الديمقراطيــــــة السياسية وحقـــــــــوق الإنسان
بغداد/سلام إبراهيم كبة
المكونات الأساسية للديمقراطية السياسية.. هي حرية الرأي والتعبير عنه وحرية الضمير والانتماء والتنظيم السياسي والنقابي والاجتماعي والثقافي وحرية الاجتماع. كل ذلك يقع ضمن حقوق الإنسان المنصوص عليها في إعلان الامم المتحدة الصادر في 10/ 12/ 1948 والمواثيق الدولية الصادرة عام 1966 والخاصة بالحقوق المدنية والسياسية واقامة دولة القانون ومؤسساتها المنبثقة عن إرادة الشعب بالانتخابات الحرة الدورية ومراقبة المجتمع الدولي عبر الامم المتحدة لتنفذ ذلك حسبما جاء في قرار 23/ 3/ 1976. وقد نص إعلان الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول عام 1948 والمؤلف من ديباجة وثلاثين مادة على مجموعة الحقوق المدنية والسياسية من المادة الثالثة حتى المادة الحادية والعشرين ومجموعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من المادة الثانية والعشرين وحتى المادة السابعة والعشرين.
يقول ماركس: "ان خطر الموت بالنسبة لأي كائن بشري يكمن في فقدانه نفسه. من هنا فان غياب الحرية يعني خطر الموت الحقيقي للبشرية" فالحرية شمولية متعددة الجوانب. انها وحدة جوانب متعددة يكون كل منها تعبيرا ضرورياً عن كينونتنا كبشر. وكتب ماركس عام 1842: "حرية التجارة، حرية التملك، حرية الضمير، حرية الصحافة، حرية القضاء.. هذه كلها أنواع لأصل واحد متشابه هو الحرية من دون أي اسم محدد". كما كتب ماركس في مكان آخر: "في منظومة الحرية.. يكون دوران أي من عوالمها حول محاوره الذاتية الخاصة لا يعني سوى دورانها حول الشمس المركزية للحرية".
اما الديمقراطية فلا تعني الحقوق الانسانية والسياسية للحرية فقط. انها تعني أكثر من ذلك بكثير.. أي تنظيم المؤسسات والمقاييس الضرورية لتأكيد الحقوق التي تنطوي على التقييدات كذلك. فالديمقراطية مقولة أكثر شمولية من الحرية بالمعنى السياسي لأنها "ميدان سياسي محدد للنشاط يمكن توسيعه أو تضييقه، تناضل مختلف الطبقات فيه من اجل توسيع أو تقييد الاجراءات الديمقراطية اليومية".
في عام 1920 قال (اوتو باور): "ان الديمقراطية شكل للدولة. ويتقرر توزيع السلطة في الدولة في ظله حصراً بالعوامل الاجتماعية للقوى وليس بالقوة. اما العوامل الاجتماعية فهي: (1) عدد الاعضاء (2) مستوى التنظيم (3) الموقع في الإنتاج والتوزيع (4) النشاط (5) التعليم.".
لكن من أهم مقومات انبعاث المجتمع المدني هو الفصل بين الدولة والمجتمع. وكذلك دمقرطة أجهزة الدولة وسلطاتها كي تضمن عدم تحول التعددية الضرورية للديمقراطية إلى تفكيك لمكونات المجتمع. فالهدف هو تمتين وحدة المجتمع على أسس ديمقراطية حيث لا مكان فيها للديكتاتورية ومتاهة اللاسلطات أو فوضى واقعية اللادولة. وكل ذلك تشترطه دمقرطة هياكل الدولة وبنيات المجتمع المدني في آن واحد وضمن ميثاق عهد وطني يقر بالديمقراطية ويدافع عن الحريات الديمقراطية ويقاوم غياب المؤسسات الدستورية وتمذهب الدولة ويفعل مشاركة الفرد الايجابية في حياة الجماعة السياسية.
كما يشترط ذلك اعتماد مبدأ الحوار والمصالحة والتطور السليم لنبذ الخلافات وحلها بالتسوية والتفاهم. وكل ذلك تربية وكفاح أساسه أسلوب الانتخاب، عماد السلطات الديمقراطية لترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي. فالتحول الديمقراطي ليس سوق منافسة سياسية وأمراً بعيد المنال عن حياة الفرد لأن الممارسة الديمقراطية عملية نقدية الطابع متواصلة وقائمة على الحوار والعمل. ويبدأ صنع التاريخ من الاعمال اليومية المتواضعة. إلا ان أهم اساس في بنيان المجتمع المدني هو القانون أو السلطات القضائية أو دولة وإدارات وسلطة القانون. فالمعايير القانونية صمام أمان الحريات والتعددية السياسية والفكرية والحزبية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع وآليات النظام السياسي الشرعية وبضمان الدستور. ولا يكفي أن يجري الإقرار بالديمقراطية في المواثيق والبرامج بالتحالفات السياسية، وانما يجب تجسيد ذلك في الصحافة والممارسة اليومية وعلاقات القوى السياسية بعضها ببعض وتطور مختلف اشكال العمل المشترك الذي يلتقي فيه منتسبو هذه المنظمات والأحزاب.
من الأسس الأخرى فصل الدين عن الدولة، والحل الديمقراطي للقضايا العقدية القومية، وتحديث الوعي الاجتماعي بالوعي العقلاني العلمي القادر على مجابهة التحديات، ومضاعفة الوسائل العصرية التي تسهم في تحريك القناعات والقيم والمثل والمشاعر لدى المواطنين في اتجاهات التطور الديمقراطي، والربط السليم بين الديمقراطية السياسية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
لا معنى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ان كانت تصب في النهاية في مجتمع يسوده الاستغلال والظلم الاجتماعي. فالمجتمع المدني وحده يضمن رعاية الدولة وحمايتها لالحقوق المدنية والسياسية. وتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحق التنمية. ان التقدم الاجتماعي والتنمية يجب ان يقوما على أساس من قيمة وكرامة الإنسان. وان يؤديا إلى مزيد من احترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. ويسهم ترسيخ المجتمع المدني في إرساء الاسس الاجتماعية والحضارية للتصنيع، الأساس المادي للتنمية الوطنية والقومية.
يتضح بجلاء ان الديمقراطية الصحيحة معادلة إنسانية لها طرفان لا تتحقق إلا بهما معاً أـ حرية اجتماعية سياسية عبر مؤسسات مجتمع مدني حقيقي. ب – مستوى لائق من العدالة الاجتماعية لقطاعات وطبقات المجتمع كافة يفسح المجال لظهور ودعم المبادرات الفردية والجماعية المبدعة في المجالات كافة. وتتجسد الديمقراطية الحق في نهوض المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته التي تحترم المواطن وحرية القول والرأي له، وفي توافق هذا المجتمع مع المجتمع السياسي عبر الدولة ومؤسساتها توافقاً لا يعني ادماجاً للمجتمع المدني وتهميشاً له بقدر ما يعني وجود حالة حوار نقدي بينهما من اجل مصلحة المجتمع الواحد بشقيه المدني والسياسي. وهذا يستدعي مشروعية التعددية في المواقف والآراء وتكوين الأحزاب والجمعيات والمنابر الإعلامية والصحفية والمؤسسات التمثيلية التي يشكل البرلمان ذروتها عبر الانتخاب الحر النزيه.