مقابلة مع البروفيسور كورت رودولف
ثائر صالح
(أُجريت المقابلة أثناء إنعقاد مؤتمر جمعية آرام عن المندائيين في اوكسفورد / تموز 2002)
صالح: أود لو تحدثنا عن أصل الصابئة المندائيين. فالمحاضرات التي استمعنا اليها في الأمس واليوم تشير إلى وجود نظرتين بهذا الشأن. هل لك أن تقدم لنا لمحة قصيرة عن ذلك؟
رودولف: كان هناك بعض المستشرقين الأوروبيين ومن بينهم الألمان يعتقدون أن أصل الصابئة هو المشرق، إذ رأوا أن الكثير من الأمور يمكن تفسيرها من خلال الاصول البابلية، وذلك في القرن التاسع عشر. ولاحقاً، بعد ترجمة ليدزبارسكي للنصوص المندائية الى اللغة الألمانية، تغير رأي المستشرقين وعلماء الأديان والمؤرخين، فهناك مؤشرات في النصوص المندائية تقول بأنهم قدموا من الغرب، أي فلسطين وسوريا. لأن هناك نصوص تشير الى أن المندائيين الأوائل تعرضوا إلى أضطهاد اليهود، الاورثودوكس منهم على وجه الخصوص، مثل الزيلوتيين. وترك المندائيون سوريا وفلسطين لاحقاً وتوجهوا عبر التلال الميدية في الجزء الشمالي من وادي الرافدين الى الجزء الجنوبي منه، ربما في رحلة استغرقت حوالي 100 عاماً. بدأت تلك الرحلة في القرن الأول الميلادي قبل أن يصلوا الى جنوبي الرافدين في القرن الثاني. بالتأكيد قد يكون هناك أفراد من بابل أو جنوب وادي الرافدين ممن اعتنقوا المندائية، لكن لابد وأن كان هناك أشخاص آخرون على معرفة بالطقوس والتعميد قد قدموا من الغرب. وأعتقد أننا لانستطيع تفسير كل ما يتعلق بالمندائيين من الميثولوجيا والثيولوجيا والايديولوجيا وغيرها استناداً الى أواني الأدعية لوحدها. لكنها نظرية أو فرضية، ومن المحتمل أن يكون أمر الهجرة قد ابتكر لاحقاً، لكني لو اقتنعت بذلك، فسأقبله.
صالح: هل هناك أدلة أثرية أو تأريخية ملموسة تشير إلى مثل هذه الهجرة؟
رودولف: الأدلة الأثرية المندائية المعروفة هي أواني الأدعية فقط، والتي عثر عليها في بدايات حملات التنقيب في المدن السومرية والبابلية. فهناك مئات الأواني مكتوبة بالخط المندائي. وأقدمها يعود الى القرن الثالث.
صالح: لكن المعروف أن الأحراز الرصاصية هي الأقدم!
رودولف: الأحراز الرصاصية هي الأقدم، هذا صحيح. وهي أقدم الأدلة على النصوص المندائية المعروفة وتعود الى القرن الثالث.
صالح: وهذه وجدت في الشرق حيث يعيشون الآن. لكن لم يعثر على شيء من هذا القبيل على طول خط الهجرة المفترضة من فلسطين الى جنوبي وادي الرافدين.
رودولف: هذا صحيح أيضاً، رغم أنه يوجد مستشرق يهودي تحدث عن ألواح رصاصية، لكنهم ابتاعوها في اسرائيل، ولم يعثروا عليها هناك، بل أنها نقلت من وادي ارافدين.
صالح: وهل توجد إشارات في كتب المؤرخين القدماء مثل يوزفوس فلافيوس الى ما يرجح حصول مثل هذه الهجرة؟
رودولف: أحد أشهر النصوص المندائية الذي يتحدث عن هذه الهجرة هو هران جويثا [حران الداخلية، الجوانية] وحران هي مدينة في شمال وادي الرافدين تقع اليوم في تركيا. بداية النص مفقودة، وتبدأ بذهاب المندائيين الى التلال بقيادة ملك يدعى أردبان، وهو لابد وأن يكون أحد الملوك الفرثيين، ولعله ارتبان الرابع، وهذا يؤكد على أن المندائيين هاجروا في القرن الأول. ولم يضطهدهم الملوك الفرثيون، على العكس من الملوك الساسانيين الذين حكموا بعدهم. ونجد في شهادة كارثير رئيس الكهنة الزرادشتيين المكتوبة على الصخر تعبير ”المغتسلة“ وكذلك اسم الناصوريين. لكن الاسم قد لا يخص المندائيين، فهو يعني المسيحيين أيضاً.
