في رحاب ( كنزا ربّا ) – الكتاب المقدس للصابئة المندائيين
-1-
الله ( الفكرة والقدرة )
بقلم : بشار حربي
أن مبدأ التوحيد ليس فكرة طارئة على الديانة المندائية أو خارجا عن
مضمونها ، بل هو في جوهر العقيدة المندائية وركن أساس من أركانها الخمسة
المعروفة وهي ( التوحيد – التعميد – الصلاة – الصوم – الصدقة ) ، وقد
ارتكزت ديانتنا في بنائها اللاهوتي على حجر الزاوية فيها وهو ( التوحيد )
، ولا تكاد تجد في أي من نصوصها الدينية أو الأدبية أو في أدعيتها
وتراتيلها ، نصا لايبتدىء بذكر الحي العظيم ، الأزلي البصير القدير العليم
العزيز الحكيم ، الذي هو منبع النور والخير والحكمة والتشريع . ويعود قدم
الاعتقاد بالتوحيد في الديانة المندائية الى ( آدم ) نبي الصابئة المندائيين
الأول الذي جبل على الأيمان والاعتقاد بوجود الحي العظيم ، وعلى يد الملائكة
والأثريين الذين يسبّحون للخالق جلّ وعلا ، صبحا وعشيا . فوجود الخالق في
ديانتنا – وهذا أمر بديهي – هو وجود سابق لوجود ( آدم )ع . ولم يك الله
فكرة أبتدعها ( آدم ) أو الأنبياء من بعده ليهتدي بها بنو البشر . فقد
جاء في كتابنا المقدس ( كنزا ربا ) – القسم الأيمن } ما كان لأنه ما كان ،
ولا يكون لأنه لا يكون * خالد فوق كل الأكوان . لا موت يدنو منه ولا بطلان {،
أي أنه أنبثق من ذاته ، ولم يك من زمن قبله ، بأمره بدأ الزمان وعرف
المكان . فزمان الحي ليس كزماننا الأرضي الذي به نقيس أعمارنا ، وهو زمان
ربّاني . كما ليس لله في ( كنزا ربا ) من صيرورة أو كنه ، وليس له } لا أب
ولا ولد ولا يشاركه في ملكه أحد {، صانع كل شيء ، ولم يصنعه أحد .. يسمو
فوق الأفكار وليست له دار.. موجود بيننا بالمعنى الغيبي وغير موجود بالمعنى
المادي ..نستدل عليه حين نرى بديع صنعه ، ولا تراه أبصارنا ، بل تستدل
عليه بصيرتنا} البهيّ ، الساكن في الشمال العلوي {. يتجلى لنا في الطبيعة
وما وراء الطبيعة ، وهاهو العقل الإنساني يتبين ويتعرف على قدرة الخالق في
كل حقول المعرفة ، فقد سقطت وعلى مر الزمن كل النظريات العلمية
والفلسفية التي تشير إلى أن الصدفة التاريخية قد خلقت الوجود ، أو أن
تفاعلات كيماوية أو إحيائية قد خلقت الإنسان والحيوان ، أو تلك القائلة
بالنشوء والارتقاء وغيرها كثير ، وهذه ( كنزا ربا ) تقول } قال ملك
النور السامي قوله فكان كل شيء * نزل بثاهيل (1) فرفع السماء وبسط الأرض ونادى ملائكة النار * وهبت الشمس ضياء ، ووهب القمر بهاء والنجوم سناء ،
ورفعت كلّ إلى مدار * وتكونت العواصف والماء والنار * وتكونت الثمار
والأعناب والأشجار * وكوّن الحيوان الأليف ، والوحش الكاسر * ومن التراب
والطين الأحمر ، والدم والمرارة ، ومن سر الكون ، جبل آدم وحواء .. وحلت
فيها نشمثا (2) بقدرة ملك النور{، وهو الذي قال للملائكة كوني فكانت ،
ومن ضيائه النقي انبثقت ، أنه الله الخالق المتفرد في علاه ، آمن به
المندائيون – غرس التوحيد الأول – وماآحتاجوا عبر تاريخهم الطويل أن يجسدوه
في شاخص مادي ، بل أبقوه غارسا للأيمان في قلوبهم ، ومصباح هداية في عقولهم ..
يحبونه لأنه كل المحبة ، ويجلوّنه ويعظمّونه في شعائرهم وصلاتهم لأنه ممجّد ، معظم ،
موقر ، قيّوم ، ولم يشاركوه في سلطانه أو يصاحبوه في صولجانه ، وبهذا فقد
سبّحوه وحده ،وباركوه وحده ، وعظمّوه وحده ، منحوه كل الصفات الإيجابية
، } نور لا بطلان فيه ، وخشوع لا عصيان فيه ، وبرّ لا شقاق فيه ، وأيمان لا
خداع فيه ، وصدق لا كذب فيه { ، وأمتثل المندائيون لوصاياه ، عرفوها
وفهموها فجسّدوها ، ثم استقاموا بها .. رجوه واتكلوا عليه ، ونهلوا من
حكمته ، فاهتدوا ، وها هي ( كنزا ربا ) توصينا أن لا نشرك بالحيّ الأزلي ،
ولا نسجد للشيطان ، ولا نكتنز الذهب والفضة ، وأن نموت عراة كما خلقنا ..
توصينا ، أن لا نزني ولا نسرق ولا نبدّل في الكلام ، وأن نحترم الآباء والأمهات
والأخوة الكبار ، وأن لا نشتهي مقتنى غيرنا ، وان الحي الأزلي يوصينا بالمحبة
والألفة والرحمة والود وفرائض الدين .
وفي ( التسبيح الثاني من كنزا ربا – القسم الأيمن ) ما يغني النفس
ويثريها ، ويزيد تقواها ويهديها ، فقد حددت أن معرفة الغيب والتنبؤ به وبما سيأتي من الزمان ، كالموت وغيره ، مرهون بأمر الحي العظيم البصير
القدير العليم . ولذلك ، فأن ديانتنا لا تؤمن بالتنجيم والسحر والشعوذة
، وتؤمن بالقدر ، ولكنها لا تلغي الحذر .
والله الحي الأزلي ، غفور ، رؤوف ، رحيم ، فاحص ، خبير ، قدير ، حليم ،
موحي الخفايا ، كاشف الرزايا ، مقوّم الصالحين ، مخلـّص المؤمنين . } أيها
الزاكي المزكي : أعف عنّا ولا تحكم علينا * نحن عملنا كل الخطايا .. عيوننا
غمزت وأفواهنا لمزت وأيدينا همزت وآذاننا الى الشر أصغت : ربّنا تب علينا
وترفـّق بنا وخذ بأيدينا { ، فالله – هيّي – كما نرى فاصل الحياة عن الموت ،
لطيف ، رحيم ، منـّان ، منقذ لعباده الصالحين من ظلمات النار ، وهو واهب
الحياة الأولى والثانية والثالثة والرابعة ، وخالق الماء الحي ، فكان للماء
قدسية ، به نتعمد وفيه نرتسم برسم الحي الأزلي ونعطي له العهد ( الكشطا )
، فنصبح مندائيين .
هو الخالق الذي قدّر للأشياء منازلها ، وستبقى تدور في معاقلها الى أن يأذن
الذي أمر .
1- بثاهيل : ملاك أثـري يمثل الحياة الرابعة ، شارك في عملية الخلق
والتكوين وله مطهر
2- نشمثا : النفس وجمعها نشماثا ، وهي جوهر الحياة ، ومصدرها عالم
النور ، وهي هبة الخالق سبحانه للأنسان
( وللحديث صلة )