English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

مع رابطة المثقفين المندائيين

ما يحدث الان في اعماق التجربة العراقية من اصداء ، والمتجهة نحو انعطافات تتحكم الفوضى بسياقاتها المتعددة، له علاقة مباشرة، بين العوامل التي تعصف في الداخل على بنية وجود الاقليات الدينية العراقية، وبين العوامل التي تعصف بالعراق ككل، حيث انهيار التواريخ الثابتة وبروز قوى طائفية عمياء جديدة داخل غبار وشظايا الانهيارات المتلاحقة، اصبحت قادرة على خلق علاقة لمستقبل عراقي متعدد، اكثر ضبابية من اي وقت مضى.
للحرب الطائفية الدائرة الان في العراق اكثر من مؤشر على التوتر القائم الذي اخذ في احد وجوهه، ازالة الاقليات الدينية العراقية، كوجود وثقافة وتراث يمتد قديما في اعماق التاريخ، وبين اصرار ابناء هذه الاقليات المحاصرة بين حرب اصبحت معلنة بين الطوائف ، في ايجاد هوية للحياة تسمح بالتعددية وردم الفجوة القاتلة التي احدثت ارباكا غير اعتيادي لظاهرة الديمقراطية في البلاد. يجري ذلك ضمن واقع ظل حقلا الى زمن طويل مغلقا بالمزاليج التقلديدية التي ارادتها قوى الظلام على امتداد عشرات السنين، وبين تاريخ الانفتاح العالمي من حيث السعي الدؤوب لشعوب العالم لتحويل وجود وتاريخ وتراث ولغات الاقليات الدينية الانساني ، اي كان موقعه، الى منجز يحمل القيم الشاملة للانسانية كافة.
ومنذ ظهور التباشير الاولى لواقعنا الثقافي المندائي في الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، حاول العديد من مثقفينا اللحاق بركب المثال المتحضر والظهور بمظهر الحامل للرسالة الانسانية الجديدة، واظهار الدين المندائي كنموذج للتسامح الانساني بصفاته العامة، حيث انخرط العديد من ابناء المندائية في العمل حسب آليات جديدة تضمن لهم ولابنائهم مكانة ما ، كجزء من الدولة العراقية الحديثة. وساهم العديد من المندائيين من خلال الاحزاب السياسية التقدمية، ومؤوسسات التعليم، في تأسيس نظام بشري شامل وجديد يتخذ من النموذج الغربي مثالا ايديولوجيا يدفع بتلك التجربة الجديدة نحو التوسع والانفتاح والعالمية. بعيدا عن التقوقع العنيف داخل جدران العشائرية والقبلية والطائفية، فبدأ الاوائل بمد الجسور نحو جميع الامكنة المتاح لهم الدخول فيها، كما انهم عاشوا تلك الفترة مرحلة من الحذر الشديد تجاه جذرهم العراقي الاصيل وجذر ديانتهم التوحيدية من اجل الخروج من القوقعة والدخول بشرف الى الزمن العالمي التي فرض نفسه عليهم، فتماهى المندائي مع المثال التي جاءت به الافكار التقدمية التي طالبت بالمساواة بحقوق الاقليات، وظل العديد من الاهداف في احيان كثيرة بمثابة تماهيا وهميا لعدم توفر المناخات الديمقراطية ابان فترات الحكم التي اعقبت الاستقلال.
طرح الزمن افاقا واسئلة اتسمت بالخطورة، وشهد المندائيون في عهد النظام الديكتاتوري السابق محاولات التهام واسعة النطاق من قبل كل ما هو قبلي وعشائري وحزبي ضيق، شمل الافراد والاشكال والمساحات التي لم تستطع الاحتفاظ بكياناتها المستقلة كمنظومات مدنية وثقافية، فاتجه العديد من مثقفينا، اتجاها آخرا نحو تحقيق الاندماج والانطواء داخل الكتل العائلية والاجتماعية ، بعيدا عن الاضواء. الا ان البعض استطاع خلق مشاركات جوهرية بعيدة عن الفردانية الغير مبالية، وبعيدا عن العزلة والغرابة والخيال الجامح للشأن الطائفي الذي شجعته مؤوسات الدولة السابقة . هذا المثقف الذي عانى من ازمات كثيرة، تحولت بمرور الزمن الى معاناة وهروب وعزوف نحو الداخل ،اختار المنافي وطنا بديلا لممارسة رسالته الابداعية والحفاظ على وجوده الانساني، بسبب مواقفه من النظام السابق وسيطرة الحزب الواحد على كل مفاصل الفكر والثقافة .
