بمناسبة الذكرى الـ 57 للاعلان العالمي لحقوق الانسان
“حالة حقوق الإنسان بعد السقوط”
ستار الباير
عضو الجمعية الوطنية العراقية
مرشح القائمة العراقية الوطنية
يمثل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10/ 12/ 1948 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة... تحولاً نوعياً كبيراً ومتميزاً لعالم مضطرب شهد حروباً ومجازر وانتهاكات صارخة لحق الإنسان للعيش بأمنٍ وسلام.بأنتهاء الحرب العالمية الثانية 1939ـ 1945 وما تركتهُ من كمٍ هائل مدمر في البنى التحتية للبشرية وتعريض الملايين للموت والعوَق والأسر والتعذيب، على ضوء هذا الواقع المر تداعى محبو الحرية والسلام والإنسان إلى التظاهر السلمي لدعوة الخيرين ودول العالم إلى إصدار بيان وتوقيع إتفاقيات تحرص على الحد من ظاهرة التمييز العنصري والديني وتحريم الإنتهاكات كالإعدامات بدون محاكمة والإعتقالات الكيفية ومصادرة الرأي... إحتراماً لكل المبادئ السماوية والوضعية بأحقية الإنسان أن يعيش بكرامة ويتمتع بالحقوق الثابتة على أسس العدل والمساواة بغض النظر عن اللغة، الديـن، المذهب أو المنشأ الاجتماعي.
إن الفترة الممتدة من عام 1945 حتى صدور القرار الدولي عام 1948 أثبتت لكل صاحب ضمير حي بأن الإنسان ـ أثمن جوهرة في الحياة، واحترامه والإعتراف بحقه يسهم في إيجاد عالمٍ خالٍ من القمع والإرهاب... عالم تسوده قيم الحرية والعمل، كما عبرت مجمل المناقشات التي جرت في أروقة الأمم المتحدة واجتماعات الجمعية العامة والضغوط الدولية لمنظمات حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية والقوى المعارضة للحروب والإنتهاكات والدكتاتورية عن اصرار لإستصدار قرار دولي من الجمعية العامة للأمم المتحدة يقرّ ويدعو دول العالم الى العمل والإلتزام بروحية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصّ الكثير من موادها على:
1ـ لكل فردٍ الحق في الحياة والحرية، والناس سواسية أمام القانون لهم حق التمتع بدون تفرقة بالعمل والسفر والتملك والإجتماع والفكر، والتظاهر دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي.
2ـ لا يُعرّض أي إنسان للتعذيب أو العقوبات أو المعاملات القاسية أو الحاطّة بالكرامة ـ وله الحق في اللجوء الى المحاكم الوطنية لإنصاف حقه في حال تعرضه لأية إهانة لكرامته أو حقه في الحياة، كما لا يجوز القبض على الإنسان أو حجره أو نفيه تعسفاً وبدون مذكرة رسمية صادرة من جهةٍ قضائية ويعتبر الإنسان برئ حتى تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له الضمانات الضرورية للدفاع عنه.
3ـ كل إنسان يتمتع بحرية العمل واختياره وله الحق في مستوىً من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته وله حق الراحة والتمتع بالإمتيازات كالعطل الدورية أو المرضية وكذلك التمتع بأمتيازات الأمومة والطفولة والحماية الإجتماعية والتعليم الإلزامي.
4ـ المواطن له الحق في أن يشترك إشتراكاً حراً في حياة المجتمع الثقافي وفي الإستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والإستفادة من نتائجه وعليه تقع واجبات أهمها ضمان الإعتراف بحقوق الغير واحترامها في مجتمعٍ ديمقراطي تحدده علاقات إنسانية لصالح الجميع.
الذكرى 57 للإعلان العالمي ـ واقع وطموح مشروع..
على إمتداد العقود الخمسة والنيف الماضية... تعرضت البشرية لحروب وأزمات اقتصادية وسياسية وعلمية وصراعات عنصرية ومذهبية كان الإنسان ضحيتها الأولى وأداة سهلة للتوجهات الدكتاتورية الطامحة دوماً بأقامة أنظمة خالية من الإعتراف بوجود الرأي الآخر ـ سِمتها الأساسية القمع والإرهاب والشمولية لعمومخ المجتمع وإنكار وجود الآخرين ـ شعباً وتنظيماً ومؤسسات دستورية، ومع هذه التوجهات في النصف الثاني من القرن العشرين كانت القوى الحيّة المبدعة في المجتمع العالمي ـ تحث الخطى لترجمة روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الى واقع عملي موثق في القوانين الأساسية أو دساتير البلدان التي إنضمت ووقعت على الإعلان والمواثيق والعهود والإتفاقيات التي تدعو صراحةً الى إحترام الإنسان وحقوقـــــه الأساسية.
