الفصل الثالث
الصابئة في قلعة صالح
لقد اصبحت قلعة صالح من اهم المراكز الاجتماعية للصابئة. واذكر انه في عام 1910 كانت محلة الصابئة من اكبر المحلات تمتد على نهر دجلة مسافة بحوالي كيلو متر، ثم اضيفت اليها بعد عام 1920 محلة اللطلاطة التي تقع على ساحل النهر ايضا وبعد بساتين القلعة من جهة الشمال. وكانت المحلة تتكون من قطرين او سراوين احدهما قد بنيت بيوته على ساحل النهر مباشرة والثاني بعده ومواز له ويفصل بينهما شارع يمتد من الشرق الى الغرب وبعرض حوالي ستة امتار، وخلف الدور الخلفية بساتين النخيل العائدة للصابئة ايضا. وكانت تفصل قسما من البيوت عن بعضها شوارع عرضية، وكل شارع يحتوي في وسطه على نهر صغير يأخذ الماء من دجلة ليسقي البساتين الخلفية وفوق كل منه قنطرة اما من جذوع النخل او من الخشب لتعبر عليها الناس والحيوانات، فأذا ما سرت صباحا في الشارع فأنك لاتسمع الا ضرب مطارق الحدادين اذ كانت الحدادة اهم مورد رزق. وكان الحدادون من الصابئة يعملون المساحي والمناجل والسكاكين والفول ( جمع فاله لصيد السمك ) والمسامير والفؤوس والطُبر (جمع طَبَر ) وغيرها كثير من حاجات الفلاحين والبيوت والمساكن من المواد الحديدية. كان الصابئة مَهرة في صناعاتهم، كانت الحدادة مهنة معظم عشيرة الخميسية من الصابئة، اما النجارة فقط كانت تقتصر على عمل الابلام والمحاريث وكنا ندعو المحراث( فَدان ) وموسم الشتاء خاص بالفدن فنجد مئآت الفلاحين حول والدي وعمي واخي غالب مجتمعين هذا يريد اصلاح فِدنه وذلك يريد عمل فدان جديد. وكانت قيمة الفدان حوالي عشر روبيات بالعملة الهندية. كان كل من والدي وعمي من امهر عملة الفدن. ويوضع لكل فدان في قسمه السفلي" سكة من الحديد لتمكن من شق الارض على شكل الآتي : { يوجد في المخطوطة تخطيط يدوي لشكل الفدن ( المحراث)}.
وتستعمل الثيران للحراثة عادة، وللخيل محراث على شكل آخر. واذا ما انتهى الفرد الصابئي عصرا او مساءا من عمله غسل يديه وصلى واستراح قلييلا للعشاء، وعادة كان يتكون من التمن والروبة او اللبن او الحليب، والبعض كان يأكل الطيور المطبوخة مثل الخضيري والأُم سِكّة ودجاج الماء وابو زلة والبربش رابط او الدجاج لكن الطيور كانت اكثر حظا لأنها تباع على الصابئة بكثرة في فصل الشتاء، اما في الصيف فأنها تهاجر ولم نكن نعرف اين تذهب وتبين لدينا اخيرا انها تهاجر الى العراق وتعيش في منطقة الاهوار شتاءا لدفئها وصلاحها للاكل والمعيشة اما صيفا فأنها تعود الى المناطق الشمالية من اوربا وآسيا لتعيش وتبيض وتفرخ هناك. ولا يقضي الرجل الصابئي اول ليلة في داره فقد وضعوا لهم شبه دستور بين الافراد ليقفوا فيها سهراتهم الليليةوهي الدواوين. فقهوة ليلة السبت في ديوانية فلان وليلة الاحد عند فلان وليلة الاثنين ..وهكذا كل ايام الاسبوع كل ليلة عند شخص. ويقوم صاحب الديوانية بفرشها بالبسط الصوفية والزوالي. ويحضر كمية طيبة من الحطب ويقلي القهوة ويدقها والنار مشتعلة ثم يضعها في دلات مخصصة بعد غلي مائها ثم يصفيها في دلات صغيرة ويسقي منها الحاضرين. ولا تنقضي السهرات بالكلام والقهوة انما هناك من يقوم بقص حكاية طويلة على الحاضرين. ومن اكثر الرواة للسوالف كان المرحومان شيخ رومي الشيخ سام وسيف مناحي كما كان هناك عدد آخر مثل حامي العبود الاخ الاكبر للامي العبود والد عزيز لامي وقبلهم كان خسارة بن كرسوع خال والدي وغيره. وقد تستعاض الحكايات بقراءة قصة مدونة مثل قصة عنتر وسيف بن ذيي يزن وفيروز شاه، او قصص الف ليلة وليلة. وكان قارئهم الشاب عزت بن خنجر المناحي. لذلك كثيرا ما كانوا يبقون الى منتصف الليل ساهرين. كما كانت تحل بعض المشاكل التي تحدث بينهم في امثال هذه الجلسات والاجتماعات.