المثقف المندائي اليوم والذي يعيش الاحساس السياسي العنيف بالذنب تجاه عموم المندائيين في داخل العراق، وهو احساس دفع بعدد منهم الى ايجاد نوع من التوازن لم يكن بالامكان ان يتجسد الا في الحقل المهني، والذي تم تجسيده بانبثاق رابطة الكتاب والصحفيين والفنانيين الصابئة المنمدائيين لتساهم في اعادة المثقف المندائي نحو معبد الابداع الجماعي، يمارسه من اجل التمهيد لآفاق جديدة، وتأسيس نوع جديد من النزعات الفكرية والفنية، كل ذلك ضمن مشروع ثقافي عقلاني، بعيد عن الحزبية الضيقة والعشائرية والطائفية والتزمت.
المثقفون المندائيون الان، هم صانعوا الشرخ داخل كل الابنية المتخلفة والرجعية التي لاتؤمن بالتطور الحضاري، انهم وحدهم القادرون على تفتيت الاتجاه البدائي لما تراكم حول عاداتنا وطقوسنا، ليرسموا قطيعة غير قابلة للتفكك، فالعالم بحكم جريانه الواسع وامتداديته يقترب من اسوار التقارب الانساني الكبير بثقافات شعوبه، يحاصر القبلية ليفتتها، ويحاصر الجهل والتشوه لينهيه، وعليه ان لايفشل بمهمته الجديدة في قراءة واقعه المحمل بخطايا كثيرة، بل عليه فتح الابواب الجديدة بتطهير هذا الواقع من كل الذنوب التي حملناها على اكتافنا، وعلى راسها توعية المواطن المندائي في مجال حقوق الانسان، وان لايسمح لحالة التشاؤم بالسيطرة والسيادة، اذ لابد من بذل الجهود لفضح انتهاكات القوى الاخرى ، وخلق ساحة جديدة للحوار الديمقراطي بين مختلف التيارات والافكار، لان من شان ذلك ان يعطي ثماراه بعيدا عن الصراعات الناجمة عن المواقف الضيقة والشعور بالغبن، ويعني ذلك ايضا، تخلي من هو تحت خيمة هذا التجمع الديمقراطي، عن الانتماءات الضيقة والسلفية، اذ ان الانفتاح هو الذي يخلق الغنى المطلوب في العمل الثقافي، فالمثقف لايعالج الامور بالخطأ الذي يؤدي حتما الى خلل اكبر يسحب بنفسه على المندائيين جميعا. على كل من ينتمي لهذه الرابطة التي وقف اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر ، محتضنا وجودها واحيائها ونهوضها وانبثاقها، ان لايغيب عن باله الدفاع عن حقوق الانسان المندائي اينما كان ،بوضع المبادىء الانسانية العامة والقيم الاخلاقية في الصدارة، ولايمكن لهذه العمل ان يكتسب مصداقيته الا اذا اثبت موضوعية واستقلالية، وابتعاده عن كل مصلحة خاصة او نفعية.
ان سكرتارية اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر تؤكد من جديد سعيها جنبا الى جنب الرابطة بايجاد نوع من التوازن بين كل الهويات الثقافية المندائية، مؤكدين في الوقت نفسه على العودة للاندماج في رحم الثقافة العراقية التقدمية، لاننا نرى في كل هذا محركا فعّالا للتوجه الشامل والجماعي نحو نجاح عملنا المشترك. فالرابطة هي الوحدة العضوية التي تجمع كل تمزقات مثقفينا وتعينهم الى لملمة جهودهم وتوحيدها، واملنا كبير بما سيتحقق.

المحــــــــــــرر