ما بعد مؤتمرنا الرابع
المندائيون مشكلتهم انهم قوم ضعيف، في هذا الزمن، الا انهم غير عاجزين، بل هم فاعلون على مسرح الحياة، واينما كانوا، بسبب نشاطهم الثقافي على امتداد التاريخ القديم والحديث. انهم منتجون في ورشة الحضارة الانسانية لما لهم من معارف عريقة وعلوم وقيم تساعد على متابعة كل اساليب التجدد في الحياة، فهم لم يستقيلوا من التفكير الروحي الخلاق،منذ زمن الفلسفة الغنوصية ولحد يومنا الحاضر، ولم يعبدوا النماذج والمذاهب الجامدة، لهم عقل تداولي يعترفون بالاخر ، ولهم هوية متفتحة تبني نفسها على الحوار والتعايش والمسؤولية المتبادلة عن مصير الانسان والارض والحياة.
لسيوا متأخرين عن المنجزات التي تحدثها البشرية، ولهم مصداقيتهم في ضوء كل ما يتغير في هذه الحياة، وعواصفها . على الدوام يستثمرون المعرفة والفعالية وفلسفة الاختلاف لصوغ وجهات نظر جديدة.
انهم قوم ضعيف، لتسامحهم وتشتتهم ولعدم ايمانهم بالقوة لرسم المصير، في واقع غاية في التنوع والتعدد والتشابك والتعقيد والحراك ، يبني نفسه على القوة والسلاح واضطهاد الاخر.
المندائيون قادرون اذا شئنا فهم ضعفهم كأقلية صغيرة ، وهم يفهمون بان بالمعرفة وحدها ينتصر الانسان على هول العالم، من خلال قدرتهم على الخلق والابتكار وممارسة الحضور والتأثير، واتباع نسيج جديد من العلاقات مع النفس او مع الغير او مع العالم ، فلامهرب من الضياع والتشتت الذي ترتسم مظاهره امام الاعين كل يوم وفي كل مكان، الا ان على هذا القوم ادارة هوياته بصورة جيدة، وان يضع ابنائه اعينهم في عالم حضاري يتم التعايش مع حضارته العولمية الجديدة.
لنا ثوابتنا ولنا انتماءاتنا، ولنا معايرنا الاخلاقية، وما نحتاجه الان اكثر من اي وقت اخر ، هو وعي مظاهر التنوع والتغيير والحراك التي تدور حولنا، فصحيح ان الانسان هو شروطه واقداره وقوانينه ككل كائن، ولكن ميزته انه عالم من الامكانات ومساحة من الحرية، بما يمتلكه من القدرة على الفهم والتخيل او الخلق والابتكار او التداخل والتدبر، ولانه كذلك فان علاقته مع ذاته وفكره هي دوما متحركة ومتغيرة بهذه الصورة او بتلك، اما المماهاة التامة مع النفس كما نلحظها عند البعض منا بكل اسف،فهي وهم وخداع بقدر ما هي دعوة مستحيلة وربما مدمرة.
بامكاننا الغاء الكثير من الاشياء، وبالامكان اعادة تشغيل وتوظيف او صوغ سلوكيات جديدة، لكن علينا ان لاننظر الى الماضي كونه مقدس، فالماضي يحضر على الدوام بصورة او باخرى، بدمجه واعادة تركيبه في انساق وصيغ ومحاولات اكثر سعة وتركيبا.
نحن امام تحديات كبيرة، تصل احيانا حد القتل، وعلينا ان ننخرط جميعا وخاصة طليعتنا المثقفة من اطباء ومهندسين وعلماء واساتذة وكتاب وصحفيين وفنانين، في المشروعات الثقافية ، اي كانت، فهي وحدها تخلق تماسك وحدتنا واستمراريتها، في حصيلة الآمنا وجروحنا وانكساراتنا وتناقضاتنا، فهي ستقف جنبا الى جنب ثمرة نجاحاتنا وتقدمنا وازدهارنا، فنحن نؤمن بانننا سنكون على الدوام، وايماننا وقدسيتنا واصطفائنا واعتقادنا تجسد قيمنا الحياتية التي تستند على محبتنا للانسان ومحبتنا للتقدم والاستنارة والحداثة والعقلانية والديمقراطية والحرية.
بعد مؤتمرنا الرابع ،نحن بحاجة الى مؤتمرات جديدة ومستمرة، ونحتاج الى لقاءات جماعية لبلورة تضامننا وتقدمنا وتعزيز يقيننا بانفسنا لان الحياة افخاخ وتكثر بها الشراسة والوحشية وكل ما يلحق الانسان من ضرر. نحن بحاجة الى دور متميز لنخبنا الثقافية في هذه المرحلة التاريخية الحرجة التي يمر بها ابناء المندائية في داخل الوطن ، كما اننا ضد انسحاب البعض من الحياة العامة، وعدم الانخراط بها، ونقف مرفوعي الرأس وبعناد ضد الاستقطابات غير الصحيحة، وهي استقطابات تمت في فترات تاريخية لمصلة انظمة فاسدة، ولم تتم لمصلحة القوم المندائي بكامله، الامر الذي ادى الى حالة من اليأس ومن الاحباط والتراجع، وترسيخ يقين لدى البعض بانه لايمكن احداث اي ثقب في الجدار الحصين للتجهيل واللامبالاة والعدمية، والذي شيدته بعض الاطراف التي تريد ان تبقي حالنا كما هي عليه.
لا نريد ان يتراجع دور المثقف المندائي، ولا نريد اشاعة فكر وثقافة الاندحار والتراجع، واشاعة الاحباط في نفوس وعقول ابنائنا وبناتنا واحفادنا، لان المرحلة التي نعيشها تحتاج الى المبادرة، فالحرية لمن يعيش في الخارج متوفرة وغير منقوصة، وعلينا القيام بدورنا الحقيقي في حراك قوانا، فنحن نعيش سياقات جديدة وتحولات خطيرة في تركيبة وجودنا وتماسكنا، وفوق كل شيء مستقبلنا.
المحــــــرر