سيرتي الذاتية -- الفصل الثاني
المرحوم غضبان الرومي
2
التعليم والمدرسة
كانت الامية متفشية وقليل من الناس من كان يعرف القراءة والكتابة فأذا ما جاءت رسالة الى شخص ما فأنه يضطر لمراجعة عدد من الافراد لقراءتها له. وكان في عائلتنا فرد واحد يقرأ ويكتب وهو المرحوم اخي الاكبر مني " "عسكر الرومي" لأنه تعلم عند الملالي في جامع السنة ثم دخل قبل الحرب العالمية الاولى المدرسة الحكومية العثمانية، وحين فتحت مدرسة قلعة صالح الابتدائية عام 1916 كما اشرت سابقا دخلها عدد كبير نسبيا من مختلف الاديان خاصة وقد كانت قلعة صالح تضم اكثر من خمسمائة عائلة من الصابئة، وحوالي مائة وخمسين عائلة يهودية وحوالي الف عائلة مسلمة.
كانت الدراسة في المدرسة تقسم الى قسمين اولية وابتدائية، وتشمل الدراسة الاولية الصفين الاول والثاني ومدتها سنتان . والدراسة الابتدائية ومدتها اربع سنوات وتبدأ من الصف الاول الابتدائي الى الرابع الابتدائي ومدتها اربع سنوات وعلى هذا فتكون مدة الدراسة الابتدائية ست سنوات تدرسس فيها اللغة العربية والدين واللغة الانكليزية والحساب والهندسة والتاريخ والجغرافية والرسم والاعمال اليدوية ودروس الانشاء.
كنا ندرس يوميا سبعة دروس اربعة صباحا وثلاثة مساءا ومدة الدرس 45 دقيقة عدا يومي الاثنين والخميس فندرس في كل منهما اربعة دروس صباحا. وقد خصص يوم الاثنين عصرا للالعاب والاعمال الكشفية اما يوم الخميس مساءا فأنه عطلة ومع ذلك فقد كان يستغل لمختلف الاعمال المدرسية.
وصلت عام 1919 الى الصف الثاني الابتدائي وهو مايقابل الصف الرابع من مدارسنا الابتدائية اليوم وقد طلبتا لأداء الامتحان الابتدائي والنهائي في البصرة وكانت معلوماتنا قاصرة تقريبا ولم نكن ندرس كلمة واحدة من الهندسة لأن دروس الهندسة كانت تدرس في الصفين الآخيرين أي الثالث والرابع الابتدائيين لهذا حين سؤلنا في الامتحان ان نجاوب عن مواضيع الهندسة شرحت لهم بأننا من طلاب الصف الثاني الابتدائي ولم ندرس هذه الدروس.
وعلى كل فقد جاءت نتائجنا مع الاسف الرسوب للجميع. وبعد سنتين آخرين تقدمنا للامتحان الابتدائي في البصرة وكانت نتائجنا جيدة وقد نجح كل مني وفرحان وعزيز لامي عام 1921 .
ما زال تأريخ هذه السنة عالقا في بالي لأنه في 21 آب من هذه السنة جي بفيصل بن الحسين وتوج ملكا على العراق. وذلك بعد ان قامت ثورة عارمة في البلد خاصة في الفرات. اما شيوخ دجلة وخاصة شيوخ العمارة وعشائر ربيعة في الكوت. فقد كانت موالية للحكومة البريطانية ولم تصدر منها أي حركة مخالفة، وقد ارسلت لهم مبالغ طائلة من الليرات الذهبية على سكوتهم وموالاتهم. ان العشائر التي كانت تسكن قضاء قلعة صالح اكثرها من البو محمد وبني مالك والبيضان والسواعد وآل ازيرج في المجر الكبير، حيث كان ناحية تابعة الى قلعة صالح ، واكثر الشيوخ قرابة الى الانكليز كان الشيخ فالح الصيهود وحاتم الصيهود ومجيد الخليفة واخوته والشيخ زبون اليسر وعصمان اليسر.
وكان يسكن منطقة الاهوار الواقعة بين قلعة صالح والحويزة قوم يسمون " الشَدّة" واهم افخاذهم النوافل وهؤلاء يسكنون على تلول في وسط الهور ويربون الجاموس وحياتهم على صيد الاسماك وعمل البواري وهي حصران من قصب. وكانوا صلة الوصل بين عشائر العراق وعشائر الحويزة التي كانت عربية تحت سيطرة الشيخ خزعل الشيخ جابر.
