هل يتعرض المندائيون الى الأبادة الجماعية
فائز الحيدر
من يتصفح التأريخ البشري يعرف إن البشرية خلال تأريخها الطويل قد عرفت جرائم أبادة جماعية لشعوب كثيرة ، حيث الصراعات البشرية التي كانت تقضي بأسم الدين أو القومية أو القبيلة على جماعة أو قبيلة أخرى وتذبح سكان مناطق معينة بأكملها . ومع التطور التأريخي وظهور الأديان والقوميات تحولت هذه الجريمة الى وسيلة لأبادة الديانات والأقليات العرقية والأثنية ذات الأعداد الصغيرة .
و العراق فى تأريخه الطويل الذي يمتد لآلاف السنين كان قد أصبح مرارا" ساحة لجرائم الابادة الجماعية أثناء الحروب والغزوات منذ زمن الأمبراطوريات المتعاقبة والفتوحات الأسلامية وحتى سقوط الخلافة العباسية وسقوط بغداد على يد هولاكو فى القرن الثالث عشر الميلادي وما تلتها من جرائم أبادة عديدة مثل أبادة الأرمن والأشوريين وآخرها جرائم الأنفال ضد الشعب الكردي 1988 من قبل النظام الدكتاتوري السابق .
الصابئة المندائين هم اقلية عرقية ودينية فى نفس الوقت لكونهم شعبا" لهم لغتهم و تاريخهم العريق و دينهم المسالم حيث يرجع تأريخهم ووجودهم في العراق الى حقبة زمنية تمتد للألاف السنين وقد ورد ذكرهم ونبيهم في القران الكريم في أكثر من آية وان تعاليم دينهم هي تعاليم سمحاء تدل على القيم الأصيلة لهذه الديانة العريقة المسالمة .
يقطن الصابئة المندائيون في أرضهم التي ولدوا بها وعاشوا وسكنوها منذ مئات السنين وهي موطنهم الأصلي حيث يتمركز المندائيون في مدن بغداد والبصرة والناصرية والكوت وقلعة صالح وعلي الغربي والعمارة في جنوب العراق أضافة الى المدن الرئيسية الأخرى طلبا" للرزق ، ويمتازون بالطيبة والتسامح والخلق ولطافة المعشر ، عانوا من ظلم الحكومات المتعاقبة ومورس بحقهم شتى أنواع القتل والأضطهاد والأهمال والأنكار لحقوقهم القومية والدينية ، ونلمس في هذه الأيام خنقا" لهذه الطائفة الأصيلة والمتجذرة أصولها في تربة وماء العراق ، نلمس ممارسات تؤدي الى تشريدهم وأبادتهم من جديد وتعمل على أنقراضهم من خارطة الوطن العراق تحت ستار الدين والقومية التي يمارسها البعض ضدهم .
وفي ظل الأحتلال العراق وفقدان الأمن في ربوع الوطن وضعف الحكومة وانتشار مليشيات الأحزاب الأسلامية بأنواعها والعصابات المنظمة وبدأت الأطراف المتصارعة على السلطة بتكفير بعضها البعض الأخر وزادت دوامة العنف حيث عادت هذه الجريمة البشعة الى العراق وانتشرت ظاهرة القتل على الهوية والخطف والأغتصاب والتهجير الجماعي للأقليات الدينية تحت مسميات و ذرائع اخرى لتقضى على الاقليات العرقية والدينية المسالمة فى العراق وخاصة الصابئة المندائيين وبخطوات مدروسة من قبل البعض لغرض أفراغ العراق من أحد مكوناته الأساسية ووفق أجندات خارجية .
ويتعرض المندائيين هذه الأيام على أيدي مليشيات قوى الإسـلام السياسي المتخلفة والعصابات الأجرامية ، الى حملة شرسة من التطهير العرقي لأبناء هذه الطائفة الصغيرة والمسالمة . ولجأت قوى الظلام هذه إلى أستخدام كل الأساليب الوحشية البشعة من قتل وخطف وتعذيب وسلب ومن ثم القتل وفرض الأتاوات الشهرية وعمليات خطف وأغتصاب النساء وقتلهن والعديد منهن خطفن ولم يعرف مصيرهن وتعرض العديد من المندائيين الى قتل متعمد وهم يمارسون عملهم ومن ثم سرقة محلاتهم . هذا أضافة الى التهديد بالرحيل عن أرض الوطن أو مواجهة الموت وصدرت فتاوي من رجال الدين تحرم شراء ممتلكاتهم ونشهد هذه الأيام عملية تهجير جماعي واسع النطاق لأبناء الطائفة من مناطق سكناهم ، وخاصة في جنوب العراق هربا" من الموت الذي يتهددهم في كل ساعة على أيدي تلك المليشيات والعصابات المجرمة .