صالح: ذكرت الناصوريين قبل قليل، ونعرف عن العديد من الطوائف التي سكنت شرقي الاردن وحملت أسماءاً مشابهة، ألا يوجد احتمال أن هذه الأسماء هي تسميات مختلفة لطائفة واحدة، مثلاً المندائيين؟
رودولف: هذا صحيح بشكل جزئي فقط. فالاسم يعني المراقبين. ونسبت الكلمة في السابق الى الناصرة، التي هي محل ولادة السيد المسيح، لكن الأمر غير واضح، فليس لدينا أدلة بأن الناصرة كانت موجودة في الأزمنة القديمة. لذلك يجب أن يرتبط اسم الناصورايي والنازاريين والنوصريم وغيرهم بتصرف خاص لمجموعة من الناس. لكننا غير متأكدين من الأمر، فهذه الأسماء أطلقها أجانب على هذه الطوائف، عدا المندائيين فهم يستعملون الناصورايي كإسم خاص بهم، وأعتقد أن أحد أقدم الأسماء التي أطلقوها على أنفسهم هو بهيرا زدقا، وتعني المختارين الحقيقيين [أو الذين اختارهم الحق]، لكن الناصورايي في النصوص هي التسمية التي يطلقها المندائيون على أنفسهم، وربما استعملت جماعات اخرى الاسم، فنحن لا نعرف بالضبط.
صالح: بالنسبة لي، ألمس بعض التشابه بين المندائيين والقمرانيين من ناحية الأفكار، وحتى التسميات. ومن المثير وجود بعض المتوازيات بين المندائية والقمرانية، مثلاً الاصطفاء، كذلك التشابه في طريقة دفن الموتى، والاغتسال، والتقويم القمراني الشمسي الذي يختلف عن التقويم اليهودي الرسمي.
رودولف: قد يكون ذلك بالدرجة الرئيسية بسبب الاغتسال، وهو من الطقوس الجوهرية، ومن المحتمل وجود طوائف أخرى لها طقوس مشابهة، مثل الكسائيين، والأسينيين. أعتقد أن ذلك كان جزءاً من حركة أسميها الحركة المعمدانية، التي لها علاقة جزئية باليهود غير الأورثودوكس. فهناك تأثيرات بعض الأفكار اليهودية التي نعرفها من العهد القديم، لكن من جانب آخر نلمس تأثير الأفكار الزرادشتية. ويذكرني التقويم المندائي بالتقويم الزرادشتي الذي يختم العام بفترة خمسة أيام (ما يقابل البنجة وهو عيد الخليقة عند الصابئة المندائيين).
صالح: البروفيسور رودولف اشتهر بدراساته عن الغنوصية. فما هي الغنوصية؟
رودولف: الغنوصية لها علاقة بالمعرفة الخاصة بأصل النفس البشرية وبكيفية عودة النفس الى عالم النور. ولدينا شهادات عديدة من الأقباط وهراطقة مسيحيين تتحدث عن جماعات تأثرت بهذه الأفكار تعود الى القرن الأول الميلادي، وربما كانت توجد في فترات أقدم، لكن بالتأكيد عاشت هذه الجماعات عصرها الذهبي في القرنين الثاني والثالث الميلاديين. والفكر خليط من الأفكار بعضها مسيحية والآخر يهودية وقسم منها إغريقية، خليط من أفكار الحركات التي كانت موجودة في أواخر العصور القديمة. فالثقافة اليونانية الغربية تمازجت بالمصرية الشرقية. الغنوصية هو دين خلاص النفس، وأن الخالق الحقيقي لا يمكن أن يكون قد خلق هذا العالم لما فيه من الشرور، ولا بد أن خطأ ما قد حصل، فالعالم هذا سيء والناس يكرهون بعضهم البعض الخ.