ولابد ان تشرب القهوة صباحا ولها بيوتها الخاصة من بين افراد الصابئة فقهوة الصباح الفلاني عند فلان وفلان وفلان وهكذا.
لقد كانت ديوانية والدي المنتجع الاخير للشيبة الذين لا ينامون مبكرين فيعيد عمل القهوة ويحرق في المواقد من خشب النجارة الشيء الكثير. واكثرهم اجتماعا كان المرحومين خنجر المناحي وسيف المناحي وحامي العبود وشيخ رومي الشيخ سام وكزار السهر وغيرهم من الشيبة الطيبين الخيرين.
وبالنظر لوجود البساتين خلف الدور فكثيرا ما كنا نسمع بسرقة البيت الفلاني، وحفر حائط البيت الآخر وكسر باب بيت فلان. ولما كان الصابئة صناعا ماهرين في الحدادة والصياغة والنجارة فقد كانت مواردهم اكثر من غيرهم وكثيرا ما كانوا يدفنون اموالهم بعد وضعها في تنكات او اكياس في ارض غرفهم حتى يحافظوا عليها من السرقة. او ان يحفظوها في صناديق كبيرة معمولة من خشب الصندل الاسود ومقفولة بأقفال محكمة ، والتي كانوا يصنعونها بأيديهم واشهر صانع للاقفال من الصابئة كان منيشد بن خلف والد عبد الجبار منشد زوج عليمة بنت ناصر سيف.
وكان من الصابئة اربعة اشتهروا بأعمالهم، فقد كان والدي اشهر نجار وكان سيف المناحي اشهر قاص وكان غالب العزيز اشهر عامل للبنادق وكان الشيخ رومي اشهر مؤمن.
كانت علاقة اهلي بعائلة بيت خنجر المناحي وطيدة جدا. وكنا لانفارق بعضنا البعض وكانت المرحومة لامية بنت ساجت اخت حبيب الساجت كثيرة اللطف معنا فأنها دوما ذات بسمة مرحة وترحيب حار بنا. اما علاقتنا مع بيت سيف فقد كانت اقل. فقد عاش اخي الاكبر جاسب وعزت كأخوين وكان ثالثهما الشيخ عبد الله الشيخ سام. توفي اخي جاسب عام 1918 كما ذكرت بالطاعون وفي العشرينات اصيب عزت الخنجر بالسل وقد ارسلوه الى مصر ولبنان الا انه لم يشفى من المرض وتوفي في منتصف العشرينات وكانت لوفاته رنة الم في نفوسنا جميعا. ولا زلت اتذكر ان كل من عزت وشيخ عبد الله ذهبا الى العمارة لمبايعة الملك فيصل بالملكية نيابة عن الصابئة. كان سفرهم بالمركب لأن بعد الحرب العالمية الاولى رفعت الحكومة البريطانية السكة الحديدية بين العمارة والبصرة ولم نكن نعرف السيارة الا في اوائل العشرينات. وكانت الخيل والزوارق والفلك والمراكب تشكل اهم مصدر للسفر من محل الى آخر.
كانت اعياد الصابئة وخاصة العيد الكبير والذي كان يقع في شهر آب سابقا، ففي هذا العيد والذي يطلق عليه عيد الكرصة كان معظم افراد الصابئة يعودون من اسفارهم خاصة الصاغة منهم، وتبدأ الاعراس والافراح والدفوف. وفي عيد الكرصة الذي تبقى فيه كل عائلة ست وثلاثين ساعة في بيتها لاتخرج الى غيرها. لم نكن نفهم المقصود من هذا العيد سوى انه العيد الكبير. فكانت كل عائلة تهتم بأفرادها فتشتري لهم دشاديش جديدة، وزبنات(جمع زبون او صاية) جديدة واحذية جديدة. ونذبح قبل العيد بيوم خروفا لعمل اللوفاني منه، ونخزن الماء في قدور وطشوت وتودع الحيوانات لدى الجيران من الاسلام لأن لمسها حرام وقبل العصر يذهب معظمنا للغطس بمياه النهر اما للطهارة ام للنظافة. من اكثر اعمال ذلك اليوم وفي اول ليلة ندق القهوة ونخدر الشاي وتبدأ كل عائلة بتقديم ما حضرت لأفرادها من المأكل والمشرب وتبدأ النكات والمسرات حتى الفجر.