أن هذه الحالات أعلاه تدخل تحت أطار الأضطهاد الديني وتكفير الصابئة المندائيين وإن القائمين بها نوعين من هؤلاء المجرمين : مليشيات المتشددين الأسلاميين على أنواعهم والذين يكفرون المندائيين ، ويجبرونهم على تغيير دينهم تسبقها أصدار فتاوى تحلل قتل وتعذيب وسلب مال الذين لم يدخلوا الأسلام من قبل المندائيين وهناك عصابات مجرمة تستخدم الفتاوى على المندائيين كذريعة شرعية لأبتزاز الطائفة وسلب اموالهم وهتك أعراضهم .
لقد سببت هذه الأوضاع هجرة قسرية واسعة النطاق للعوائل المندائية الى خارج العراق ، وإن ما يعاني منه المندائيين قد وصل اليوم حد الكارثة الأنسانية حيث نجد عشرات الألوف من أبنائها في حالة يرثى لها وهم يتركون مساكنهم ومصادر رزقهم ومدارس أطفالهم ، ويهيمون اليوم في شوارع وأزقة المدن السورية والأردنية وغيرها دون مأوى ، وليس لهم من الإمكانيات المادية ما تستطيع به تدبير مأوى لها وتدبير أموها المعيشية ويحث هذا كله امام مرأى ومسمع جميع المنظمات الأنسانية والأمم المتحدة والحكومة العراقية دون أن تحرك أحدى هذه الأطراف ساكنا" .
ان جرائم القتل والخطف والأغتصاب والتهجير القصرى التي يتعرض لها الصابئة المندائيين و استعمال العنف والاكراه لتغير دينهم هي أفعال جرمية تدخل فى اطار جريمة الابادة الجماعية ضد هذا الشعب المسالم حسب تعريف القانون الدولى لجريم الابادة الجماعية . فتكفير المندائيين من قبل الأرهابين وميليشيات ومتطرفي الأسلام السياسي المشاركين في السلطة وخارجها هي ذريعة لابادتهم لكونهم جماعة عرقية واقلية دينية ، وهذا مما يطبق عليهم المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لمنع و معاقبة جريمة الابادة الجماعية .
مفهوم الأبادة الجماعية في القانون الدولي
ليس من السهل أعطاء تعريف محدد لمصطلح الأبادة الجماعية ( Genocide ) ، حيث تعددت التعاريف حول ذلك المصطلح في القوانين الدولية ، إلا انه تم الأتفاق على تعريف عام وشامل للأبادة الجماعية . حيث حددت المادة الثانية من الاتفاقية التي اقرتها الجمعية العامة للامم المتحدة في أجتماعها المنعقد بباريس في 9 كانون الاول 1948 والتي عرفت مفهوم الابادة على انها :
(( كل عمل يرمي الى أفناء شامل أو جزئي لأحدى المجموعات القومية أو العنصرية او الدينية )) وهذا هو الاطار العام لجريمة الإبادة الجماعية كما نصت عليها اتفاقية منع إبادة الأجناس البشرية . ويقصد بمصطلح genocide في اللغة اللاتينية ( قتل الجماعة ) واقترن هذا المصطلح بالأفعال بالنازية وأبادتها لليهود في الحرب العالمية الثانية ، وإن كانت هناك أمثلة لجرائم أخرى ينطبق عليها هذا التعريف في التاريخ البشري عموما" ، لكن القتل الجماعي لليهود أعاد قضية الأبادة الجماعية إلى واجهة الأحداث .
وأعتبرت المنظمة الدولية إن هذه الجريمة هي من نمط الجرائم التي ترتكب لتدمير جماعة ما ، ويقصد بالأبادة كل فعل يهدف من ورائه الجاني الى القضاء على جماعة بشرية او دينية او عرقية قضاء كليا" او جزئيا".. بشكل مباشر او غير مباشر أو بالتحريض على قتل اعضاء الجماعة االمشار اليها في المادة الثالثة للأعلان العالمي لحقوق الانسان والتي تنص :
” لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية “
وحسب نص الفقرة الثانية من المادة الثانية من الأتفاقية الدولية يعتبر الجرم أبادة جماعية ضد أي مجموعة أذا كانت قد أتخذت أحدى الأفعال :
ـ الأبادة الجسدية بهدف أفناء مجموعة بشرية .
