الضمائر الشريفة
ويرتكب الوحش الظلامي جرائمه الجديدة، ساحقا قيم السماء والارض، ملطخا وجه العقيدة التي يرتدي ثيابها زورا وبهتانا، بوحل الجهالة والحقد، ليخرج بكل الكراهية، والتسلط ، لاغتيال الآخر المسالم الآمن الوديع.
خيبة مزدوجة بمرارة وغضب، ومشحونة بقرف لامثيل له، ومصنوعة بالألم اليومي الذي ينتشر في احياء كثيرة من المدن العراقية وخاصة في بغداد والبصرة، حيث بيوت المندائيين التي اصبحت مفتوحة على الموت والخراب والدم،تقارع وباء الحقد الطائفي المتفشي في الامكنة ومسامات العقول والقلوب الغليضة المريضة، التي تهطل دما وحقدا اسودا.
خيبة تزداد حدة كل يوم، وتتفتح على احتمالات الموت مع اشراقة كل صباح معجون بالعتمة واليأس، في وطن اصبح مسكونا بقوة التمزق والفوضى والخراب والتناحر، ومحشورة مصائر ابنائه داخل المتاريس المظلمة.
اي انتصار بائس هذا؟ واي فرح مأساوي؟ بل اية وحشية تلك التي تسكن هؤلاء الذين لاينتمون لغير الشر، ولا وجه لهم سوى وجه الموت؟. ان حربا معلنة يجري تسعيرها الان ضد المندائيين اينما كانوا، وتتحرك قوى الظلام والجهل والسلفية العمياء في هذا الميدان ، في مطاردة الافراد والعوائل في بيوتها ومحلاتها ومقاعد دراسة ابنائها،وفرض الاتاوات على من يعيلها، حيث تجبر العديد من العوائل تحت تهديد القتل والحرق على هجرة منازلها ومحلاتها ، يصاحب ذلك خطف النساء وهن في الاسواق، والاطفال وهم في الطرقات، والاولاد والبنات، وهم في طرقهم الصباحية الى مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم ،التي امتنعوا جميعا عن الالتحاق بها، وتتزامن مثل هذه الحملات التي اصبحت منظمة ، في التهديد والوعيد والضغط المنظم عليهم بتغيير معتقداتهم الدينية. وعلى الجميع الرضوخ والرضى بمحنتهم الدامية بمرارتها وقسوتها اللاانسانية مادامت الحكومة منشغلة في مآزقها مع قوى الارهاب والاختلاس والفساد، وما دام المحتل يداوي جروحه في جحوره المقفلة، وهذا ينطوي بين ما ينطوي ، على درجة بعيدة وخطيرة من احتقار كل شيء يدور حول النفس الانسانية وتسفيهه.
ان يصل الاحتراب ضد الآخر المسالم المتسامح الضعيف، وان تتبع كل الطرق والاساليب الاستئصالية والبدائية في تصفيته واجتثاثه من بيته ومن عقيدته، وسرقته وابتزازه في مكان عمله وداخل بيته، والاستيلاء على العقارات بما فيها البيوت والاراضي دون اي سند شرعي خلافا لكل القيم الاجتماعية والعشائرية وخلافا لكل القوانين، فهذا يعني ان مثل هذا المجتمع ماض في معانقة كل ما هو ضار وسيء، ويذكرنا بمحنة اليهود العراقيين وما حصل لهم في اربعينات القرن الماضي من فضاعات النهب والقتل والتشريد والاعتداء على الاعراض، امام سكوت السلطات الحكومية والاحزاب السياسية والمراجع الدينية والعشائرية كما هو الحال في هذا الزمن الرديء.
لقد انتهى زمن المخاض وبدأ وقت العمل، انفض الاحتفال وحل موعد الامتحان، وتشكلت الحكومة الدائمة، وكنا نأمل ان لاتدير ظهرها الى الخراب الداخلي الذي خلقه تصاعد الاحتقان الطائفي، ودخلت من خلاله بعض اجهزة الدولة طرفا في صراعاته، لتسيء استخدام الحق العام والسلاح العام والمال العام في تصفية حساباتها ومصالحها وتوزيع مسؤولياتها، ولتنتشراحقاد ذليلة لاتليق بالبشر.
اننا معنيون جميعا بمقاومة هذا الحقد الاسود والانتصار عليه. اننا معنيون جميعا، ومعنا كل عراقي شريف من تعز عليه قضية الحياة والانسان، قضية الحرية ، قضية الديمقراطية والتقدم، بالوقوف بوجه الجريمة، وادراك حجم الخطر الذي تنطوي عليه. معنيون الى وقفة وطنية يعود فيها الوعي الى من فقده والضمير الى من اضاعه والوطنية العراقية الى من غلبت عليه لعنة الطائفية. اذ لايمكن التركيز والاهتمام على طرف والتغاضي عن جرائم طرف آخر اعزل يشعر بالغبن والاقصاء والتعسف. لايمكن المضي مع انتقاص قدر المندائيين اهل الوطن ومكانتهم وفرص الوصاية والجباية عليهم وكأنهم رعايا من الدرجة العاشرة. ان هذا السلوك والصمت حياله يتعارض مع حقوق المواطنة ويتضمن تمييزا وتفرقة بين العراقيين وبشكل علني، كما انه يشجع الاهواء الحاقدة على الايغال في ممارسة العنف وصلف التمييز والمصادرة ، وانفلات الرقابة السلطوية.
ان علينا ، ان ننسق جهودنا في مواجهة الظلام وقوى القهر والقمع ، ان ننظم اوسع حملة غضب واحتجاج في الداخل والخارج، وان نحافظ على ديمومتها، مادام مخطط قوى الظلام مستمرا ضد ابناء المندائية لقلعها عن جذورها العراقية الاصيلة.