من بين حقوق الانسان: رقابة الرأي العام لاعمال الحكام
محرر الشؤون القانونية في جريدة المدى
27/2/2005
ان رقابة الرأي العام هي العامل الرئيسي في ردع الحكام واجبارهم على احترام الدستور بصورة عامة، وحقوق وحريات الافراد بصورة خاصة، والملاحظ انه وكلما كانت هذه الرقابة قوية، كلما كان التقيد بالدستور قوياً، ولكما كانت رقابة الرأي العام ضعيفة او معدومة، كلما كان احترام الدستور واحترام حقوق الافراد بالتبعية ضعيفاً او معدوماً، وان كان الدستور قد احتوى الضمانات المثلى لاحترامه، ولعل هذا السبب بالذات هو الذي دعا الكثيرين من الفقهاء الدستوريين الى القول بأن القانون الدستوري ليس قانوناً بكل معنى الكلمة، وذلك لضعف الالزام فيه، وهذا بخلاف القوانين العادية التي تستمد قوتها من قوة الطبقة الحاكمة وسهرها على حمايتها وعقاب المخالفين لها.
ان مرد احترام قواعد القانون الدستوري يرجع قبل كل شيء الى مراقبة الافراد- المنظمات- النقابات وكل المنظمات والهيئات المدنيه- للهيئات الحاكمة وتصرفاتها وتفرداتها السلطوية ان هذه المراقبة أمر مرهون بدرجة الوعي والنضوج وهو ماليس متيسراً بقدر واحد لكل الشعوب، فقد يأتي هذا النظام (نظام رقابة الراي العام) وبأحسن الثمرات في دولة معينة في حين يفشل فشلاً ذريعاً في دولة اخرى.
والخير كل الخير في ضمانة الرأي العام لانها تحدو بالسلطة التنفيذية الى الحذر في استعمال غير مشروع لسلطاتها، فتحمي بذلك الافراد من الاضرار التي يمكن ان تصيبهم من اعتداء تلك السلطة والتي لايكون من سبيل الى وقفها او ازالتها او التعويض عنها الا بجهد ومعاناة شديدين.
على ان ضمانة الرأي العام وتأثيرها قد وضحت ادوارها بتجارب الشعوب العديدة في كفاحها الدستوري لتثبيت الحقوق والضمانات، ولعل تجربة المرأة العراقية القريبة في الغاء التجاوزات على حقوقها خير شاهد على مانقول، اذ تحقق فيها مايلزم للمرأة وحتى البسيطة ان تحس بالرغبة بالمشاركة في تلك المسائل التي تهمها-وهي رغبة تحتاج في اذكائها الى قيام احداث مثيرة ومناقشات واسعه.
وتظهر رقابة الرأي العام في كتابات الصحف، وفي اراء الاحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية والمهنية وفي الاجتماعات العامة، وفي اقوال الناس والمفكرين وكتاباتهم وافعالهم..الخ، ان هذه الرقابه هي التي تجعل اشتراك الشعب فعلياً في ادارة شؤون الدولة، وبذلك تتحقق سيادة الشعب فعلاً لا حكماً، في صيانة الحرية والمساواة السياسية، والواقع انه لايهم من ناحية ضمان الحريات وكفالتها وكذلك من ناحية تحقيق المساواة السياسية بين الافراد، ان يكون البرلمان هو الذي له حق اقتراح المسائل والموضوعات، ام يكون ذلك للحكومة، اذا كانت جميع نواحي النشاط في الدولة تخضع لرقابة الرأي العام القوية الفعالة، ان هذه الرقابة هي المميز الحالي والبارز للديمقراطية في العصر الحاضر، والحكومات التي تسعى للسيطرة على الافراد وبكل السبل الاجتماعية والدينية، تشعر بقلق بالغ من السماح بتكوين رأي عام، وتبذل قصارى جهدها في محاربة الاسباب التي تساعد على تكوينه، لقد عرف عن بعض الحكام انهم كانوا يحاربون العلم والتقدم، ولم يجدوا عضاضة في ان يصرحوا بأن الشعب الجاهل االجائع أسلس قياداً في يد حاكمه.
على انه التأريخ المخضب بدماء الضحايا والذي لم يجد سبيله للظهور الا مؤخراً سوف يكون من اقوى العوامل على تكوين رأي عام يحارب ضد تركيز السلطة والاستبداد، يؤمن بضرورة القانون وسيادته، ويكافح من اجل الديمقراطية الحقيقية، ويسعى الى الحفاظ على كيان الفرد والمجتمع وتقويته وكفالة حقوقه وحرياته، على ان اساس الحقوق الفردية جميعاً هو حق الحياة اذ ليس هناك من معنى في التكلم عن الحقوق ان لم يضمن للفرد اي فرد هذا الحق الاول ثم الحقوق والحريات السياسية او الاساسية، والثانيه اضافتها ضرورات الحياة والتطور وهي الحقوق والحريات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية، وكلما اتسع مجال هذه الحقوق يتصاعد تكون الرأي العام ويباشر دوره فهو لم يتشيد الا في الدول التي حظيت شعوبها بفرص وافية للارتقاء بأفرادها اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.