ـ الحاق أضرار جسدية و نفسية بالغة بأعضاء هذه الجماعة .
ـ فرض ظروف على الجماعة تؤدى الى منع الولادة والتكاثر ضمن نطاق الجماعة .
ـ نقل أطفال جماعة بشرية لجماعة أخرى قسرا"
وللناقش كل نقطة بشكل أكثر تفصيلا" :
1 ـ الابادة الجسدية بهدف افناء مجموعة بشرية
وهذا لا يعنى فقط قتل كل أعضاء الجماعة بل يكفى قتل بعض من أفرادها بقصد ابادتها ، أو الحاق أضرار نفسية و جسدية بأفرادها بقصد الأبادة كالتهجير الجماعى و الحرمان من الكسب مثلا .
إن من يتابع وضع الطائفة المندائية في العراق يلاحظ عدد القتلى اللذين سقطوا على يد الأرهابيين ومليشيات الأحزاب الأسلامية أضافة الى عمليات الخطف والأغتصاب للنساء وحرق الأطفال والتهجير من مناطق سكنها المندائيين لمئات من السنين وسميت بأسمائهم ، أن ما يعانيه المندائيين اليوم هو نوع من الأبادة الجماعية التي يتعرضون لها ويعاقب عليها القانون الدولي . وإن معاقبة القائمين بهذه الجريمة لا يشمل فقط مرتكبيها الفعليين فقط ، بل وحسب المادة الثالثة لهذه الاتفاقية ، تشمل العقوبات المحرضين على ارتكاب هذه الجريمة وطلما ان عمليات الأبادة تقع غالبيتها في سط وجنوب العراق حيث تواجد رجال الدين والمرجعيات ورؤساء العشائر فى المناطق التى يسكن فيها المندائيون فأننا لا نسمع من هؤلاء أي أدانة أو فتاوى من المراجع الدينية تحرم قتل و تشريد المندائيين وتدافع عنهم ويمكن الأستدلال من ذلك أنهم موافقين على هذه الجرائم وقد تتم تحت أشرافهم أيظا" ، لذا فأن هذه المرجعيات يمكن ان تواجه المسؤولية القانونية لأن الامتناع عن القيام بعمل ما لمنع وقوع جريمة وشيكة او جارية يمكن ان يعاقب عليه القانون .
2 ـ الحاق اضرار جسدية و نفسية بالغة باعضاء هذه الجماعة
فالجمعية العامة للامم التحدة و مجلس الأمن اعتبرتا التهجير القسرى والتطهير العرقى شكلا من اشكال جريمة الابادة الجماعية فى العديد من قراراتهما وهذا ما ينطبق على المندائيين ايظا حيث أن عمليات التهجير القسرى للصابئة المندائيين من أرض أجدادهم و ممارسة جريمة التطهير العرقى ضدهم ليس الا محاولة لفرض ظروف معيشية قاسية عليهم و الهدف منها هو محوهم كليا" او جزئيا" حسب المادة الثالثة لاتفاقية الابادة الجماعية حيث أجبرت الآلاف من العوائل المندائية الى ترك مدنها و مناطق سكناها والتوجه الى خارج العراق او مناطق أخرى داخل العراق و هى تعيش فى حالة مأساوية مما خلق لهم أضرار جسدية ونفسية بالغة نتيجة الأفق والمستقبل المجهول .
ان معاهدة منع و معاقبة جريمة الابادة الجماعية هى ليست الآلية الوحيدة فى القانون الدولى لحماية المندائيين ، بل هناك العديد من اتفاقيات حقوق الانسان و قرارت المنظمات الدولية اللأزمة لحمايتهم والمسؤولية الأخرى تقع على عاتق المسؤولين عن تطبيق القانون في العراق
وهذه المسؤولية تقع بالدرجة الاولى على عاتق الحكومة العراقية الحالية كما جاء فى المادة الخامسة من اتفاقية الابادة الجماعية حيث نصت على أن على الحكومات اتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع جرائم الابادة الجماعية . و الطرف الآخر الذى تقع عليه المسؤولية القانونية لحماية المندائين من الابادة الجماعية هي القوات المتعددة الجنسيات المنتشرة في العراق ومسؤوليتها في الحفاظ على الأمن حسب قرار مجلس الامن رقم 1546 حيث ان واجب هذه القوات هو صون الامن و الاستقرار فى العراق .