وفي نهار اليوم الثاني يصبح الاولاد فيقبلون ايدي اباءهم وامهاتهم، ويبارك افراد العائلة بعضهم بعضا بالقبل والتهاني ثم يذهب الذكور منهم الى الطرايين فيأخذ كل واحد منهم طريانة حيث فيها من الفاكهة واللوز والجوز والرمان وغيرها من المواد ليأكله. ان العيد الكبير هو عيد رأس السنة عند الصابئة وانني اشبه الطرايين وهداياها بهدايا بابا نؤيل عند المسيحيين في عيد رأس السنة.
ويخرج الفرد الصابئي من كرصته في اليوم الثاني ويعايد اباه وامه قبل غيرهم ويقبل اياديهم ثم يعانق اخوته واخواته مهنئا مباركا. وكثير ما كانت النسوة المصابة بنكبة بوفاة احد اقاربها يذهبن مبكرات الى المقبرة باكيات نادبات موتاهن ويعدن بعد الصباح الى الدور.
يخرج ابناء الصابئة مهنين مباركين بعضهم البعض، ويجتمعون عادة في دار الرئيس الروحاني( بيت شيخ سام) فيقرأ لهم الكاهن المختص طالع السنة وما قد يحدث فيها من كتاب ( اسفر ملواشة) وبعد التهنئة والقراءة يذهبون عادة الى دور المنكوبين بوفاة احد اقاربهم ويواسونهم في مصابهم تستمر ايام العيد ثلاثة او اربعة او حتى عشرة مصحوبة بخروج الناس مجتمعين مع الرئيس الروحاني الى كل دار فتوزع على الحاضرين الحلويات من المسقول والباصورك ويسقون الشربت المعمول في طشوت كبيرة ويوزع بالاقداح على شاربيه.
وتصحب ذلك ان فئآت من الشباب ترافق المسيرة فيغني بعضهم ويرقص بعضهم في كل دار. اما الفتيات فلهن دورهن في عصر الايام فيقصدن كل دار بالطبع عدا الدور المنكوبة وهن ينقرن الدفوف ويغنين ويرقصن فقد كانت الاعياد تملأ القلوب بهجة وتفرح الناس وتطربهم. انها حياة مليئة بالحب والبهجة.
ولا زلت اذكر بعد زواجي عام 1930 الصراع الحاد الذي جرى بين البيض من الفتيات والسمراوات حين قالت احدى السمراوات والدف في يدها وحولها الكثيرات المرددات:
البيض بوية البيض حقهن خذنه
اسمر ومكتبلي وهل قشمرنة
فتمسك الدف احدى البيضاوات وترد عليها بقولها:
بره..بره ..ياسودات منتن المرغوب
قصدونه الطيبين وانه تعنه
ان قصة حياتي بين افراد الصابئة تشكل زاوية هامة في حياة الطائفة خاصة وقد كنت اول صابئي تعلم وتخرج بشهادة واول صابئي يعين بصورة رسمية في دوائر الدولة، وكنت اول صابئي الذي تحمل الكثير من الضغط والارهاق في سبيل الصابئة وسأفرد لذلك فصلا خاصا.
العيد الصغير
وبعد حوالي اربعة اشهر من العيد الكبير يأتي العيد الصغير ومدته يوما واحدا. في هذا العيد الذي يعد رمزا للخير والسلام فأن من اهم واجباته هو ان تقدم كل عائلة طعاما لضيوفها او لزائرها والمهنئين بالعيد.