اعود فأذكر ان الدراسة الابتدائية كانت تحتوي على دروس الديانة وقد اهتمت حكومة الاحتلال فعينت لكل دين معلما يعلم ابناء ملته ديانتهم وعليه فقد كنا ندرس لغتنا المندائية والديانة الصابئية على يد رؤساء الدين الصابئي، اذكر منهم الشيخ عبد الله الشيخ سام والشيخ فرج الشيخ سام وشيخ زهرون الشيخ محي في العمارة وشيخ داخل في الناصرية، وبالرغم من ضحالة معلوماتهم الا اننا كنا نتمسك بأمور ديننا وتلمنا الوضوء والصلاة وفوق كل ذلك تعلمنا قراءة اللغة المندائية بحروفها ولهجتها لأنها كانت اللغة الدينية واللهجة المندائية هي اقرب اللهجات الى السريانية. ولو انها حرفت وبدلت حروفها الى"سطرنجيلية"
وفي اوائل آب من عام 1921 وصلت برقية الى قائمّقام قلعة صالح تطلب فيه دائرة المعارف (لم تكن وزارة المعارف قد تشكلت بعد) في بغداد ارسال كل من الطالبين غضبان رومي وشراد ابراهيم يحيى السام، والذي كان طالبا في الصف الثالث الابتدائي او الخامس ولم يكن قد امتحن الصف الرابع الابتدائي بالسفر الى بغداد اللالتحاق بدار المعلمين، كان لخبر سفري رنة في قلعة صالح.
ابلغت بالبرقية وبعد يومين سافرت والسفر بالطبع كان بالماطورات او الفلك ، لأن الحكومة البريطانية رفعت السكة الحديدية التي كانت ممتدة بين العمارة والبصرة مارة بقلعة صالح وذلك كي تسمح لبواخر شركة لنج بنقل البضائع في نهر دجلة بعد ان ساهمت تلك الشركة بقسط ثقيل او كبير في نقل البضائع وقيادة السفن والبواخر الحربية في دجلة لأنها كانت تعرف اعماقه وفروع دجلة وحتى مقدار المياه الذي يسحبه كل نهر كأنهار "الجحلة" الكحلاء والبتيرة والمجر الصغير والمجر الكبير والمجرية والسليمانية. لقد استغرقت سفرتنا بالماطور من قلعة صالح الى البصرة عصر اليوم الاول وليلة ووصلنا البصرة في ظهر اليوم الثاني، وكان في استقبالنا عندما وقفت الفلكة مستر رايلي على ما اذكر وهو استرالي يدير معارف البصرة اخذنا راسا الى محطة قطار البصرة واركبنا فيه.
كان القطار بطيئا وقد استغرقت سفرتنا نهارا وليلتين أي حوالي 36 ساعة. وفي محطة بغداد استقبلنا شخص بعد ان سأل عنا، واركبنا في عربة واخذنا الى دار المعلمين والتي كانت تسمى Teachers Training College استقبلنا هناك واسكنا في غرفة من غرف المدرسة، وتقع دار المعلمين في محلة قنبر علي تجاور جامع قنبر علب وهي نفس بناية الاعدادية المركزية للبنات في شارع الجمهورية والمقابلة الى مدرسة التفيض تقريبا.
كنا نذهب الى الجادة العمومية ( اسم شارع الرشيد قبلا) من طرق ضيقة ودرابين مظلمة، ولم تكن الجادة العمومية انئذ مبلطة اذ كانت طبقات الحصو تملأ الشارع المذكور.
العائلة والاهل والاقارب
كانت عائلة رومي العكلة( اسم والدي وابيه) تسكن اول الامر بيتا قصبيا ثم سكنت في بيت غرفه من الطين وفيه غرفة واحدة من الطين ومضيف من القصب وكوخ آخر من القصب للطبيخ وفي عام 1912 ولدت والدتي موجة بنت شيخ زهرون آخر طفل لها وهو اخي الاصغر المدعو (نعيم) واعتقد الى حد ما ان ولادته كانت في سنة تسمى"سنة الهدّابة" أي السنة التي نزل فيها " طَلُّ" كثير فتغطت الارض به على علو فد عشرة سنتمترات وكانت الاخت التي تكبر نعيم هي نعيمة ونطلق عليها حاليا ام سميع ثم انا وقبلي اخي الاكبر عسكر ثم بركات وخالد وجاسب وغالب والاخت الكبرى نوفة ( Nofah ) زوجة الشيخ عبدالله ووالدة المرحوم الدكتور عبد الجبار عبدالله العالم الفيزياوي الشهير ورئيس جامعة بغداد خلال السنوات 1959 الى عام 1963 .
