English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
المقصود بـ (منظمة مجتمع مدني)

قاسم علوان
مازال مفهوم (منظمة المجتمع المدني) مفهوما حديث الولادة على مجتمعنا.. جديدا على منظومتنا الفكرية والاصطلاحية الخاصة بالمصطلح السياسي والثقافي العراقي الحديث.. وحتى الى ما بعد التغيير السياسي الأخير في حياتنا. ورغم مرور أكثر من سنتين على بدء تحديث هذه المنظومة تقريبا.. تحديثا أحيانا جذريا.. بالمفاهيم النظرية والفكرية والسياسية الحديثة، والتي بقينا بعيدين عنها مجبرين لسنوات طويلة في معظم الأوقات، حتى عن مصادرها أو مراجعها الأبعد، فقد كانت محظورة علينا هي أيضا. ورغم تنوع سعة هذا الإطلاع الحديث مؤخرا، وانتشار هذه الثقافة وهذا المفهوم الى جانب مفاهيم ومراجع أخرى أصبحت قيد التداول، وبشكل ليس له مثيل مقارنة مع الوضع السابق.. كل ذلك جاء متصاحبا مع التوجه الواسع لتأسيس (منظمات المجتمع المدني) التي شهدها مجتمعنا بعد سقوط النظام السابق، بعد إن كان مجرد التفكير بتلك المفاهيم والأدوات والمنظمات يمكن أن يؤدي بمن يقترب منها أو يفكر فيها إلى التهلكة..! رغم كل ذلك مازال ذلك المفهوم بالنسبة للكثيرين منا حديث النشأة.
شاع استخدام وتداول ذلك المصطلح في أوساط سياسية واجتماعية مختلفة مؤخرا، بدون تدقيق في معناه الاصطلاحي أو الإجرائي، ولفترة ليست قصيرة حتى بعد الانتخابات الأخيرة، لا بل أخذ هذا المصطلح يتداول خطأ أو بشكل غير دقيق حتى على المستوى الإعلامي والسياسي ذي الشأن العام، في أغلب المنظومات والهيئات الفكرية والسياسية الحديثة، ومنها الفاعلة على الساحة العراقية.
فما معنى أن تسمح جهة رسمية سياسية كبيرة، بحجم (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية) لمجموعة من منظمات المجتمع المدني.. أن تسجل لديها ككيانات سياسية، وتدخل للانتخابات مثل أي حزب سياسي آخر...؟ وهذا ما حصل فعلا في الانتخابات الماضية، رغم رفع تلك المنظمة أو المنظمات للافتة (المجتمع المدني) كجزء من اسمها الانتخابي وبشكل علني،! إذ لم تجد تلك المنظمات من يقول لها أن هذا الإجراء غير صحيح باعتبارها منظمات غير سياسية...! فقد التبست لديها الطموحات السياسية بالمطامع المادية، بشغل مقعد في الجمعية الوطنية، من جهة، ومن جهة أخرى بقيادة (منظمة مجتمع مدني) والحصول على دعم مالي.. لم يتوفر مثله سابقا من جهات دولية وإنسانية فهناك الكثير من التجار ورجال الأعمال والمقاولين تركوا أو أجلوا أعمالهم الأصلية، وأسسوا منظمات أطلقوا عليها (منظمات مجتمع مدني...!) ورشحوا في الانتخابات.. ولنا في هذا الالتباس المتعمد شواهد كثيرة...
جاء في جملة ما جاء من تعاريف وتوضيح لمصطلح (منظمة المجتمع المدني) في الأدبيات والمراجع السياسية والفكرية التي ترجمت لنا أو التي أطلعنا عليها حديثا.. على إنها (منظمة غير حكومية...) وفي غمرة ذلك الالتباس.. هناك من أطلق هذا التعريف أو عممه على أية منظمة غير حكومية.. بما في ذلك الحزب السياسي خارج السلطة.. والذي لا يتمتع بأية علاقة مع الجهات الحكومية...! ومادام هذا التعريف ساري المفعول، فمن الذي يمنع هذا الحزب من أن يكون (منظمة مجتمع مدني...!) فهو الآن منظمة غير حكومية.. لقد نسي من دفع بهذه المطابقة إلى أن الحزب السياسي، أي حزب سياسي، حتى وأن كان خارج الحكومة وإدارة السلطة في الوقت الحاضر، فهو يمتلك مشروعا سياسيا لإدارة الحكومة والبلاد مستقبلا، في حالة وصوله إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات أو غيرها، وبالتالي يكف ذلك الحزب عن كونه منظمة غير حكومية، فهو مشروع (لمنظمة حكومية) في المستقبل.. سواء في ذلك المستقبل البعيد أم القريب. وبالتالي ليس هناك أية علاقة بين الحزب السياسي ومنظمة المجتمع المدني.
أية منظمة تقدم على ترشيح نفسها في الانتخابات العامة.. هذا يعني أنها لابد أن تمتلك مشروعا سياسيا لإدارة البلاد وهذا ما يسمى بـ (البرنامج الانتخابي...) والبرنامج الانتخابي هذا هو لإدارة البلاد كلها.. وليس لخدمة أعضاء تلك المنظمة فقط من.. (المثقفين الديمقراطيين.. أو السجناء السياسيين.. أو الأسرى والمفقودين.. أو الرياضيين المهمشين!!) كما أدعت بذلك بعض المنظمات حديثة التكوين.. وأعلنت ذلك علنا في لافتاتها، وصرح به بعض قادتها للقنوات الفضائية بدون خجل أو وجل...!