هذه الجماعات عاشت في مناطق متفرقة، وهي ليست متوحدة يقودها كاهن أعلى أو اسقف بتنظيم صارم كالبابا لدى الكاثوليك، بل كانت مجاميع مختلفة عاشت في أماكن مختلفة. وعاش المندائيون في الشرق لكن ليس في المدن الكبيرة بل في الريف، وعاشوا في الأهوار والبطائح التي هي جزء من وادي الرافدين، حيث عاش الهراطقة أيضاً في فترة الحكم الاسلامي حسبما نعلم من المؤرخين المسلمين. والمندائيون ليسوا نساكاً لأنهم يتزوجون وينجبون الأطفال على العكس من الكثير من الغنوصيين الآخرين الذين منع عليهم الزواج، فالغنوصيون المتشددون فرضت عليهم العزوبية. ورغم وجود آراء عن الزهد في النصوص المندائية، لكنها ليست ذات ثقل كبير.
صالح: هناك إشكالية لا تزال عصية عن الحل، وهي علاقة صابئة البطائح بصابئة حران.
رودولف: أعتقد أن صابئة حران لا يرتبطون بالمندائيين بشكل وثيق. فهم جماعة مختلفة. وأعتقد أن المندائيين استعملوا اسم الصابئة، وتقبلوا هذه التسمية. فإبن النديم يتحدث عن صابئة الأهوار (البطائح).
صالح: تحدث ابن النديم في فصل من فصول كتابه عن الصابئة، وعرض أفكارهم وتقاليدهم التي نعرفها إلى اليوم. غير أنه عاد في الفصل اللاحق فتحدث عن صابئة حران وأسرد قصة أيشع القطيعي وواقعتهم مع المأمون.
رودولف: هذا صحيح، فابن النديم كان يعرف المندائيين. ولا نعلم عن وجود عادات وطقوس مماثلة للطقوس المندائية في حران. إن الأمر لا يعدو أكثر من التشابه ”الفلسفي“.
صالح: كنت في العراق عدة مرات. ألم تزر المنطقة بعدها؟
رودولف: كنت في العراق لمرتين. زرت كذلك الأهوار وركبت المشاحيف والتقيت بالمعدان. بالمناسبة يخلط البعض من الأوروبيين بين المعدان والمندائيين بسبب قرب التسمية. والأهوار منطقة رائعة. أخذني اليها بروفيسور في علوم البحار من البصرة درس في ألمانيا الشرقية وأمضينا يومين. لن أنسى تلك الأيام. وقد دعيت لاحقاً الى العراق، لكني كنت قد تركت ألمانيا الشرقية بصورة غير شرعية، فقد دعيت الى شيكاغو مع زوجتي فقررنا البقاء وعدم العودة، ولم يكن لدي طلاب في ألمانيا الشرقية، بل كان طلبتي يدرسون علم الإجتماع والتأريخ، لكن ليس الدراسات المندائية أو دراسات الأديان. وقد فقدت ليس الأفلام والسلايدات التي التقطتها للمندائيين ومناطقهم فقط، بل فقدت حتى مصادري الاخرى التي تركتها ورائي.
صالح: تعليقاً على كلمة معدان، فكلمة مادنا مندائية تعني الشرق، فهم الشرقيون ”مادانايا“ أي الشراگوة. ما هي المواضيع التي تعمل عليها الآن؟
رودولف: أود أن أكتب عن المندائيين، بالارتباط مع الغنوصية. والموضوع الثاني عن الكنزا ربا الكتاب الرئيسي المقدس عندهم، والمشكلة هي أنني لا أستطيع الوصول الى النسخ الموجودة لدى العوائل المندائية، لأنني أبحث عن النسخ القديمة. لكني لا أهتم بالمندائيين فقط، فأنا أبحث في أفكار ونظريات العلوم الدينية وتاريخ الأديان ووضع الحدود بين الدين الخالص والثيولوجيا، فالأول هو ”منطقة محايدة“ أكثر من الثانية. وأنا الآن متقاعد في ماربورغ لكني أقوم بتقديم محاضرات صيفية في دراسات الأديان وأتعاون مع بروفيسور في جامعة غوتنغن متخصص في العهد الجديد في بحث عن علاقة يوحنا المعمدان بالمندائيين. إذ لابد من وجود علاقة بين يوحنا المعمدان والمندائيين، خاصة بالارتباط بطقس التعميد، لأن الأمر يعتمد على قيم الشهادة والتعميد، وهي قيم ملموسة ولابد أن تكون لها علاقة بنشاط يوحنا المعمدان.
صالح: بروفيسور رودولف أشكرك كثيراً على هذه المقابلة المفيدة والممتعة، وأتمنى لك الصحة والعافية.