كان والدي نجارا مشهورا يصنع الزوارق والمعروفة بسم الطّرادة كما انه كان ماهرا جدا بعمل " الفدن Faddan " وهي المحاريث الخشبية وكان يربح من صنعته مالا كافيا. كان يشاركه في الصنعة عمي سهر وهو والد ابن عمي جاني ابو سميع. وكانت لدينا عمتان هما عذرة وفتوة. وعذرة لم تكن موفقة بزواجها من احد اقاربها المسمى (عفان) اذ توفي بعد زواجها بفترة قصيرة. اما فتوة فقد تزوجت من صلبوخ بن قطان الاخ الاكبر لقطان والد بهيّر وشبير وصريّع ومعارج ومحسن والد ثامر زوج كريمة ابنت اخت ام يحي، وولدت (غويته) حمادي بن مغامس وسعيد ومجيد وعبد الرزاق ورشيد وابنة تدعى...
ولزواج عمتي من صلبوخ قصة ارويها بما يلي:
عاش والدي وعمي واختاهما يتامى اذ توفي والدهم جدي وهم صغار فتركهما بين ايدي خوالهم وهم عائلة كرسوع من عشيرة الخميسية ويعتبر كرسوع رئيس العشيرة انئذ ثم تركتهم والدتهم المسماة "صينية" وتزوجت صالح وانجبت منه سعيد وارحيّم وسعيد والد نابل وبابل وقابل.
وعندما شب والدي وطلب يد والدتي موجة ابنة شيخ زهرون اخو شيخ سام، وكانت يتيمة ايضا اذ توفي والدها بعد والدتها بفترة قصيرة فعاشت وكبرت وتربت في احضان عمها الشيخ سام خاصة وان والدتها المدعوة (سمية) قد تركتها وتزوجت من "كزار" والد "خماس" ابو انيس واسعد الحاليين . فولدت سمية خماس وتملية "Timliah " وتملية زوجة ظاهر اخو مغامس والد حمادي وعبد الرزاق زوج سهيلة ابنة اختي نعيمة.
تزوج والدي من والدتي وهما اليتيمان بشرط واحد وهو ان يوافق والدي وعمي على اعطاء عمتي فتوة زوجة الى صلبوخ بن قطان ابن عم والدتي، ويظهر ان الموافقة تمت وحصل الزواج لذلك ظهر مما تقدم ان كلا من والدي ووالدتي قد عاشا يتيمين وتربيا في احضان الآخرين.
وقد حدث في عقد مهر عمتي ان خلعت ملابسها الدينية قبل انتهاء عقد الزواج الديني وعلى هذا الاساس يترتب سقوط المركز الديني لكل من المؤمن العاقد للزواج والزوجة فلا يجوز للمؤمن ان يعقد زواجا آخر كما لايجوز لصلبوخ ولذريته ان يقوم بأي عمل ديني الا بعد ان يتعمد كل من المومن العاقد للزواج والزوج والزوجة ثلثمائة وستون تعميدا. وقد تعمد المومن هذه التعميدات وتتم على ايدي سبعة مومنين ولمدة سبعة ايام على ان يتعمد كل يوم خمسين تعميدا.
اما عمتي وزوجها فقد بقيا بدون تعميد وعليه فمن الواجب على ذريتهما ومن يريد منهم ان يكون حلاليا (Shalmana )(باللغة الارامية)ان يتعمد هذه التعميدات. وهكذا حين ارادت غويته الابنة الكبرى ان تتزوج مغامس عمدت (360 ) مرة ومن جراء ذلك اصيبت بثقل في سمعها وولدت عمتي فتوة كل من (غويتة وخيرية وصالح وجزية) وقد تعمدت ذريتها كل من (غويته وجزية) وتزوجت جزية " خزعل بن باهر وهو والد كل من صديق وزكي والدكتور بشير" اما بناتها فهن عالية ورازقية و( ؟ ) وعالية زوجة عبد الرزاق زيدان ورازقية زوجة (فاضل مغامس اخو حمادي وعبد الرزاق) والصغرى تزوجت شاكر محسن الاخ الاكبر لثامر محسن.