وكثيرا ما تعد كل عائلة صينية كبيرة من الارز ثم تقدم معها انائين كبيرين مملوءتين بالروبة والتمر والمريس ( خبز التمن الخفيف مجروشا بالتمر) والشعث ( التمر المقلي بالزبدة) والعائلات التي لم تتمكن من الحصول على حليب تعمل منه روبة، فأنها قد تذبح دجاجا او طيورا. او ان تذبح خروفا. وعلى كل زائر او مهنيء بالعيد والذي يزور بيتا آخرا عليه ان يأكل ولو لقمة واحدة من غداء البيت المزار. وتجري في هذا العيد المعايدات كالعيد الكبير الا انها لا تستمر اكثر من يوم واحد. وفي نيسان تأتي ايام عيد البنجة او عيد الخليقة ومدته خمسة ايام وتعد الايام الخمسة من اطهر ايام السنة، يجري فيها التعميد لكل فرد صابئي تقريبا وتنحر فيه الخراف لأجراء اللوفاني أي طعام الغفران للموتى والمتوفي في هذه الايام يذهب الى الجنة من دون حساب. والايام هذه كلها طاهرة مع لياليها اذ من المعلوم ان الابن الصابئي لايذبح أي طير او حيوان في الليل لأنه أي الليل وجد للنوم والراحة، وقد يعد الظلام رمز للشر، وعليه فالذبح والتعميد او أي عمل ديني يعد باطل ليلا عدا ايام البنجة والايام الخمسة متساوية في القدسية ولما كانت هذه الايام تعد بمثابة شهر أي انها تكمل ايام السنة والتي عددها (360 ) يوما فتجعل منها (365 ) يوما وتحسب اليومين الاولين ونصف اليوم الثالث على الشهر السابق واليومين والنصف تحسب على الشهر اللاحق وذلك فيما يخص استخراج الملاويش او الاسماء الدينية وقت التعميد.
وفي عام 1918 بدأ خصام بين مؤمني الصابئة، بيت سام من جهة وبيت شيخ زهرون من جهة اخرى. سكنت عائلة بيت شيخ سام قلعة صالح منذ تأسيسها وتتكون العائلة من الرئيس الشيخ سام والذي توفي اثناء الحرب العالمية الاولى في ايران، والكنزفرة شيخ رومي وكل من الترميذة شيخ عبد الله وشيخ فرج. وكانت عائلة بيت شيخ زهرون تتكون من الكنزفرة الشيخ يحيى وكل من شيخ آدم وشيخ نجم وكان ابناء شيخ سام غير المومنين كل من يحيى والد ابراهيم ووهام والد برهان وجليل وزهرون ولدي شيخ زهرون من غير المومنين كل من عمارة وضمد. كانت عائلة بيت زهرون تسكن الزجية جنوب قلعة صالح بعد مجيئها من ايران، وقد صعبت عليها المعيشة بعد انتقال معظم الصابئة الى قلعة صالح. فأرادت ان تنتقل هي ايضا الى قلعة صالح، الا ان الامر صعب على بيت شيخ سام خاصة وقد كانت لهم الحضوة عند الحكومة البريطانية ويساندهم عدد من افراد طائفة الصابئة في نفس الجلعة. اما بيت شيخ زهرون فقد كان يساندهم سيف مناحي لأن شيخ يحيى متزوجا من دوخة ابنة سيف الكبرى من زوجته الاولى. ومن المعلوم ان سيف كان كبير الخميسية لذلك فمعظم الخميسية كانوا من جهته. وقفت عائلة بيت شيخ سام في وجه انتقال بيت زهرون الى نفس مدينة القلعة ورجوهم ان يعيشوا في المجر وفيها من الصابئة اكثر او بقدر ما في قلعة صالح خاصة وليس لديهم مومن ومن ثم ان الشيخ ادم متزوج من اخت رابع من عشيرة المسودنية في المجر ورابع ابن عم شلتاغ كما ذكرنا.
لم يقتنعوا بهذا الرأي وتقدم الشيخ رومي بطلب الى حاكم قلعة صالح راجيا منه حل المشكلة، وبعد اخذ ورد وانقسام وتصدع بين صابئة قلعة صالح قسم يؤيد عائلة بيت شيخ سام وقسم يؤيد عائلة بيت شيخ زهرون الى ان قررت الحكومة اخيرا ان تجبر بيت شيخ زهرون بسكن المجر. وبعد سنة من ذلك اعادوا الكرة فصارت مقابلة جديدة في مدينة العمارة اقر فيها الحاكم السياسي حرية السكن لكل فرد، فتركوا المجر وجاءوا الى قلعة صالح واشتروا قسما من اراضي اللطلاطة وبنوا بيوتهم فيها واسسوا لهم مندي فيها وقد دفن المرحوم الشيخ يحيى في المندي المذكور ولازال قبره فيه الى يومنا هذا.
اما شيخ رومي فقد توفي عام 1948 في بغداد ودفن في بستان يقع غرب الجسر الحديدي الحالي وقد بني هذا البستان وكون محلة..... الحالية.
