خارج حروبنا الشخصية
لن نتحدث عن الذين حوصروا في ركام العنف في داخل الوطن، فهم سيعشون في معزل عن معاركنا، لان وقتهم وحياتهم القلقة بعيدة عن همومنا الوهمية، فهم يعيشون حروبا غير عادية، ظلم لاسابقة له، ظلم يجعل هدوئهم وعيشهم كحد السيف ، بما يكفي لاسكاتنا، والتأمل في حالهم ومصيرهم ان كانت لبعض من محاربينا الوهميين ضمائر حية ووجدان مندائي يتسق مع مفاهيمنا وعقائدنا النبيلة المتسامحة.
لكننا نتحدث عن من يعيش في معزل عن تلك الاجواء، عن الذين يمضغون طعم الحرية والخبز الحار، ويمرغون في نعم العيش بالغرب، ويتلقون مساعدات الدعم الاجتماعي المنتظم ، ويتنفسون شظايا الهواء النقي ،لاعن اولئك الذين تقطعت بهم السبل في انتظار امل سلامة النفس والاهل والبيت، وانتظار الموت المؤجل .
نتحدث عن انفسنا نحن الذين في الخارج .لدينا واينما كنا في بلدان الاغتراب ذكريات وروابط ، واحقاب من التاريخ، وبضع آهات من الجغرافيا، ولا يوجد ما يمنعنا من مجانية البذل والعطاء، الا ان بعضنا يجتر تلك الروابط ليجعلها صالحة للصدام وقمع الآخر، عوضا ان يصنع من وجوده ،حياة جديدة تستحق العيش في اوطان لاتحتاج الا لترميم النفس والروح مع الآخر المنفتح الواعي، فلهذا الآخر تاريخ بعيد خصب، موزع بين لغات ومراحل وانماط وتقاليد وعادات. وكل ما نحتاجه كخطوة اولى، هو التفاعل مع الاخر، وان هذا الآخر يحتاجنا كما نحتاجه، وهو ينتظر انخراطنا في فعل جماعي مشترك لابراز هويتنا وقضيتنا المندائية، وهذا ما عجزنا لحد الان عن استكمال صورته بالشكل الذي نطمح لتحقيقه ، مع السعي الحثيث الذي تبذله منظماتنا وروابطنا وجمعياتنا في هذا المجال وخاصة في السنوات الاخيرة، ففي الانخراط الواعي العقلاني ومعرفة الحفاظ على هويتنا وثقافتنا ، يمكن لنا ان نستجيب لنداء العالم اجمع في الحفاظ على وجودنا ضد حملة الابادة التي يتعرض لها مندائيونا في العراق وايران، وخطوة الاستجابة تتطلب عملا من نوع مختلف عما تعودنا عليه او عما هو سائد حاليا من تغليب الظرفي على الاستراتيجي، وتغليب الذاتي على الجماعي، ففي ذلك ما يضر بالعلاقة والعمل.
الم يحن الوقت لننظر الى هذا الخطاب العدائي الذي يتداوله البعض، من اجل ان ندل انفسنا على مخرج، ولو كان اوليا وجزئيا؟ امام هذا السؤال يترآى لنا بان ثمة من يريد الفوز بالوهم، وثمة من يريد قيادة مصائر الاخرين، وثمة من يريد خلق رحم الحقد والفتنة، عوضا عن لغة الحب والتسامح ومتعة العبور الى تجربات الاخرين وثقافتهم ومعارفهم من اجل السير الى كرامة الحرية التي فقدناها زمنا طويلا، من اجل ان يكون لنا الشعر والحب والغناء والجمال. الا انه ومع الاسف ونحن نتابع ظاهرة الجحود والبخل وروح الازدواجية والتآمر على الاخر التي تسود علاقات وعمل العديد من مثقفينا، تجعلنا في حيرة من امرنا، تتزامن مع حيرتنا على مصائر اهلنا في الداخل.
اصبح بعضنا اصما ، مع كل النداءات والكتابات والحورات والوصايا التي يطلقها اتحاد الجمعيات المندائية ورابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الصابئة المندائيين ومجموعة حقوق الانسان وكل الاقلام الخيرة النبيلة التي تكتب في مجموعة الياهو كروب التابعة لاتحاد الجمعيات المندائية، وفي هذا الصمم تكمن فجيعتنا الحالية.
يعلم هؤلاء الاخوة ان تسوية الامور والخلافات لايمكن لها الاستمرار في السير لتدمير هويتنا التي يجتمع البعض على التواطؤ عليها، فاذا قيض لهذه الطائفة ان تنجو من محنتها هذه المرة، فهي ستنجو من دون هويتها الاولى التي استندت على التلاحم الديني في ارض الوطن وجغرافيته المحددة. علينا ان ندرك ايها الاخوة بان تحقيق مشروع البقاء ولاطول فترة ممكنة يتجاوز النقاشات والجدل البيزنطي حول الامة والشعب، ورخص الاتهامات البذيئة، والحط من شأن الاخرين، والاستهانة باعمالهم وافعالهم ومواقفهم ، وهو الامر الذي يعيق كل امكانية للتعاون وانضاج مشاريع استراتيجية جديدة لتواصلنا. والحال ان وحدة المصالح تخلقها اليوم امكانيات استثمار الافكار والطروحات والميادين المشتركة، وان اقوام وطوائف قد توصلت قبلنا الى ايجاد اسس عملية للتعاون فيما بينها في ميادين مختلفة، برغم التوزع الجغرافي وبالرغم من اختلاف الرأي والعقيدة السياسية. ان التحديات الراهنة تجعل من التعاون ونبذ الخلافات الجانبية، والتنحي عن المعارك الكلامية شرطا اوليا لكل تقدم ممكن اليوم، ولا يمكن للخلاف السياسي ان يوقف التعاون على الاصعدة الاخرى دون ان يهدد مستقبل الطائفة. ومجالات التعاون التي ينبغي ان يقوم عليها التعاون المندائي تتجاوز ميدان التأييد وتتجاوز الاطروحات الجارحة والحفر تحت اقدام من يعمل ويجاهد من اجل مصلحة الطائفة، وليس من المنطقي ان يؤدي الاختلاف حول وجهات النظر الى تعطيل كل عمل مندائي مشترك على كافة الاصعدة، التقنية والثقافية والعلمية والمهنية والاجتماعية، ويتحول بالتالي الى جدار يعطل التطور الذي ننشده جميعا. ولا بد، كي يتم الخروج من هذا المأزق الذي تستعرضه يوميا مجموعة الياهو كروب بين البعض والبعض الاخر، ان تحصل قناعة لدينا جميعا وخاصة مثقفينا، حول جدية التحديات التي يتوجب علينا جميعا ان نواجهها في الاعوام القادمة. ومن جديد نمدّ لكم ايدينا للتصافح والتصالح والتراضي
تحت مظلة اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر نطمح باجتماع الجميع في ظلاله الوافرة.
موسى الخميسي