مكي البدري
موسى الخميسي
في تلك اللحظات التي بدأ النظام الديكتاتوري ، يضيق الخناق على الثقافة والمثقفين، وبدأت حياة العديد منهم بانتظار الرحمة بين الحياة والموت. وفي نفس تلك اللحظات، بدأت ايضا، حياة المنفى بالنسبة لمئات الالوف من العراقيين، ممن عبروا الحدود، ليحموا ويحتموا بانفسهم بعيدا من بطش النظام الفاشي. وبين مئات من بقي في العراق، كانت اعداد كبيرة من الادباء والفنانين، شعراء، مسرحيون، موسيقيون، سينمائيون، روائيون، فنانون تشكيليون، اضطروا الى الصمت، والانتشار في زوايا البلاد، يحيوا جذورهم في هواء العراق الخانق، وكان منهم، الفنان والاديب والمثقف، ابن الشعب البار مكي البدري ابن الشيخ كميت.
وكي ينتصر هذا الفنان الرائع عالذي يتجذر من شجرة الابداع السينمائي والمسرحي العراقي التي انقطعت جذورها، واصبحت مشلولة، عمل على انتصار الروح بداخله، ليقهر ما تسلط عليه من ظروف اتسمت بالتعسف ومحاربة الرزق والفكر، ليجتاز مشكلات كبيرة تمثلت في حالة الصدام مع ما تريده وتطمح اليه الة القمع الكبيرة التي كان يحركها النظام ضد الساكتين. فتشابهت مصائرنا نحن المنفيين، في العيد من النواحي، مع هؤلاء الذين عاشوا في منفى الداخل، فكانوا ضحايا ، يعيشون في ممالك مقفلة حدودها الصمت الذي امتد سنوات طويلة، ونال هذا الصمت الجليل احترامنا وتقديرنا اينما كنا، واضاف الى هذا الاحترام بعض التأسي والقلق المشروع على مصائرهم.
كان مكي البدري كغيره من مثقفي العراق يحلم بعالم افضل، وكان السياق السياسي الذي عاشه لايسعف الاحلام الكبيرة التي عاشها، فصمتت تلك الخبرة لتنزوي في مجاهل التعليم عمرا طويلا، الا انها ظلت ولاتزال الى يومنا هذا موضوعا للتامل والتفكير، لانها عكست وبجدارة قدرتها في المحافظة على هويتها النقية وابعدتها عن التلوث، وظل فنه كما كنا نسمعه ونحن صغار يخرج من( معطف الشعب ) فكان صوتا لهذا الشعب حتى بصمته، فمصير مثل هذا الفن الصامت، مرآة لمصير الجذور الذي صدرت عنه، الا انه كان بداخله يقول بصوت عال: لامكان لثقافة ديمقراطية خارج حركة شعبية اصيلة ومتماسكة، فحصن نفسه ضد كل الرياح السامة وجسد بمواقفه على مساءلة النفي الداخلي وشروطه الصعبة واسئلته الظالمة، فاستحق منا الاحترام والتقدير، واعتبرنا مواقفه تلك بمثابة فواصل بين الصحيح والخطأ، اذ لايستقيم الفعل الجماعي الا اذا وجد انسان مثل مكي البدري لم تغويه لذائذ موائد النظام ليرقص بفنه على حبال الديكتاتور.
لقد اضافت السنوات الاخيرة التي كنا نرتقب رياح الحرية منها، هموما جديدة على هذا الفنان القدير، لتاخذ امور حياته، طابع المأساة الشاملة، اذ اصبح عليه وهو الملتزم بقيم انسانية كبيرة، ان يفتش في مدن تعمها الجهالة والظلامية وتصفية ابناء جلدته وابادتهم، ان يفتش عما يحفظ لكرامته ويؤمن عيش سنواته الاخيرة بامان، مع اننا كنا نرتقب من يمد يده من حكومة ومؤسسات ثقافية لتكريمه وتوفير لقمة عيشه لا الاستمرار بتدمير عمر من الاحلام.
تحية لك ايها المبدع الكبير وانت تعاني الحصار من جديد ، حصار العيش، وحصار الابداع، وتحية الى كل مثقف عراقي وطني يعيش مثل هذا اليوم في جنون المنفى العراقي الداخلي مدافعا عن الوطن.
