجـى في الطريق كالعون الذي يـطـلبه الأعـمـى ؛ فإذا انعدمت الصدقة انعدم الأجر ، وليس هنالك معبر على نهر الحياة .. إذا انعدمت الصدقة انعـدم الأجـر فلا تمتلئ الـعـيون بنور أواثر ، ويلٌ للمسيئين والكذبة الذين تناسوا الصدقة ولم يمنحوها والذين نسوا أمر الخالق بأدائها ، أيهّا المختارون امنحوا الصدقات وأحبوا ملاك الأحد الذي وضع معبرا" على البحـر..... }النص 26
نصٌ ـعـبّر وكلمات واضحة البيان هادفـة الى معنى قـد تناسى البعض منّا القصد منه ؛ فلم يعـد يذكر الأخ أخاه والابن أباه ،وبات الكلُ يدّخر ما جناه ، ناسيا"ومتناسيا" صاحب الفضل الأول فيما وصل اليه وما حققه وما ارتجاه .في النص السابع والعشرين والذي يخبرنا عن تعميدالسيد المسيح نجد أسئلةً يطرحها نبينا العظيم سلام الله عليه على المسيح الذي يطلب من نبينا ؛ ابن خالته أن يعمّده فيقول {يايحيى اصبغني بصباغتك وانطق الاسم الذي تذكره عليّ وسأذكر صنيعك هذا في وثيقةٍ وإن لم أتتلمذ ؛ الغِ اسمي من سجلك } بيد أن النبي الكريم غير المقتنع بهذا الطلب
يحاول ان يختبر صدق المسيح بهذا الطلب فيسأل {الخرس لا يصبح معلما" والأعمى لا يكتب رسالةً وبيت الخراب لا يتألق..} ما يهمّنا هنا من هذا النص الجواب عن السؤال الاول –الأخرس لا يصبح معـلــما"- قد يتفاجأ البعض منّا بعمق الإجابة فيجيب المسيح ابن مريم –الآخرس يصبح معلما"..المولود الذي يأتي يمنو ويتكلّم ويصبح كبيرا" فيمنح الزدقا ويكسب الاجر _ أ ولهذا الحد تكون الصدقة مهمة ومباركة بحيث انها ستكون أول عملٍ يقـدّم به الإنسان نفسه الى خالقه ومولاه وستكون هي مـما يكسب به المرء الأجـر الذي يعبر بـه لحياة أُخـرى خالـدة .
في النص الاربعين نقـرأ {هذا حديث مندادهيي الـذي جُعـل حاكما"بعث الى هذه الدنيا ، وقد أغضب رئيس المعابد؛ ليحاسب الكنزبري ورجال بيـت الحق ، يسألهم عن الأجر وعن الصدقة الـتي يهبونها ...احـذروا الـموت؛ لاسيّما انـتم رؤساء الـمعابد ، فحالما تطبقون أجفانكم الــى الأبــد ستحاسبون عـمّا فعلتم وفي المطراثي ستخضعون للاختبار } اذن ليس هناك من يقول انا كبير أو انا صغير ولا تنطبق عــليّ هذه الأحكام !
وعـن العطاء دون منّةٍ ودون أن تعلم الـيد اليسرى ما منحت اليمنى نقرأ في النص الحادي والأربعـين {فإذا وهـبـتم ،لا تمـنّوا ولا تجهروا ،فـإن
جهرتم مرةً فلا تكرروا ذلك ، وإن أعطيتم بيمينكم فلا تخبروا يساركم }في النص الثاني والأربعين نجد {لتعمل ايديكم الحسنات ولتعطِ الصدقات
لترتقـوا متطلّعين الى عالـم النور . }وعلى نفـس السياق ولذات الموضوع نجـد {{هـناك عـبر المـدى البعيد ، وعلى مقربـةٍ من مشوني كشطا يوجد محراث ..إنه محراث الحـق حـق الصـدقة والأجر ، ملاك الأحـد يمسك المحراث وابن الحـياة يبـذر البـذور }النص السادس والاربعون
في النص السابع والاربعين نقرأ{ تمنـح الصدقة فيحسن الأجر ..ويلُ لمن رزق طيبات الحـياة ولم ينتفع بها ...من يرزق ولم يعـطِ فأنه يظلُّ باحثا" عمّـا حوله دون جدوى .. إن الذي يقـدم على أن يفـقأ عينيه بنفسه لن يجـد من يكون له شافـيـا"} وأحب أن أنهي مقالي هـذا بهذا المقطع الذي يصّـور خروج الروح من الجسد أروع تصوير يمكن أن نتخيّله وكأننا نرى فـلما" ناطقـا" بكلِّ الأحاسيس {تتحرك النسمـة منسلّة من القدم
الى الركبة وتقترب من الخاصرة وتصل الى القـلب قابضة عـليه ، ثمّ تصعـد حتى تأتي اللسان وتلتف عـليه فتغيم عـينا الإنسان وتشحب سيماؤه وشفتاه، فيناديها صورييل قائلا": انفـصلي ايتها النسمة ،لـماذا ترقـبين الجسد ؟ فـتجـيـب : يا صوريـيل اخـرجـني من جـسدي ،امـنحـني لـباسي وحررني .يقول لها هاتِ أعمالك ؛ فإن الأجر هو الذي سيمنحك رداءكِ ، فتجيب : لا اعرف يا صورييل إن أجلي قـد حـان، إنهم أرسلوك الـيّ فإن كانت أعـمالي حسنة احضر ملابـسي والـبسني إيـاها ...تخـرج الـنسمة ..يحـمل الجـسـد أربعة رجال يرتدون ملابس النور ، يسيرون نحـو المدفـن ، يضعونه في حفرةٍ ضيقـةٍ وبهـدوءٍ يواورنه التراب . بحزنٍ مكتومٍ ينسحبون الواحـد بعـد الآخر تاركين الجسد المغيّـب في اللحـد .بعـد ذلك يحضرون قـدحا" من الماء وبعضا" من الخبز وينسون الجـسد . }النص الثلاثون
من الرحِـم الضيـق نخرج بصرخـةٍ نطلقها لتبـدأ رحـلة ، وبصرخـةٍ ثانيةٍ يطلقها الآخرون علينا ، الـى اللحـد الضيق نـُدخل لتبدأ رحلـةٌ اخرى ؛
فـيالها من حـياةٍ تبدأ بصـرخةٍ وتنتهي بصرخــة ! الإعجاز في هـذا النـص لهو شيء باهـر ، شيء ربّاني ويوصف بمثل هذه الطريقة الفريدة من نوعها فلقد وصف دنو الأجل وصفا" لا يمكن ان يصفه الا عالم بالغيب ؛تخيّـلـوا معـي سـلسلـة الحيـاة العجـيبـة ، إنها تسلسل عكسيّ ؛لأن الحيـاة تـبـدأ أول ما تبـدأ بـخروج رأس المـولود من رحـم أمـه وتنـتهـي بقــدميّه ، وتـنتهي الحـياة بـموت الـقـدمين إنتـهاءً بموت الرأس .. .. .أكا هـي أكا مـاري أكا مندادهي