اما عمي سهر فقد تزوج امرأة نسيت اسمها فولدت له ثمانية بنات وجودة وكاطع وتوفي وهو شاب اما البنات فاتذكر منهن صابة وناكة Naga وعذبة ومسحونة وهي والدة شدود بن نعاس، وتوفيت زوجة عمي الاولى ليتزوج بعدها نومة Noma بنت غافل اخت شلتاغ والد ناصر وناصر والد الدكتور عبد الكريم زوج نظيمة.
وقد انجبت نومة منه غنيدة وجاني وكان يسمى (جناني) ونمر وتزوجت غنيدة ، اخي الاكبر المدعو جاسب الذي اصيب بالطاعون عام 1918 وتوفي بعد اصابته بثلاثة ايام وكانت زوجته قد حملت الا انها اسقطت الجنين بعد ثلاثة اشهر من كثرة اللطم والنوح والبكاء. وتوفي عمي بعد وفاة اخي جاسب بثلاثة اشهر تأثرا على وفاة ابن اخيه. وتزوج جاني اختي الصغرى وولدت له كل من " سميع وامل وكريم وتوفيق وفاروق وسهيل وسهيلة وسلام . تزوج اخي الاكبر غالب "كاشية" ابنة فياض بن مران والد عنيسي ، وكان لزواجه قصة لطيفة. طبعا انه تزوج ولم يرها في حياته ولم يعرف عنها شيئا اطلاقا.اما قصة زواجهما فكانت كما يلي:
تقدم فياض بن مرّان الى خشن من غيلان"والد حميد خشن" وكان يسكن في المجر الكبير يطلب منه يد ابنته "عزل" الى ولده عنيسي كانت عزل فتاة جميلة جدا كجمال اختها حدهن( زوجة الشيخ جودة ووالدة دخيلة وسالم وداخل). فوافق خشن على هذه الزيجة وعاد الخاطبون الى العمارة فرحين ولما كان خشن من المسودنية ومن اقارب والدي وابناء عمومته لم يستشر اقاربه في هذا الزواج. ولما كان لدى والدي شاب كبير وهو اخي غالب انزعج والدي وعمي وتألما . وتعد العملية المذكورة في عرفهما الاجتماعي تنزيل لمركز ولقيمة الاقارب. لذلك وفي عصر احد الايام وبعد اسبوع من الخطوبة المذكورة عبر والدي نهر دجلة الى اصدقائه من بني مالج (بني مالك) الساكنين مقابل قلعة صالح في(ام مسحاة) واخذ منهم اربعة اشخاص كاملي السلاح بالبندقيات والخناجر والمكاوير وقصدوا المجر . والمجر يبعد عن قلعة صالح بحوالي ساعتين مشيا على الاقدام وحين امسى المساء وصلوا الى المجر وقصدوا دار خشن الغيلان.
فتحوا باب داره وكانت الدار من الطين طبعا، فوجدوه وهو في آخر كلمات صلاته، فوضع والدي واصدقاؤه الاربعة رصاصاتهم في بنادقهم ووجهوها الى خشن بهت الشخص على المفاجأة. وكانت زوجته حاجمة واقفة، فصاحت" وي خوية رومي شتسوي" فأجابها والدي قائلا " اريد قتله لأنه يزوج ابنته ولم يحسب ان له اخوة واقارب لديهم اولاد مستعدون للزواج، انه اهاننا بعمله دعيني اقضي عليه وليكون امثولة لغيره " الا انه توقف عن قتله وقال له " ياخشن هذا انذار لك بأنك اذا زوجت عزل الى المندوية ( عائلة بيت فياض ) فلا تنتظر الا القتل وها انا اخرج الرصاصة من بندقيتي واتركك واعود" ثم ترك الدار وعاد هو وجماعته ليلا الى قلعة صالح.
وبعد اسبوع او اكثر بقليل من هذا الحادث لم يشعر والدي الا ويقف على ساحل دجلة امام داره ثلاثة طراريد وفيها فياض وعدد كبير من اقربائه، ونزلوا في ضيافة والدنا. وفي اليوم الثالث جمع فياض عددا كبيرا من رؤوساء الصابئة الساكنين في قلعة صالح وعلى رأسهم الشيخ سام وتقدم الى والدي وعمي طالبا المعذرة اولا ومن ثمة تقدم الى والدي قائلا" انني اطلب المعذرة واقدم ابنتي كاشية زوجة لغالب" فوافق عمي ووالدي وجميع الحاضرين على هذا الصلح المبارك وبعد حوالي شهر زفت كاشية الى غالب مع زفاف عزل الى عنيسي.