موسى الخميسي
مكي البدري .. الامتزاج مع الكاميرا
التاريخ: Saturday, June 02
اسم الصفحة: فنون
الفنان بين نظرة الثقة والانكسار
بغداد- فؤاد شاكر
ما يلفت الانتباه حقاً ان أغلب الفنانين يستسلمون للكاميرا بكل ذلك الانكسار والذوبان الكلي حين يجلسون في مواجهتها لالتقاط صورهم الشخصية في الوقت الذي تراهم في المحافل ليسوا كذلك بل واكثر تحفظاً واعتداداً بالنفس وقد سألت احد الفنانين عن السر هذا فقال:
ربما يريد اغلبهم ان يقول عبر هذه الصورة الشخصية في انه لم يحقق شيئاً في حياته رغم عطائه الثر وان تلك الملامح المأساوية المسجلة لهي ابلغ رسالة تعبيرية للآخر في ان يقرأ اعماق النفس البشرية بكل ذلك التحسس والتعاطف ليتيقن من ان هذا الفنان او ذاك عادة ما يشغله الرعب بدوام الوقت وهو الذي يعطي اكثر مما يأخذ كما أنه النموذج الوحيد المبني على الخسارات الباهضة لاسيما وان العطاء الفني والابداعي لايقدر بثمن كونه ناتج القلق والفوران والجمجمة الملتهبة والعقل الخلاق وخلاصة الامتلاء الروحي والفكري وقد استدرك هنا لاقول ان الكيان العراقي بشكل عام مبني على جملة هذه الخسارات لكن طريق الفن اكثر سبل الاستنزاف المستمر لذلك تجد الاديب والشاعر والقاص والموسيقي والرسام والنحات والصحفي والروائي تتباين اوضاعهم التعبيرية وتختلف من واحد لاخر في مواجهة العدسة وهم بالتالي يختارون الوضع الذي يعبر عن ذاتهم الابداعية ومع ذلك فقد تبرز الصورة شيئاً من التكلف والافتعال بعيداً عن العفوية والتلقائية المفترضة وهذا ينطبق على الممثل المسرحي الذي اعتاد الوقوف امام الكاميرا المتحركة التي من فضائلها الاسراع في تورية الاداء المفتعل ودمجه باللحظة المتفجرة من ذلك الاداء بينما الكاميرا الثابتة تشتغل على ذروة ذلك الانفعال وحالة الاستحضار المكثف للذات. لكن الصورة الفوتوغرافية الناجحة هنا تنقصها المؤثرات الضوئية ومصور نابغ يجيد قراءة الشخصية قبل الاقدام على تصويرها والمأخذ التالي ان الفنان المعني يقف في مواجهة ايهم من المصورين ولذلك يظهر ذلك الاختلال واللاتطابق.
العراقي وفي الحياة العامة بعيداً عن حالات التصوير الشخصي لا يروق له تلصص العدسة عليه وهو مهموم او ساهم او شارد الذهن انما يفضل ان يكون بوضع المكابر على المآسي والأحزان وكثيراً مايود ان يعرف ماهو الغرض من الصورة لكي يؤكد على نظرة الثقة والاعتداد بالنفس ومن جانب آخر يمكن القول لو كانت هناك قوانين تحفظ حقوق الفرد المعنوية مثل التي هي سارية في اوروبا لامتلأت المحاكم بدعاوى الكثير من الخروقات من هذا القبيل عندنا ويغنيني التذكير في ان العراقي لايكتفي بالاعتراض عما يجعله مادة صورية تخضع للاجتهاد والامثلة العامة وأنما يصل الامر به للتشاجر مع المصور المتلصص ولا اقول في ان هذا المصور بات يستخدم الادوات التي تجنبه هذه المواجهة الحادة.
مابين هذا وذاك قال آخر معلقاً على ذات الموضوع في ان التبويز امام العدسة احد اهم حالات الترفع على جراحات النفس وهو الذي يوحي للناظر الى الصورة الشخصية ان صاحبها جدير باحتمال كل مصاعب وعذابات الزمن. اما الفنان والشاعر والاديب والقصصي والفيلسوف والمثقف بشكل عام فهم النموذج في طريقة التعبير عن المكنون وما يزدحم في اعماق النفس من مشاعر واحاسيس قابلة للتفجر في أية لحظة حتى ان اغنياء النفس من الفنانين والعامة من الناس الذين يمكن عدهم ابطال المشهد اليومي الحي يجمعون على مبدأ الزهد بماديات الحياة بل انهم اكثر انفتاحاً من غيرهم على تسجيل لحظات حياتهم بصور شخصية. وانا على فكرة وعندما كنت اعمل في صالونات التصوير الشخصي منذ الستينيات كثيراً ما كنت التقي زبائن من العمال والكادحين الذين يعملون بشتى المهن والصناعات الصعبة ليأخذوا موعداً للتصوير وعندما كانوا يأتون في ايام العطل حسب الموعد بكامل اناقتهم لم أكن اصدق بل وافاجأ بهذه الاناقة والاعتداد العالي بالنفس لكنهم ما ان يجلسوا امام الكاميرا حتى يطفحوا علامات القهر والاسى في اعينهم مرة واحدة ومن ثم ينحون جانباً علامات التفاؤل بينما البعض الآخر منهم يفضل ان يرتدي البسة الفقراء والمنفيين ويعرق وجهه بالماء والكريم ليبدو مستسلماً للاقدار والاجل الممنوح في الصورة وهذا وحده كافياً ليذكرني بتأثير الافلام الهندية والحارة المصرية على المتابع والمهتم من مختلف الاعمار ومستويات الفهم والادراك. وعلى أية حال فان ذلك شيء من التعبير عن الاحلام والامنيات المؤجلة التي لم يستطع المرء من تحقيقها في حياته نتيجة تآمر الزمن وضياع الفرص وماشاكل من اسباب عديدة وقد يكون الفنان مآخوذا في التفكير بالمجد الشخصي ولو على حساب الخسارات الباهضة وان الاوضاع المختلفة التي تتخذها في الصورة الشخصية كفيلة بايصال هذه الفكرة للناظر اليها ولذلك تجده يختــار وضع دافع الثمن دائماً والا فهل هناك من تفسير آخر يبرر ذلك الاستسلام للعدسة والتفاؤل امامها ومن محاكاتها والشكوى اليها؟