English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

زمن اللوم ولى

تنتظرنا جميعا جهود يجب ان تبذل من اجل مستقبل أقل ارتباكا لطائفة مندائية عانت كثيرا، فزمن المراجعات المحزنة ولىّ، وزمن توزيع اللوم لم يعد مجديا. من الان وصاعدا، وسط الاخطار المحدقة بنا، لابد من التطلع الى امام. المندائي بات خبيرا في وصف حالة التداعي والمخاطر التي تهدد وجوده، ولسان حاله يقول: البارحة افضل من اليوم! لعل الجميع توصل الى مثل هذه القناعة، فهي تصف ارضا منحدرة، سياسية ذات أفق هابط ، فنحن تراجعنا كثيرا في انجاز الكثير من المهمات، وعانيننا الكثير من التفكك، وضاقت حياتنا مقابل وسائل قمع واضطهاد وابادة راحت تتسع منذ سقوط النظام البائد والى يومنا هذا، فضلا عن ذلك هناك الاهمال والتهميش، والعزلة والخوف وانعدام الامل بوئام كنا نحلم فيه على الدوام.

ان الصورة قاتمة حقا، والمفارقة انها بدأت تتشكل من داخل التحولات التي يمر بها الوطن وتشرذمنا في انحاء العالم، ما يجعل قلقنا مضاعفا، فاسئلتنا وشكوكنا في شأن الماضي باتت موازية لاسئلتنا وشكوكنا إزاء الحاضر والمستقبل، لكأن تحولاتنا الوطنية هي المسؤولة عن هذه الصورة، لكأننا ما ان خطونا الخطوة الاولى في نهضتنا التي قادها عدد من رجال الفكر والمعرفة في العقود الماضية بعد منتصف القرن الماضي ، والذين نادوا بتطوير فكري نهضوي ينهل من قيم حديثة راسخة مثل الحرية والتطور، حتى بتنا الان نؤسس لتاريخ من الخسائر على المستوى الانساني كوجود موحد، وراح سجل معارفنا وحريتنا يتبدد في القسوة والاغتيال والقمع التي تمارسها قوى الارهاب في داخل وطننا.

استخدم العديد منّا مفاهيم ومعتقدات وافكارالآخرين، ثم كيّفها الى ما اعتقد بانها واقع او احتياجات او هوية جديدة للطائفة المندائية التي اصبحت بقدرة قادر ملحق للـ ( قومية)العربية، فساهم ذلك النهج في تمزيق اوصال العديد من مفاهيمنا وتراثنا الثقافي الذي يمتد الى الاف السنين، وكانت تلك العملية بمثابة نفاق، لان تلك النزعة اسست لاستبدادنا وتبديد وافقار تنمية مفاهيمنا وافكارنا وفلسفتنا ولغتنا الارامية العريقة، واحياء تراثنا الفلسفي.

الان تضج مرحلتنا الحالية بمشاريع واهداف تبنيناها في اتحاد الجمعيات المندائية باصرار. وهي اهداف عاجلة لانريد ادخالها عنوة في ضمائر ناسنا، تتجلى بوضوح شديد في عدد من القضايا التضامنية، وعلى رأسها، قضية وحدتنا المندائية،التي نريدها ان تبنى على المصالح المشتركة والانطلاق من قواعد وحلول للتطور المتفاوت بينها، وايضا على تعزيز شرعية مؤسساتنا وتمتين دورها، والوقوف بحزم ضد كل خروقات تشيع الفرقة بيننا، وتخوين القوى المندائية النزيهة التي تعمل ليل نهار لمصلحة المندائية بحجج متخلفة كونها تعيش في الخارج او متجنسة بجنسيات هذا البلد او ذاك. كم نسعى الى الحد من ظاهرة اجواء التآمر والشك والخوف التي زرعها النظام السابق ومؤسساته في سلوك الناس .

في هذه المرحلة الحرجة من مسيرتنا، نهضت جماعات من المفكرين والمثقفين ورجال الدين المتنورين راحت تمارس النقد والنقد الذاتي، بكل صراحة، ، فبرزت ملامح فكر تجديدي قدّم ما كان غائبا عن الفكر المندائي في المراحل السابقة ، فتجددت آمالنا بابعاد الادلجة السياسية المتخلفة بعيدا عن حركة التطور الموضوعي ورصده، وتعززت امامنا فرص في نضوج الظروف الموضوعية للتحولات الايجابية، التي تنطلق من الواقع ومن الرغبات الاصلاحية التي تطل برأسها ولو ببعض الخجل، ولم يحلم احد منا في سكرتارية الاتحاد بتحقيق قفزات لم يستوعبها الواقع الموضوعي، لاننا في كل خطوة اخذنا في الحسبان مستوى التطور الاجتماعي والاخلاقي والنفسي وموجباته، فالممارسة عندنا تسبق كل الشعارات، والحرية والديمقراطية لهما الاولوية في كل خطوة نخطوها في عملنا، حتى لانفقد صدقية برامجنا وتوجهاتنا وشعارتنا، وحتى لايحل الفراغ وتتراجع ثقة شرائحنا الاجتماعية. ان وحدتنا تتطلب إطارات واعية وسيادة مستوى معين من ادوات التحول،وتتطلب احترام رأيالاغلبية، وقرارات القيادات الدينية والمدنية للطائفة، حتى لانخلق في الوعي العام المندائي مفاهيم مشوهة عما تسعى الى تحقيقه هذه القيادات، وان لانعرض هذه الوحدة وما تحققه اليوم من انجازات، الى خطر التفكك بسبب عدم احترامنا للشرعية المندائية التي يمثلها كل من مجالس الطائفة واتحاد الجمعيات المندائية في المهجر، والتشكيك بهما، بسبب عدم ادراكنا للتنوع في إطار وحدتنا المندائية المنشودة.

نؤمن بالدور الكبير لمثقفي الطائفة، فهو الدور الاكثر من غيره قادر على صنع المستقبل، عبر استنهاض الهمم ونشر الوعي، مع ادراكنا بان وسائل التوعية والتأثير والاستقطاب صارت فوق قدرات المثقف الفرد، واحيانا فوق قدرات التجمعات الثقافية، ومع هذا فإن المراحل التي نعيشها حبلى بالامكانات الهائلة التي تتيح للمثقف المندائي نشر افكاره على نطاق اوسع كثيرا من ذي قبل، وبالتالي يمكن لتأثيره ان يكون اكبر. فالحليف الحقيقي للمثقف لايمكن ان يأتي الا من داخله ومن الذات الواعية.

موسى الخميسي