3 ـ فرض ظروف على الجماعة تؤدى الى منع التكاثر البايولوجي
أن هذه الفقرة توكد على إن الظروف الصعبة التي يمر بها المندائيين حاليا" تحول دون مواصلة الأنجاب لعدم تمكنهم من تربية أولادهم وسط العنف الي يتعرضون له ، وبالنسبة للشباب فهم يعيشون في دوامة من الخوف وتجعلهم يفكرون أكثر من مرة قبل أقدامهم على الزواج وتكوين اٍسرة لهم بحكم المستقبل المجهول ، كما أن ممارسة طقوس الزواج على ظفاف الأنهار في وقت لا يتوفر فيه الأمن يعرض الجميع الى عمليات القتل والخطف ، مما يستوجب الحفاظ على أنفسهم وأبنائهم من القتل او الخطف أضافة الى التفكير الجدي بمغادرة العراق الى دول أخرى توفر له الأمان والأستقرار على الأقل .... هذه الأسباب وغيرها تسبب بشكل مباشر أو غير مباشر في المدى البعيد وبمر السنين وعدم تحسن احوالهم على نقصان أعداد المندائيين ومن ثم أنقراضهم تدريجيا" .
4 ـ نقل اطفال من هذه الجماعة الى جماعة اخرى
وهذه الفقرة أيضا" تشمل المندائيين بحكم أن أعداد كثيرة من المندائيين قد مورست ضدهم كل الأساليب الأجرامية من قبل جهات عديدة لغرض تغيير دينهم بالأكراه والتحول الى الدين الأسلامي واكيد ان هناك عوائل كثيرة لديها العديد من الأطفال بمختلف الأعمار دون سن البلوغ سوف يتبعون ديانة آبائهم وأمهاتهم الجديدة أضافة الى أجبار هذه العوائل على زواج بناتهم الشابات الى شبان مسلمين بالقوة دون رضى الوالدين والفتاة .
وهناك مجموعة من الأطفال المندائيين الذين ولدوا في خارج الوطن مثل الأردن ، وهم غير معترف بديانتهم المندائية ، وعند ولادته لايكتب في شهادة الولادة في حقل الديانة بانه مندائي ، أن الحكومة الأردنية لا تعترف بأي دين سوى بالدين الأسلامي والمسيحي ، و يبقى حقل الديانة في شهادة ولادة الطفل المندائي فارغا" ، وهذا مخالف لما نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل الذي اعتمدتها الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني /نوفمبر 1959 والمسماة بالأعلان العالمي لحقوق الانسان والتي تؤكد على حقوق الطفل ، أبتداء من حقه في الحياة وفي الأسم واكتساب جنسية وحقه في حرية التعبير والفكر والوجدان والدين ، وقد اكدت الاتفاقية على انه لايجوز حرمان الطفل المنتمي لتلك الأقليات أو لأولئك السكان من الحق في ان يتمتع ، مع بقية افراد المجموعة بثقافته او الأجهار بدينه وممارسة شعائره او استعمال لغته .
ومن هذا نستنتج ان جريمة الابادة الجماعية المحددة باتفاقية الجمعية العامة للامم المتحدة تنطبق كليا" على المندائيين لمعاناتهم الحالية وحسب أعتقادنا أن هذه الجريمة وبهذا الحجم لا يمكن ان ترتكب فعليا" من قبل مليشيات معروفة في الساحة العراقية دون اشتراك السلطة اشتراكا" فعليا" بأعتبار إن السلطة هي الجهة المسؤولة على تحقيق الامن والاستقرار وتأمين الحريات وضمان حقوق مواطنيها أضافة لعدم تحركها في أنقاذهم من الأبادة التي تجري أمامهم .
وأخيرا" يمكن ان نتوصل الى أن المندائيين يمرون في مرحلة الأبادة الجماعية لما ذكر اعلاة
ومن خلال التطبيق لهذه الأتفاقية لوحظ إنها رغم إيجابياتها لم تتمكن من منع وقـوع جرائم الأبادة الجماعية في دول يحكمـها حكام طغاة أو طائفيون يمارسون البطش والأبادة ضـد شعوبهم كما انها تعتبر معظم جرائم الأبادة الواردة في الأتفاقية ترتكب من قبل الافـراد وليس السلطا الحاكمـة وهذا مخالف لما يحصل للشعوب وخير مثال ما حصل من الأبادة الجماعية للأخوة الأكراد في مجازر الأنفال من قبل الطاغية صدام حسين أو ما حصل في بلدان اخرى مثل تركيا وجنوب افريقيا وكمبوديا وناميبيا ويوغسلافيا وغيرها .
فائز الحيدر
أكتوبر / 2006