في الوقت الذي إنتصرت الديمقراطية وحقوق الإنسان في كثيرٍ من بلدان العالم شهدت بالمقابل بلدان عديدة تجاوزات صارخة واعتداءات بينية بحق الإنسان وكان العراق في عهد البكر ـ صدام 1968ـ2003 النموذج السيء وظهر جلياً بعد سقوط الطاغية في بغداد بتاريخ 9/ 4/ 2003 وانهيار المؤسسات القمعية وبروز الحجم الهائل من الممارسات الإجرامية بحق المواطنين والذي تمثل بالمقابر الجماعية والإعدامات الكيفية والتي لا يمكن وصفها بأية حال من الأحوال أو تحديد مفرداتها بدقة، سواء وضعت في خانة المجازر والإنتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان والإرهاب المنهجي الذي يعتمد التخطيط في سحق واستئصال الآخر طائفياً ودينياً وعرقياً وأيديولوجياً وسياسياً واختصار التنوع في صبغة واحدة غير معروفة اللون والشكل والمظهر تتسم بالدموية والعصمة الظلامية والقبح وعدم التجانس والتي أطلق عليها(الصدامية) حيث كرست حالة شاذة لم يسبق لتأريخ المجتمع البشري أن مرّ بنظيرٍ لها من حيث تحللها عن كل ما هو متصل بالأعراف والقيم والأخلاق والديانات والمواثيق والعهود.
لقد كانت حصيلة ثلاثة عقود ونصف من تأريخ العراق مئات الآلاف من ضحايا المغامرات العدوانية والمطامع والشهوات المريضة ومن المغدورين في التصفيات والإغتيالات وعمليات الإستئصال والتطهير الطائفي والعنصري وعشرات الآلاف من المغيبين في السجون والمعتقلات وأقبية الإحتجاز والتعذيب، ويمكننا القول أن واقع حقوق الإنسان في العراق خلال الفترة الدكتاتورية مزري جداً وينطبق عليه قول المقرر الخاص لحقوق الإنسان في العراق السيد فان دير شتويل بأن نظام صدام يمتلك أسوأ سجل عرفته البشرية في مجال إنتهاكات حقوق الإنسان. وتمثل في صور بشعة يمكننا تثبيت مفرداتها ونترك تفاصيل الأمور للكتاب والمحللين السياسيين وكتاب السيرة والتأريخ.
ـ التهجيري القسري.
ـ تصحيح القومية.
ـ الموت بدون محاكمات/ شنقاً ـ إعداماً بالرصاص ـ تحت التعذيب.
ـ إعتقالات جماعية كيفية.
ـ مصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة للخصوم السياسيين وأصحاب الضمير.
ـ بناء مؤسسات إرهابية/ فدائيي صدام ـ الأمن الخاص ـ المخابرات ـ الأمن العام ـ الحرس الخاص ـ استخبارات الجيش وغيرها من المؤسسات المدنية والعسكرية والمنظمات الحزبية والمهنية.
لقد تمكن صدام حسين/ من حكم العراق تحدياً 1979ـ3003 بالدم والقهر والموت وأمكنه تحويل منظمات حزب البعث في كافة محافظات القطر إلى أداة قذرة لتوسيع دائرة الدم وتلطيخ أيدي الكثير منهم بدماء أبناء شعبنا العراقي... نعم تمكن صدام كدكتاتور دموي قمعي مصلحي من تحويل حزب البعث الى مزرعة ثمارها له ولأزلامه القتلة وحطبها وقوداً لإحراق العناصر التي إمتنعت عن تنفيذ مخططاته الإجرامية، واستخدام نظام صدام القاتل في مرحلة الأنفال السيئة الصيت ـ كافة الأسلحة القذرة والمحرمة دولياً ومنها إستخدامه السلاح الكيمياوي ضد مدينة حلبجة بتأريخ 16/ 3/ 1988 وموت اكثر من 5000 مواطن عراقي وتشريد 182000 آخرين وهدم أكثر من 4000 قرية وتعذيب آلاف المواطنين في الجنوب والوسط بسجونه الواسعة الإنتشار بالعراق.
أظهرت مسيرة الدم والقمع في العراق ووصول أخبارها ونشرها في الصحف العالمية ـ لما تمثله من إهانة للبشرية وتحدٍ صارخ للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الشهير المرقم 688 بتأريخ 5/ 4/ 1991 نتيجة تعرض المدنيين الابرياء للقتل وتدفق العراقيين على نطاق واسع عبر الحدود الدولية بما يهدد السلم والأمن الدوليين في المنطقة.
وتضمن القرار مجموعة مبادئ أهمها:
1ـ يدين القمع الذي تعرض له السكان المدنيون العراقيون.