وبعد ليلة من دخول العروس كاشية وقبل عقد زواجها سرقت ليلا من دارنا. وحين اصبح الصباح افتقد الحاضرون العروس فلم يجدوها فصرخت والدتها " الفية" وهي اخت حاجمة زوجة خشن لقد سرقها فلان الفلاني، وهو من افراد عشيرة البو محمد الساكنين في الكحلاء لأنه يحبها. وعلى الاثر قصد والدي وجماعة من اصدقائه بني مالك وعمي وعدد آخر ناحية الكحلاء وذهبوا رأسا الى شيخ عريبي والد الشيخ محمد العريبي وقابلوا الشيخ المذكور والذي كان يعرف والدي وقص القصة عليه. فأرسل مأمورا طلب الشخص المذكور ولما حضر لم ينكر وقال انه يريد ان يتزوجها مسلمة على سنة الله ورسوله. فطلب منه الشيخ ان يحضر الفتاة. فأن كانت موافقة فلابأس وان لم تكن موافقة فيجب اعادتها الى اهلها. وحين احضرت كاشية بكت ولطمت خدودها قائلة ان هذا الرجل سرقها ويريد اخذها بالقوة. فأمر الشيخ المذكور بعودة كاشية الى اهلها والى زواجها وهدد الجاني بالقتل هو واقاربه ان عاد وفعل فعلته او اقترب من الفتاة او هدد اهلها او زوجها . وهكذا وبعد ثلاثة ايام اعيدت كاشية الىقلعة صالح وتزوجت من اخي الاكبر غالب فولدت له رشيد ورسلية. ثم توفيت عام 1915 بحمى النفاس في قلعة صالح اذ ماتت هي والطفل الذي ولدته. اما نحن فكنا نسكن انئذ في مريبي ( Muraybi ) الكائن مع عشائر زبون بن يسر هربا من الحرب العالمية الاولى لأنهم طلبوا اخوتي كل من خالد وغالب وجاسب للجندية.
هربنا وسكنا مع الشيخ زبون ولم نخلص من ملاحقات الجندرمة العثمانية. فقد كان سعيد صالح بصفته مختارا لمحلة الصابئة، كثيرا ما يرافق الجندرمة ليلا ويأتون الى بيت الشيخ زبون ويطلبون منه ان يسلم اولاد رومي الى الحكومة فينكر الشيخ المذكور وجودهم في عشيرتة، ويرسل الينا بصورة سرية احد العبيد فنترك الدار ونهرب الى بيوت الجيران ومن ثم يأتي سعيد مع الجندرمة ويرشدهم الى بيتنا.
وقد وقعت مرة نعيمة في ايديهم فصرخ سعيد هذه ابنة رومي، الا ان جيراننا وهم من الصابئة صاحوا في وجهه على انها ابنتهم. فكانوا يرجعون دون ان يتمكنوا من القاء القبض على والدي ام على اخوتي . وفي عام 1915 وحين دخل الجيش الانكليزي الى قلعة صالح عدنا الى دارنا وبنينا لنا بيتا من قصب وحوطنا الدار الحالية بجدار من الطين وبدأنا نبني لنا غرفا طينينة، اذ قمنا ببناء ثلاثة غرف وايوان وديوانية للخطار الى ان بدلناهم ببناء الطابوق عام 1932.
الصابئة ..ديانتهم، عبادتهم، فلسفة عقيدتهم، وكيف بقوا على الرغم من قلتهم الى هذا الوقت؟ مع نبذة عن تأريخهم .
