كفانا مزايداتكم
يمكننا وضع عنوانا لهذه المرحلة من تاريخ العراق، هو: عودة الانحطاط . اننا من دون مواربة، نعيش دورة من دورات الانحطاط في مسار تاريخنا القديم والحديث، وفي اعتقادي هناك اسباب يمكن التوقف عندها باعتبار انها هي التي ادت الى هذه الانتكاسة والنكوص والتراجع. مسارات ادت تراكميا، الى هذه الحال التي نعيشها جميعا والتي استندت على عدة ركائز: العصبية العشائرية والطائفية والشللية كمشاريع ثقافية وسياسية ومصلحية تستقوي برجال الدين، ومن جانب اخر، العامل الديني وما يفرضه من فاعلية في مساندة الحكام والزعماء والرؤساء والقيادات والطوائف المتسلطة، حيث تحول كل شيء الى ايديولوجية سياسية عبر مؤسسات وممارسات، لاشأن لها طبعا بالايمان الديني، والجانب الآخر والمهم يتمثل بنزوع البعض من مثقفينا داخل عدد من التجمعات والروابط ، بالسير بالاخرين نحو درب الانحطاط في الجوانب الاخلاقية داخل البناءات التي يتواجدون فيها ويطمحون لتعميمها على الاخرين.
العالم من حولنا يشهد تحولات تتمثل بالانتقال من عصر الصناعة والحداثة الى عصر المعلومة، من اللغة الابجدية الى اللغة الرقمية، وحدث تحول كبير اثر ويؤثر يوم بعد يوم في مختلف وجوه النشاط البشري، وترك تأثيرا في مختلف عناوين الوجود الانساني وفجر علاقاتنا بالزمان والمكان ليس فقط على الصعيد الاقتصادي بل ايضا على الصعيد المعرفي والرمزي والخلقي بالذات، الا اننا وعوضا ان نكون جزء من مشروع حضاري وثقافي كبير،نستمر ومنذ سنوات باحادية الفكر وانغلاقاته، وننتج ثقافة منسوخة، ونظل وقوفا الى ما لانهاية بين ماض قاهر وحاضر مدمر، وكل منا يجتهد في تسمية الامور كما هي، ولاتنقصه الادلة التي يسطرها هنا وهناك( في المواقع الالكترونية العراقية والكروب ياهو المندائي.. الخ) في هذه الجزئية القيمية او تلك ، لتكون قراءاتنا واطلاعاتنا على انصاف الحقائق في دعاوي هؤلاء واولئك من الذين يحسبون انفسهم رموز ثقافية ومعرفية واخلاقية لطائفتنا المندائية في الداخل والخارج، ويصبح همهم الاجتهاد في عمليات الترويج للخطاب الانقسامي في وحدتنا المطلوب تلاحمها الان اكثر من اي وقت مضى، وذلك تحت قناع العناية الزائف بالمندائيين ومصلحتهم الجماعية .
الامر المفارق والمقرف في آن، ان تصدر مثل هذه الدعوات والافكار والاراء والكتابات والخطابات الانقسامية والمعارك من اجل المناصب ، ونحن معلقين في واقع ينزف في اجسادنا جميعا لفرط ما يطول زمن الحرب، ولفرط ما تصبح الحرب حالة قائمة ودائمية في حياة ناسنا في داخل الوطن، حيث لاتزال ماكنة القتل الهمجية تدور رحاها دون هوادة تحصد ارواح ابريائنا كما حدث في الايام الماضية من مأساة يدنى لها الجبين الانساني وراح ضحيتها ابرياء من طائفتنا المندائية في مدينة الكوت.
نكتب بالشجن الذي تعتمر به قلوبنا وبالعصب الذي يعنيه ان نكون في هذا الزمن الرديء لنطرح السؤال: اين انتم ايها المندائيون واين كلمتكم وموقفكم وتضامنكم وتبرعاتكم، واحبائكم في داخل العراق على هذه الدرجة من الوجع والالم والمعاناة؟ .
بعضنا اصبح يخلق وقائع وهمية، ويعتقد انه سيد نفسه او على الوقائع والمعارك والادعاءات ذاتها التي يخلقها، لكن هذا وهم كبير، فاليوم وبعد قرون من الحديث عن العقل والعقلانية وعن قدرتنا بحكم وتنظيم انفسنا واهدافنا ومستقبلنا ، هاهي الوقائع تفاجىء الانسان المندائي من حيث لايحتسب، وها هي الدعوات للتحارب والاقتسام والمزايدة الرخيصة الذي يداهمنا بها البعض وهم في محطاتهم في المنافي التي يقبعون بظلها الآمن من حيث لايحتسب لها من هو بالداخل ويتعرض الى النزف الجسدي والنفسي والروحي اليومي، والا كيف نفسر هذه الفوضى واللامعقول في مثل هذه المزايدات والمبايعات الزائفة التي تعكس ازدواجية الشخصية في ما يضمرون وفيما يقولون ويدعون؟ كيف نفسر انفجار من يدعي العقلانية على ارض الواقع؟ واي واقع مع هذا التشتت الذي ينذر بنهايتنا القادمة؟
والجواب انه لاوجود على هذه الارض الا لليومي والمعاشي والمحسوس والدنيوي والمتحول والمتغير، في داخل العراق وبلدان اللجوء في سوريا والاردن واليمن. علينا الكف عن التبجحات والمزايدة الرخيصة، وعلينا الايمان بالسقف الانساني الذي يحمل معايير تحكم علاقاتنا وعملنا وهي آتية من صميم ثقافتنا العراقية والمندائية التي تربينا عليها، والتاريخ لم يرحم .
المحرر