كما أن منظمة المجتمع المدني يجب أن تكون بعيدة عن كونها واجهة اجتماعية أو جماهيرية لأية جهة أو قوة أو حركة سياسية معينة.. ومحددة أو واجهة لأي مشروع أو طموح سياسي أو انتخابي مقبل لأية حركة سياسية مهما كانت هويتها، بما في ذلك الهويات الدينية أو الطائفية.. حتى منها التي تدعي أنها منظمات أو هيئات غير حزبية وغير حكومية.. وهي منظمات خيرية وللنفع العام أيضا لكن لصق الهوية الدينية أو الطائفية أو العرقية أو حتى رموز تلك الهويات بالمنظمة وباسمها تحديدا.. وكل ما يتماثل مع تلك التسميات.. يلغي صفة المنظمة المدنية إطلاقا، ويحيلها إلى منظمة بهوية محلية، وبذلك تتناقض مع الهدف الذي تأسست من أجله.
كما يفترض أيضا في (منظمة المجتمع المدني) أن لا تكون واجهة إعلانية أو دعائية لجهات سياسية تريد أن تنشط في أوساط اجتماعية وجماهيرية أو مهنية معينة ولكن تلك الجهات لا تريد أن تكشف عن هويتها السياسية أو العقائدية لأسباب مختلفة تخصها، بل ما زال البعض يزاوج أو يخلط بين مفهوم (منظمة المجتمع المدني) و (المنظمة الجماهيرية) التي غالبا ما تكون مهنية أو اجتماعية.. والتي عرفناها سابقا كواجهة سياسية لحزب سياسي ما ولكننا قد نجد مبررا لوجود تلك المنظمات الاجتماعية والجماهيرية أو حتى المهنية، في ظل الأجواء السياسية القمعية كالتي كانت سائدة عندنا سابقا، لكن تلك الظروف هي أصلا تلغي وجود ثقافة المجتمع المدني التي نتحدث عنها.
أن ثقافة المجتمع المدني الحديثة، والتي دائما ما تكون منظمات المجتمع المدني وليدة لها أو جزءا منها، والتي تفترض مسبقا سيادة مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية، وكذلك تعددية الهويات العرقية أو الدينية والثقافات، القائمة على الإيمان بمبادئ الحرية السياسية بكل أشكالها، ومراعاة مبادئ حقوق الإنسان، كما جاءت في وثائق الأمم المتحدة، هي الأساس الذي يمكن أن تتأسس عليه منظمات المجتمع المدني، فهي كما جاء في تعريفها في مختلف وثائق المنظمات المدنية العريقة في العالم، هي تتكون من ناس فاعلين متطوعين لغرض النفع العام في أوساط محددة.
وفي خضم الإيمان بتلك المبادئ.. وفيما يخص التعددية السياسية.. بما فيها تعدد الهويات... يفترض في منظمة المجتمع المدني أن لا تتبنى أية هوية محلية.. أو أيديولوجية مهما كانت الظروف والدوافع، لأن ذلك التبني وإعلان هوية ما (محلية أو سياسية أو عقائدية) يتناقض مع هدفها (المدني) المعلن في نشر ثقافة هذا المجتمع الجديد القائم على التمدن والتمدنية التي تقابل أو تعارض النزعة المحلية (أي ثقافة المجتمع المحلي...) ولكن ليس إلى حد التناقض أو التصادم. وبإعلان تلك الهوية المحلية (دينية أو طائفية أو عرقية) بأن تكون جزءا من تسمية تلك المنظمة ولافتتها، تكف أن تكون هذه المنظمة (منظمة مجتمع مدني) كما ذكرنا سابقا... لكن هذا لا يعني أن ثقافة المجتمع المدني تتناقض أو تقف بالضد من ثقافة المجتمع المحلي، فجزء من مهمة ورسالة هذه الثقافة المدنية الجديدة رعاية الثقافات والهويات المحلية والحفاظ عليها من التلاشي والاضمحلال.
الوظيفة السياسية الوحيدة لمنظمة المجتمع المدني، إن كانت لها وظيفة في هذا المجال.. هي مراقبة العمل السياسي للحكومة ومؤسساتها، وأداء الأجهزة الحكومية في مجال خدماتها، وكذلك عمل المؤسسات العامة الأخرى. هذه المراقبة لا تقتصر على المجالات القريبة من نشاط تلك المنظمة.. بل من المفترض أن تنشط في جميع مجالات الحياة. مثلا نشطت عندنا منظمات المجتمع المدني الحديثة التكوين في مجال مراقبة الانتخابات السابقة، وكان لها وجود ملموس. كما يمكن أن تنشط في مراقبة الانتخابات المقبلة بعد أن اكتسبت تجربة جديدة في هذا الحقل. وبالتأكيد أن هذه الوظيفة لا يمكن أن تنشط وتفعل من دون دعم خارجي وتحديدا من جهات دولية تهمها أن تسير العملية السياسية في العراق بشكل مقبول، من مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي كما حصل في المرة السابقة.