بالطبع انني انتمي دينيا الى طائفة صغيرة تسمى الصابئة، وتسكن طائفة الصابئة المنطقة الجنوبية من العراق( العمارة، وقلعة صالح والمجر الكبير والمجر الصغير والجحلة والحلفاية والقورنة والجبايش ومدينة الناصرية في سوق الشيوخ وفي مدينة البصرة ويسمون انفسهم مندائي. واشتقت كلمة الصابئة من ( صبا Sba ) الارامية وتعني من صبغ اوتعمد وتعني بالعربية الصابئي كل من خرج من دين الى دين آخر. وكلا الكلمتين يعنيان شيئا واحدا وهو التغيير العبادي. فالتعميد في العقيدة الصابئية يجعل الشخص يتبع بعد التعميد العقيدة الصابئية وقد جاء في كتاب" الكنزا ربه" الكنز الرباني او صحف ادم وهو الكتاب الذي شرح ووضح عبادة الصابئة وفلسفة عقيدتهم قوله" مَصْفِتّخ مِتَفرقَخُ من يَهُودُوثه إلى مَنديُوثة" أي ان عمادك يخرجك من اليهودية الى المندائية. وعلى هذا فالتعميد يعني اعطاء الفرد الصابئي صفته الصابئية او اسم الصابئية. والتعميد هو الطمس في الماء الجاري ( يردنه) ثلاث مرات مع بعض التلاوات باللغة المندائية، ثم الارتسام أي رسم الجبين بالماء الجاري وتلاوة بعض السور على المتعمد بعد خروجه من الماء ثم انتهائه. ونزع ملابسه الدينية المكونة من خمس قطع" الثوب والسروال والعمامة والنصيفة (طبرشيل) او الهميانة. ولابد ان تكون بيضاء . فلا يعد الصابئي صابئيا اذا لم يتعمد لذلك فقد فرض علماء الدين الصابئي تعميد كل متزوج ذكرا ام انثى ان يتعمد مرتين اولاهما تعميد الانتساب وتسمى ( زُهرَيثْة) والثانية تعميد نفس للطهارة وتسمى (نفشيثَه).
اما الكلمة الثانية والتي يتسمى بها الصابئة فهي ( مندائيي) وهذه تعني شيئين فقد فسرها بعض علماء اللغات بأنها تعني " العارف" ومن كلمة العارف او المعرفة اشتقت كلمة المعرفيين أي ( Gnostic ). وكلمة المعرفة تعني معرفة الله من جراء تأمل او نساك او تصوف وتفكير عميق في ان هذا الكون يحتاج الى خالق مدبر، او الى موجد مكوّن. وهذا التفكير العميق لا يحتاج الى انبياء ورسل ليوصلوه الى الناس ويفرضوا عليهم طاعته وعبادته، وعلى هذا فقد فرض من جراء هذا الاعتقاد ان الصابئة لا يؤمنون برسالة الانبياء، وهذا عكس ما هو موجود في كتبهم أي ايمانهم بآدم وشيت وسام ويحيى ومنهم اشتقوا منابع ديانتهم.
اما القول الثاني والذي افسره انا كما يفسره بعض العلماء غيري ان كلمة مندايي مشتقة من مندا وتعني الموحد ومنها اخذت مندي وتعني محل العبادة او التوحيد. وكلمة مندا اد هيي وتعني توحيد الله وعبادته. اذن فكلمة مندايي تعني وتشمل الموحدين اكثر مما يقصدها بعض العلماء من المستشرقين. وعلى كلا الشكلين فالدين الصابئي سواء كان من المعرفة او من المندائية فهو يعني توحيد خالق لهذا الكون. خالق علوي يعجز الانسان ان يصفه او ان يعرف تكوينه او ان يعرف كنهه، لأن أي وصف تطلقه عليه تجده اعلى منه واكثر دقة وشمولا من ذلك الوصف.
وتشمل عبادة الصابئة الصلاة ثلاث مرات يوميا. والصلاة خشوع وتضرع للخالق وطاعته، والتضرع اليه بأبعاد الانسان عن الكفر وطلب الرحمة والغفران لما قد صدر من ذلك الفرد من خطايا. والشيء الثاني في ديانة الصابئة هو ان يتعمد الانسان كل ما سنحت له الفرصة لأن في التعميد راحة نفسية للمتعمد وخلاص الانسان من بعض الخطايا البسيطة التي يرتكبها الفرد في حياته اليومية. وهناك طقوس كثيرة اخرى تجري للفرد الصابئي بعد وفاته لتجعل من نفسه طاهرة نقية.
ومن فلسفة الدين الصابئي هو الاعتقاد ان في الانسان نفسا ارسلها الله وهي جزء منه واسكنها في جسم بني آدم وهناك روحا قد تدفع الانسان الى عمل الشر، فأن تغلبت النفس تغلب الخير وان تغلبت الروح تغلب الشر. ومع كل ذلك فقيادة حياة الانسان نجد الخير اوالشر تأتي من النفس، وعلى ذلك فهي مسؤولة في آخرتها عن اعمال الانسان وهي التي تحاسب عليه في آخرتها فالنفس هبة من الله والروح هبة الشيطان. وهذه الفلسفة قد تكون اقرب الى ( الثنوية) أي ان كل شيء مخلوق هناك ضده.
وفلسفة عقيدة الصابئة تنحصر في:
1- ان هناك خالقا للكون يدين المخلوق اليه بالطاعة واعمال الخير والتعبد.