كان والدي رومي العكلة من انصار بيت شيخ سام لأنه قد تزوج والدتي وهي ابنة اخ شيخ سام. كما زوج اخته الى احد افراد عائلة بيت كطان، وهؤلاء اولاد عم بيت شيخ سام كما ان الشيخ عبد الله كان قد تزوج اختي الكبرى وعليه فقد كان ميلانه الى عائلة بيت شيخ سام كثيرا جدا هو وكل اقاربه وكانت خميسية البو سعد وهم عائلة بيت بادي المجدي وعائلة بيت حبيب الساجت وعائلة بيت سليم جد عيسى باشاغا مع بيت شيخ سام ايضا. بقيت هذه الفرقة مستمرة الى ما بعد عام 1928 لم تكن فرقة كره وبغض الا انه كانت فرقة دورة وجه كما يسمونها فعلى الرغم من زيارة ابنائنا بعضهم للبعض وسلام بعضهم على بعض احيانا ومع كل ذلك فقد كانت مصحوبة بتأثر ومشحونة بألم الكلام والمقابلات الحكومية الحادة . واظن ان السبب الرئيسي كان من جهة اعادة ورئاسة الطائفة وبعد ثلاثة او اربعة اعوام اندمل الجرح والتأم الشمل ولو ان اثر المشاحنات السابقة لم يندمل تماما.
عدت من دار المعلمين الابتدائية عام 1923 بعد نجاحي في الدراسة وعينت في 1/9/1923 معلما في مدرسة قلعة صالح الابتدائية براتب قدره (150 ) روبية.
كان وباء الكوليرة منتشرا في لواء العمارة في تلك السنة وقد اغلقت المدرسة بأمر الصحة حتى بداية شهر 1/11/1923 حيث خف المرض وامر الطبيب بفتح المدرسة، لم يدفع لي مدير مال قلعة صالح راتبي لشهري ايلول وتشرين وهما الشهران اللذان كانت المدرسة مغلقة فيهما من جراء المرض وعند سؤالي مدير مال القضاء عن السبب اجاب بأن الامر يقول من تأريخ مباشرتك بالعمل وبما ان المدرسة مغلقة وعلى هذا الاساس فأنك لم تباشر.
قدمت طلبا الى مدير معارف البصرة لأن مديرية معارف البصرة وتشمل الوية العمارة والبصرة والمنتفك الى الناصرية وبعد فترة جاء الجواب الى قائمقام القلعة يعجب من عدم اعطائي رواتبي. قال فيه ان المدرسة لم تكن مغلقة بسبب العطلة انما هي مغلقة بأمر الصحة ولما كان الموما له غضبان رومي حاضرا في بدأ المدرسة وعليه فهو يعتبر مداوم ونرجو دفع رواتبه اليه.
ذهبت لأستلام رواتب شهري ايلول وتشرين وجئت بمبلغ ثلثماية روبية سكة فضية في كيفية. وبطريقي وحين وصلت الى امام دار رشود البادي مختار الصابئة انئذ وقفت قليلا وبدلا من ان اذهب الى اهلي براتبي قرعت باب بيت رشود فخرج الرجل صائحا اهلا وسهلا، فدخلت الدار ورجوته ان يذهب معي الى سلمان اليهودي لنفك خشل النساء المرهون بكفالة عند سلمان المذكور ، والذي راجعت بعض النسوة والدتي طالبات منها سلعهن الذهبية المرهونة، ذهبنا كلينا وعدت وفي منديلي الخشول المرهونة بدلا من رواتبي. وحين دخلت البيت ظهرا صحت لوالدتي وقلت لها هذه رواتبي يا اماه اعطيك اياها فتقدمت فرحة وحين شاهدت الذهب اضطربت وبهتت من المفاجأة، ثم التفتت اليّ قائلة ماذا فعلت يا ابني؟ فأجبتها بما قمت به. انكرت عليّ الامر ولم تستحسنه قائلة:
- انني اهنئك اولا على رواتبك الا انني لا اوافق على ما قمت به خاصة وهما راتباك الاولين، كان يجب ان تفرح بهما.
فأجبتها بأن فرحة والدتي من جراء مطالبة النساء لها يجب ان تكون قبل فرحتي. وهكذا استدعت والدتي النساء القريبات واعطت لكل واحدة منهن مصوغاتها الذهبية. اعود لأبين اسباب الرهن.