2ـ المطالبة بوقف القمع من قبل الحكومة العراقية ضد الشعب العراقي.
3ـ يصر المجلس على سماح العراق بوصول المنظمات الإنسانية الدولية على الفور الى جميع من يحتاجون للمساعدة.
4ـ إيفاد بعثة لتقديم تقرير عن الأوضاع الخاصة في العراق ومحنة السكان وخاصة السكان الأكراد الذين يعانون كل أشكال القمع من السلطات العراقية.
5ـ يطلب من الأمين العام ـ إستخدام ما لديه من موارد وإمكانيات لتقديم العون والمساعدة للعراقيين المشردين.
6ـ يناشد دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة تقديم العون والمساهمة في جهود الإغاثة الإنسانية.
7ـ يطالب العراق بأن يتعاون مع الامين العام من أجل تحقيق هذه الغايات.
8ـ يقرر مجلس الامن إبقاء هذه المسألة تحت النظر.
ونحن نحتفل بالذكرى الـ 57 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسقوط الدكتاتورية الصدامية في العراق... يحدونا أمل كبير بأن تعم ثقافة حقوق الإنسان في العراق ويسهم الجميع ببناء علاقات مدنية سلمية أساسها إحترام الرأي الآخر وصولاً لبناء عراق ديمقراطي دستوري حر موحـد وسعيد تسوده قيم التعاون والمحبة والتسامح والتنسيق الأخوي بين الجميع بعيداً عن مظاهر القمع والإرهاب والغاء الغير.
كما أن منظمات حقوق الإنسان العاملة في العراق مدعوة الى وحدة العمل الهادف الى المساهمة في الوضع السياسي واستقراره والمشاركة في عملية بناء العراق الجديد.. وأن دول العالم والمنظمات غير الحكومية مطالبة بدعم الشعب العراقي منحاً وقروض ومساعدات وخبرات إسهاماً في تخفيف معاناة الشعب العراقي الذي تعرض للإنتهاكات البشعة وتحطم كبير في بنيته التحتية نتيجة سياسة صدام الدكتاتورية وحروبه العدوانية.
إن وجود مؤسسات حقوق الإنسان ودعمها معنوياً ومادياً وتحويلها الى قوة جماهيرية قادرة على تحديد مسالك الإنحرافات وتشخيص الافكار ونقدها ومراقبة سلوك السلطة التنفيذية بشكل خاص عند إبتعادها أو عدم التزامها بحماية حقوق المواطنين التي يجب أن يثبتها الدستور الدائم العراقي... تعدّ مهمة وطنيةإنسانية مساعدة للتنمية والإستقرار وحماية حقوق الإنسان بما يحقق ويرسخ تمتع المواطن العراقي بحقوقه الاساسية في ظل نظام ديمقراطي دستوري لعراق مزدهر.
حالة حقوق الإنسان بعد السقوط:
لقد تطلع العراقيون الى يوم الخلاص من الدكتاتورية بروحٍ مفعمة بحب العراق والنهج الديمقراطي لعراق جديد مزدهر،... ولكن وما أقسى كلمة.. لكن .. من خلال ما شهدتهُ المرحلة من أساليب إرهابية كتفخيخ السيارات وتفجير المدارس والجامعات والجوامع والحسينيات والكنائس اضافة الى تعرض خيرة طيبة الى سلسلة من الإغتيالات شملت المئات من العلماء والأطباء والأساتذة وآلاف المواطنين الابريــاء.
إن فقدان الأمن والإستقرار بالعراق طريق واسع لإنتهاكات حقوق الإنسان العراقي بفقدانه حرية التنقل ـ الإجتماع ـ التعبير والفرحة.
كما أن استخدام القوة المفرطة ضد مظاهر التمرد المدني ساهم في إتساع حالة إنتهاكات الحقوق في العراق متمثلة بالإعتقالات العشوائية والإغتيالات لرموز سياسية اضافة لما نشر من وثائق خطيرة تشير الى التعذيب الجسدي والنفسي للمعتقلين السياسيين كما حدث في سجن الجادرية... يسهم في تعريض الوحدة الوطنية العراقية للخطر وتنامي الظواهر المرضية المدانة كالإرهاب والطائفية والعنصرية ومسلسل الإغتيالات والتفجيرات.
أملنا كبير بأن تجعل القوى والأحزاب والجمعيات العراقية من ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقفة تاريخية لتجاوز الصعاب من خلال التمسك بالدستور العراقي الدائم وبروح المواثيق والعهود الإنسانية التي تضع الإنسان قيمة مبدعة وصولاً لبناء مجتمع عراقي ديمقراطي تعددي يعيش فيه الجميع بالعدل والمساواة والمحبة وبظل علاقات مدنية سليمة بين العراقيين.