2- ان يقبل الفرد بالعدل الآلهي وان يسكت على ما يناله من خير وشر ويصبر عليهما.
3- ان يبتعد عن أي عمل شرير وان لايعاقب الشرير هو بنفسه بل يترك عقابه لله لأنه سبحانه وتعالى هو المسؤول عن العقوبة لا انت لأنك اذا عاقبت فكأنما ترتكب معصية لما اراده الله. وان الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل العقوبة فلا تكن انت المنفذ والمعاقب للخاطيء.
اما كيف بقي الصابئة الى هذا الوقت فهو:
1- لأنهم موحدين، ولأن الاديان السماوية اعتبرت كل موحد شريك للآخر في توحيده. وقد اعتبرته الاسلامية من اهل الذمة، واهل الذمة تعني الموحد ولكن ليس مسلما.
2- لأن الدين الصابئي يأمر بالعدل والسلام وعدم ايذاء الآخرين .
3- لأن الصابئة اصحاب مهن يدوية مختلفة كان المجاورون بحاجة لها.
4- لأخلاصهم وعدم ايذاء المسيئين.
5- اجتماعهم سوية في اماكن معينة.
6- ولما كانوا قد وجدوا في شبه الجزيرة العربية واصلهم من الآراميين، والآراميون عرب مثل غيرهم لذلك لم تصبهم من العرب او الاسلام نكبات مثل ما اصابتهم من اليهود..الى ما هناك من اسباب اخرى قد تظهر للقارىء المفكر العالم غير هذه وتلك.
ما زال يكتنف تأريخ الصابئة وهجراتهم شيء من الغموض. فالتأريخ والمكتشفات الاثرية لا تحدد بالضبط حياتهم ومساكنهم الاولى، فالتأريخ يقول ان الصابئة من بقايا الآراميين الذين كانوا يسكنون اليمن وهاجروا منها الى الشام ( وارض الشام تعني كل من سورية وفلسطين والاردن ولبنان) ومن الشام هاجر قسم منهم الى جنوب العراق الى ارض السومريين والبابلين وسكنوا هناك. وقد جاء منهم ابراهيم الخليل عليه السلام والملقب بأبي الانبياء. ولدى الصابئة كثير من الاساطير عن ابراهيم الخليل وانتسابه اليهم لولا حدوث بعض العوارض الدينية له في حياته وهجرته من بابل الى حران.
ولم يكن ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا لأنه ولد وبشر بالتوحيد قبل موسى بحوالي الف سنة. ولم يكن العالم يعرف اسم كلمة ( عبراني او اسرائيلي او يهودي) لأن هذه الكلمات الثلاثة جاءت بعد موسى والعبراني تعني العابرين مع ابراهيم الخليل لنهر الفرات ليصلوا الى حران والسكن فيها او انهم العابرون مع موسى للبحر الاحمر. اما كلمة اسرائيل فلم يعرفها التأريخ الا في حياة يعقوب ابن اسحق وتعني القوي. اما كلمة اليهود فقد اطلقت عليهم بعد النبي يهودا.
والتأريخ المندائي يذكر ان الصابئة لاقوا من الاذى الكثير من اليهود، قبل المسيح بفترات طويلة وهاجر قسم منهم الى ميديا وهي تشمل منابع نهر ديالى من الاراضي والسهول والبطاح خاصة منطقة مندلي والطيب في ميسان ويسميها الصابئة " طيب مانة". وقد تكون كلمة (ميسان تشمل لواء العمارة) مشتفة من المندائية وتتكون من كلمتين ( مي سيانة ) أي الارض الطينية وما زالت كلمة ( سيانة ) مستعملة للآن وتعني كل ارض طينية. ويذكر كتاب " حرّان كويتا " أي قلعة حران المندائي قوله ان المندائين لاقوا كثيرا من الاذى قبل يحيى، فجاء النبي يحيى واعادهم بالتعميد الى سابق عبادتهم. ثم يذكر انه بعد يحيى لقى المندائيون من اليهود الكثير من التعذيب والاضطهاد ما يعجز عنه الوصف، فتركوا الاردن والتحقوا بأخوان لهم في ميديا وفي الجهة الغربية من ارض فارس او الفرس المجوس ثم تركوهم وسكنوا ارض السواد وتشمل جنوب العراق وعربستان الحالية وذلك لموافقة مناخها لأجراء طقوس التعميد ولوفرة مادة المأكولات وخاصة الاسماك التي يعتاشون منها من جراء قلة لحوم الاغنام.