كان اخي عسكر من الشخصيات البارزة في قلعة صالح قولا وكرما ومركزا اجتماعيا فقد كان انئذ عضوا في مجلس ادارة البلدة وكان مركزه بارزا في البلدة بين الاسلام والصابئة. كان يلتزم من الحكومة اما العبور والمعيبرات او خمس السمك او خمس البواري والقصب والبردي. كان كل الزام يكلف ما لايقل عن عشرة الآف روبية، وكثيرا ما كانت صفقاته بالازام خاسرة فلا تمر سنة الا وهو يخسر الف او الفين روبية لذلك فقد كان كل ما يحصله والدي او اخوتي يذهب تسديدا لخسائر عسكر. واذكر انه في احد السنين اشترينا طابوقا لنبني به دارنا والتزم عسكر السمك فخسر واجبرته الظروف بأن يبني مستوصف قلعة صالح بمبلغ حوالي ثلثمائة روبية مع نقل كل الطابوق المعد للبناء ليبني به المستوصف، وذلك كي يتوقف القائم مقام عن بيع دارنا المرهونة لدى الحكومة في سبيل ذلك الالتزام. ولما كان المبلغ لا يسد مجموع الدين فقد قمنا برهن راتبي لمدة سنة كاملة عند حسقيل بن مسعودة وهو اليهودي المرابي ليسد عوضا عن عسكر مقدار الدين الباقي عليه. وعلى هذا فقد بقيت سنة كاملة اوقع على قائمة الراتب ومدير المال يدفعه الى ابن مسعودة دون ان المسه. وهكذا كان ما يحصل عليه والدي، كما انه يأخذ ما يحصله الاقارب كالمرحوم ابي سميع عمي وغيره.
لقد اشتغل المرحوم اخي عسكر بالبزازة أي تجارة الاقمشة ولم يوفق ايضا ثم اشتغل ببيع الحنطة والشعير ومواد المعيشة الآخرى كالطحين، ولم يوفق احيانا وذلك لأنه كان يعطي الناس بالدين وبيع الدين كله خسارة لأن بعضهم يدفع دينه وبعضهم لا. وكان يفعل ذلك في البزازة ايضا.
لقد كان طيب القلب الى منتهى الطيبة. لقد تزوجت قبله اذ تزوج عام 1932 من شيشة بنت ثامر عم فندي الفعل من العمارة، فولدت له رديف (توفي) وشكرية وحكمت عام 1936 . وفي عام 1937 توفي الى رحمة ربه بعد اصابته بذات الجنب الحاد والذي انقلب الى مرض السل. وقد ارسلناه الى مستشفى المجيدية في بغداد وعالجه الدكتور سندرسن كثيرا، الا انه لم يتمكن من شفائه. وفيما كنت اعد المبالغ لأرساله الى لبنان وقد كنت انئذ مديرا لأحدى المدارس في العمارة اذ وصلني تلفونا يقولون فيه بأن اخي عسكر بحالة خطرة فماذا نفعل؟ طلبت منهم ارساله بالقطار في الدرجة الثانية وارسال شيخ فرج معه خوفا على وفاته في القطار.
عاد فوصل البصرة واركبناه في سيارة تعقبها عدة سيارات واخذناه الى قلعة صالح. وبقى فيها حوالي الاسبوعين ثم توفى الى رحمة ربه. لقد كان لوفاته رنة اسف وحزن عميقين في نفوس الصابئة اولا واهل قلعة صالح قاطبة ثانيا. وكانت ايام فاتحته تعد من اشهر فواتح المتوفين. وقد القى فيها عدد من الشعراء القصائد وكلمات النثر وكلها تذكر هذا الشخص بالخير وطلب الرحمة من الخالق وقد جمعت كلها وكتبت في دفتر اعطيته الى ولده حكمت. وحكمت استاذ حاليا في كلية الزراعة في جامعة بغداد، وقد حصل على الدكتوراه من امريكا في الزراعة. وقصة حصول حكمة على شهادة الدكتوراه تعد من الفصول الممتعة ان قدرت ان اكتبها في مذكراتي هذه.
بدأت الدراسة في مدرسة قلعة صالح الابتدائية وقد اخذت معظم دروس الصف السادس اذ كانت لي نحو ثمانية عشر حصة اواكثر فيه، اخذت الانكليزي والرياضيات والجغرافية، اما بقية الدروس فأعطيت الى غيري من المعلمين. كان مدير المدرسة ضابطا في الجيش التركي مصاب بمرض السل، قصير القامة نحيف كانت امه قريبة الى عائلة الحاج علي البهار " وهو تاجر ومن متنفذي البلدة سني العبادة من الدين الاسلامي" وقد كان طيب القلب الى حد ما وكانت له ثلاث بنات ( لمعان، نبيلة، ومليحة) وقد التحقت البنتان الاخيرتان في المدرسة مع الاولاد لصغر سنهما ولعدم وجود مدرسة للبنات. كانت المعلومات التي تعطى للطلاب لاتستند على اصول معينة وكانت المناهج مثقلة بالمعلومات وليس هناك كتب جاهزة، فقد كانت تأتينا الكتب كل الكتب وفي مختلف الدروس من مصر، أي اننا كنا نتبع نفس الدروس المصرية، ولما كانت مصر قد سبقتنا بمراحل طويلة وفيها من الاخصائيين والباحثين والمفتشين والاختصاصين العدد الكبير وقد وضعوا مناهجهم طبقا لتقدمهم وتطورهم الحضاري وعليه فقد تقدموا وسبقونا كما وكيفا اما نحن الذين قفزنا لنشاركهم في مراحل التعليم ففيه من الصعوبات الكثيرة خاصة وليس لدينا من المعلمين الاكفاء والذين لديهم الاستعداد العلمي لأعطاء المعلومات الصحيحة الكافية. وما زلت اتذكر بعض المعلومات فمثلا ان احد اخواني المعلمين يذكر لطلابه ان الزكام والمخاط الناتج منه يأتيه من المخ. وآخر كان لايفرق بين معنى الكلمة الاصلية فقد ورد في احد ان اخطأ الطابع فطبع قلز ( بالقاف) بدلا من فلز ( بالفاء) فبدأ يدرس الطلاب بقوله هذا قلز وذاك لا قلز بدلا من فلز ولا فلز. وآخر يدرسهم التأريخ بعد ان كان قد وضع كتابا تركيا امامه يترجم منه المعلومات الى العربية. وبالطبع كان الدرس كله يقضي بالتكتيب، معتقدا انه مازال يكتبهم المعلومات بالعربية وقد فهم طلابه كل شيء، مع العلم والاسف ان معظم الطلاب قد لايكتبون املاء الكلمات صحيحة او قد لايسجلها معظمها على نسق ما يلقيه المعلم فتأتي معلوماتهم مشوشة كثيرة الغلط متفقة مع قدرة الطالب بالدروس العربية الآخرى.
ان التكتيب كان شائعا وكان من اهم وسائل التعليم لقلة الكتب الواردة الينا من مصر. وما زلت اذكر حينما كنت تلميذا في المدرسة ان المعلم اعطانا واجبا وهو ان نكتب الارقام من الواحد الى المليون استسهلنا الامر اولا وحين وجدنا بعد ان كتبنا من الواحد الى الالف رقما بعد آخر نقضي فيه مدة، راجعنا معلمنا على صعوبة الامر فقال لابأس اكتبوها على طريقة الخمسات أي 5،10،15 ولازلت اتذكر اني حين وصلت الى مائة الف كان ذلك قد اقتضى مني اكثر من شهر.
كانت الحركة الكشفية قد نشطت وارتدى الطلاب ملابس الكشافة ويغطون رؤسهم بالكوفية الزيتونية مع العقال الزيتوني ايضا. وبدأت التفكيرات عام 1923 ببناء مدرسة قلعة صالح الجديدة والواقعة على ساحل دجلة وفي عام 1924 بدأ البناء واكملت في نفس السنة، وجلب لها سياج حديدي وهو سياجها الحاضر من انكلترة ولم يكن الشارع الخلفي لها قد فتح اذ كانت من جهتها الخلفية محاطة بعدة بيوت وقد فتح الشارع في الاربعينات على ما اعلم وانا لست متأكدا تماما من تأريخ ذلك بالضبط.