بقى الصابئة في تلك المناطق حتى مجيء الاسلام عام 13 هجرية وفتحهم لتلك المناطق فتقدم احد رؤساء دينهم الى القائد العربي واعلمه بدينهم، ولما راجع بعض العلماء الذين يحفظون القرآن ثبت ان اسمهم مذكور في القرآن في ثلاث سور اولها في الآية 62 من سورة البقرة وآية 69 من سورة المائدة والآية 17 من سورة الحج، فآمنهم القائد وجعلهم من اهل الذمة خاصة وأن القرآن اوصى بمعاملة اهل الذمة لأنهم من الموحدين بالخير والسلام وعدم ايذائهم وهكذا بقى الصابئة في تلك المناطق حتى ايامنا هذه.
لم تكن العمارة معروفة ولا قلعة صالح لأن الاولى عرفت عام 1860 وشيد اول بناية في قلعة صالح عام 1865 اذ شيد رئيس الكتيبة التركية التي انفصلت عن الجيش العثماني المتمركز في رأس الحد وهي محل انشطار نهر الكحلاء من دجلة واتجه شرقا حتى وصل قلب مركز عشائر البو محمد الجنوبي الشرقي وتمركز هناك والمحل يقع مقابل مدرسة قلعة صالح الابتدائية للبنين مباشرة الآن. كان رئيس الكتيبة المسمى " صالح العكيلي " فبنى قلعة او جلعة كما نسميها واسكن الجنود الذين معه، وذلك كي يحفظوا الامن ومواصلات النهر من سفن ومراكب من الاعتداء عليها من قبل العشائر. وبعد بناء القلعة للجنود صار الناس من العشائر يذهبون ويعودون وعندما يسأل بعضهم عن بعض فيقول ذهبت او جئت من قلعة صالح. وبعد فترة اجتمع حول الجيش العثماني نفر من المنتفعين وبنوا لهم بيوتا من قصب. وكان قسم كبير من الصابئة يسكن في الزجية والعزير والقورنة شرق قلعة صالح. فهاجر كرسوع وقسم من اقاربه من الزجية والقورنة وسكنوا مع من سكنوا حوالي الجيش وعندما تعرف عليهم قائد الكتيبة وعرفوه بأنفسهم امنهم، واقنع كرسوع بأن يقنع كافة الصابئة ويسكنهم على ساحل دجلة. وكتب لكرسوع حجة واقطعه الارض بين القلعة وساحل دجلة الى المجرية ليوزعها على الصابئة. وهكذا وبعد فترة قصيرة جاء الناس من الصابئة من العشائر ومن الزجية والقورنة خاصة وان جدنا ناشي كان يسكن القورنة. وسكن والدي وعمي مع صابئة قلعة صالح وهم من عشيرة الخميسية التي كان يرأسها في ذلك الوقت سهر والد كزار واعرار وحافظ وارحيم من الخميسية وبعد وفاته انتقلت رئاستها الى كزار ومن ثمة الى سيف المناحي.
اما والدي واخيه وانعاس والد شدود وزوج ابنة عمي مسحونة فقد كنا من عشيرة المسودنية وعشيرة المسودنية فرع من عشيرة المندوية على ما اظن لأنهم يشاركونهم في الاسم او الكنية الدينية فكلانا نلقب به ( كنيانة أي كومة ) أي الملقبين بالسودان. وبعد عام 1865 كبرت قلعة صالح وشيد الناس لهم بيوتا من طين او اكواخا من قصب ووزعت الارض على محلة الصابئيين وزرعوا النخيل خلف بيوتهم واسسوا مراكز لصناعتهم الصياغة والحدادة والنجارة، خاصة وان العشائر بأمس الحاجة الى مثلها. وفي عام 1905 حدثت حرب بين عشائر بني لام برئاسة الشيخ غضبان آل بنية وشيوخ البو محمد برئاسة فالح واخوته عبد الكريم وصيهود وخليفة والد مجيد وشيخ عريبي اليسر وكانت الغلبة لبني لام فدحروا البو محمد في المجر والكحلاء حتى وصلوا حدود قلعة صالح وفي تلك السنة أي عام 1905 ولدت انا على ضفاف نهر الحفيرة مقابل قلعة صالح فأطلق علي والدي اسم غضبان تيمنا بأسم شيخ بني لام.
يتبع
لفصول السابقة:
الفصل الاول