كانت نتائج الدراسة غير مرضية تماما لأن التعليم فيها كان حشد المعلومات وتكتيبها للطلاب وليس دراسة او مناقشة او فهما ، لأن المعلم يكتفي بمناقشة طالب واحد في الصف. وحين يرى انه فهم يظن ان كل طلابه قد فهموا المادة مثله. فكانت النتائج في امتحانات البكلوريا للسادس كثيرا ما تأتي غير مشجعة. ولابد من القول ان نوعية التعليم بدأت تتحسن كلما كانت هيئآت التعليم قد تحسنت وكلما كان مدراء المدارس الابتدائية كانوا من طبقات التعليم الجيدة، ومن خريجي دار المعلمين. واذكر ان من خيرة المدراء الاخ ابراهيم محمود المبارك من ابي الخصيب. كما بدأت الكتب تطبع في بغداد وترسل كثيرا من وسائل الايضاح الى المدارس، كما كانت تجري اجتماعات ومناقشات كثيرة ثم اخيرا صار لكل لواء مديرية معارف ومن خيرة مدراء المعارف السيد خالد الهاشمي والسيد حسن الحسني الذين اشغلوا مديرية معارف العمارة بعد انفصالها عن البصرة. ومن اكثر مدراء المعارف جمودا وتمسكا بالروتين السيد عبد الرزاق ابراهيم واكثرهم عبثا وفسادا كان السيد ج. ر. اذ كان مقامرا. ومن الاحداث المؤسفة التي ما زالت عالقة في اذني ان السيد ج. ر. كان قد سحب مبلغ خمسمائة دينار من مخصصات تعمير اثاث المدارس الا انه اخذها وصرفها في ليلة لعب قمار، ولما انتقل جمع مدراء المدارس ومحاسب المعارف السيد ولي محمد وطلب منهم ان يوقعوا وصولات بتعمير اثاث مدارسهم موقعا عليها من قبل المقاول السيد لطيف العاني وكأن المبلغ قد وزع على ادارة مدارس المركز كاملا. ولما كنت مديرا لمدرسة السلام الابتدائية انكرت على السيد ولي هذه العملية ورفضت التوقيع على مبلغ اربعين دينارا تصليح اثاث المدرسة كذبا وبطلانا وتركت الجلسة وخرجت.
وفوق كل ذلك فقد كان التلاعب شديدا بأرباح الحوانيت المدرسية، وبريع الروايات التمثيلية ومبالغ بناء او ترميم المدارس. كانت المسألة اشبه بالفرهود من قبل المحاسب ومديري المعارف الذين فرهدوا بدون ذمة وبغير وجدان. ولن انسى قصة البقرة التي شريت بأربعين دينارا من احد الصابئة لمدرسة العزير لجعلها نموذجا للتعليم المهني الزراعي والدجني ثم سحبت من العزير وبيعت الى مدرسة الكحلاء على ان ندفع فلوسها من موارد الحديقة البستانية المزرعية لمدرسة الكحلاء، ثم وبعد فترة اشتريت منهم ونقلت الى مدرسة الدبيسات. وبعد انتهاء مدة الحليب بيعت بخمسين دينارا او اكثر وكتب عنها تقريرا على انها ماتت وقدم جلد بقرة على انه جلدها للبيع. وهكذا مع مدجن الدجاج في تلك المدرسة الذي كان يقسم بيض الدجاج الى المسؤلين من المعارف ثم يؤكل الدجاج بعد انتهاء بيضه على انه قد اصيب بمرض ومات. لقد كان من المؤسف حقا ان يكون التلاعب بأموال ومخصصات المدارس وبناء المدارس الى درجة يشمئز منها كل مخلص. لقد كلفت عام 1932 ان اكون مشرفا على بناء مدرسة قلعة صالح للبنات بعد فتحها ومن المؤلم جدا ان اكتشف كيف ان بعض الايدي الخبيثة ارادت ان تستغلني لتسرق من اموال البناية في الطابوق والعمال والعمل ولو لم اقف وقفة مخلص لتفرهدت الكثير من المخصصات.
ولم يسلم هذا الاخلاص الذي لايتفق مع نفوس المسؤلين من اللوم والعقبات والتهديدات ولقد وصل الحد بيني وبين جميل رؤف ومن بعده ناجي يوسف الى اتهامي بالشيوعية وفصلي من التعليم مع العلم وهذه اقولها بأمانة واخلاص بأني لم اكن منتميا لأي حزب سياسي، لأن اتجاهي وهدفي كان محصورا في التعليم وفي الكتابة في الصحف البغدادية عما يعانيه الفلاحون من ظلم وبطش مع العلم بأن كثر الكتابات كانت بأسماء مستعارة الا ان معظمها كان يعرف بأنها صادرة مني او ان بعضها ولو كان من غيري كالاستاذ شاكر علي التكريتي او من غيره الا انها كانت توجه لي وذلك كي يتخلصون مني ويعطون ادارة المدرسة البسيطة التافهة الى غيري من المنتفعين منهم في اعمالهم الباطلة خلقيا وماليا. واعتقد الى حد ما ان مديرية معارف العمارة كانت بؤرة شر وفساد الى حد ما اكثر مما هي اشعاع وثقافة للعماريين.
يتبع
الاجزاء السابقة
الجزء الاول 
الجزء الثاني