الفصل الرابع
اترك موضوع التعليم واعود الى نفسي وانا في قلعة صالح وبين افراد الصابئة. لقد التحق بالتعليم بعدي الاخ ابراهيم يحيى وفي عام 1928 نقلت الى العمارة وحل محلي الاخ فرحان سيف. وقد عين بعض المعلمين في الناصرية منهم سلم ضمد وزبون الشيخ دخيل. وبدأت الاحوال تتحسن، وقبل ذلك اعود قليلا الى الوراء لأن في هذه الذكريات تكويناً خاصاً لحياتي.
في يوم من عام 1925عدت مساءً من المدرسة، ودخلت غرفتي اذ كان لي غرفة خاصة من الطين تقع في اول بيت رومي كانت تحتوي على باب خشبي وشباك صغير لا يبلغ ارتفاعه اكثر من متر ولايزيد عرضه على نصف متر. اشعلت فانوس غرفتي وبدأت ابدل ملابسي ولم اشعر الا ودخلت عليّ امرأة كبيرة السن اسمها عامرية وهي قريبة لامي العبود ولها صلة قربى بكثير من العوائل. وبعد ان جلست وضحكت معي وحكينا انا وهي كثيرا، دنت مني وقالت " يا خالة انا موفدة لك بمهمة لصالحك " فقلت "خيرا انشاء الله وانت ياخالة امرأة البركة والاسرار الصالحة" اجابت ارجو ان يكون الحديث سرا بيني وبينك على ان تعطيني الجواب الصحيح" فقلت انشاء الله لايكون الا خير..
فبدأت تقول " تعلم يا غضبان ان سيف المناحي كان قد اعطى ابنته غريبة الى صالح (ابن اخيه صالح الكدوم) منذ ولادتها ولما يزل هو متمسكا بهذا الوعد بالرغم من ان ابنته مازالت في السنة العاشرة من عمرها، الا ان والدتها وهي خالتك (حجيّه) ونصرة اخت غريبة بنت سيف والتي لم توفق في زواجها من خزعل بن سندال من الاهواز لم يعجبها هذا الاصرار من والدها على تزويج غريبة من صالح. وقد ارسلتني الام و ابنتها لمعرفة رأيك فيما اذا بذلن كل جهد لأبطال هذا الاتجاه وتزويجك منها".
وقفت حائرا وذلك لما وصل اليه الحد من الجفاء بين عائلتينا من جراء الانقسام الحاصل بينهما بسبب الخلاف بين رجال الدين الذي اوضحت سابقاً اي بين بيت شيخ زهرون وبيت شيخ سام، وكانت كل عائلة منهما مع طرف يخاصم الطرف الآخر. وانا اشعر ان هذا الخصام قد انقلب الى كراهية بين ابوينا. الا ان صلات القربى بين النساء كانت قوية فوالدتي ووالدي يقربان من صلة بعيدة من النساء الى ام ناصر والدة غريبة. ومع كل ذلك فقد استمهلت عامرية يوماً او يومين حتى استشير واعرف طريقي الصحيح. ثم قبلتني وخرجت.
وبعد خروجها ذهبت الى والدتي وعرضت عليها الامر وشرحت لها ما طلب مني ورجوتها رأيها في الموضوع. فكرت امي قليلا ثم قالت" انها من اسعد ما اتمناه ياكحلة عيني" وفي اليوم الثاني مررت على الخالة واخبرتها بالموافقة وابلغتها ان في الامر صعوبة. فقالت قد يذلل الله ما قد يلاقيه كلاكما. وبعد يوم مررت على خالتي ام ناصر ودخلت الدار وكانت ام جبوري نصرة ابنتها بالقرب منها، فأستقبلتني بالبسمة والفرح. جلست قليلا ثم ابتسمت نصرة وقالت " الجلب اللي عضك طردناه" وهذه الجملة تعني انه لايوجد مانع من دخولك الى البيت.
وبعد عدة ايام شعر والدها انني بدأت اكثر من الدخول وقد شك ان يكون في الامر سبب، فبدأ يراقبني ويراقب بيته وسأل ام ناصر عن سبب دخولي فأنكرت بأنها تعرف شيئا. وكثرة دخولي الى بيتهم سببت توجيه بعض النساء السؤال لي عن هذه العلاقة وهذه المحبة خاصة وان والدينا متخاصمان وبدأ المرحوم سيف بمراقبتي مراقبة دقيقة وتوجيه بعض النصح الى افراد عائلته.
لم تكن غريبة كبيرة لتشعر بالحب او حتى وانها لم تعرف الا فيما بعد انها كانت السبب في تلك الزيارات فكانت تضحك في وجهي احيانا وترحب بي. ولما شعر سيف بأستفحال الامر وان غايتي كانت الزواج من ابنته فقد بدأ بمضايقتي بكلمات نابية واذا ما دخلت ديوانيتهم لا يرحب بي ويستثقلني ويدمدم بكلمات يفهم منها عدم الترحيب، وكلما كبر الامر كلما اتسعت دائرة المضايقات، وتستمر السنوات وشعر الاخوة بذلك ولم يقف الى جانبي ولو قليلا الا عبد الجبار اما بقية الاخوة فكانوا ضدي خاصة فرحان . وبدأ كبير العائلة يعتدي على زوجته وابنته الكبيرة بالضرب والسب والشتم وبدأت اقلل من دخولي اليهم، حتى كنت اضطر في كثير من الاحيان ان امر من خلف دارهم كي لايشعر او يعتدي على الوالدة الكبيرة الطيبة القلب وعلى نصرة.
بدأت اشعر بوطأة الحب على قلبي فقد منعوا عني حتى رؤيتها فكانوا يراقبونها حتى اذا خرجت بمحاذاة النهر، وفي خروجها بعض الاماسي راحة لي لأنني اراها ولو من بعيد. بقيت في حيرة هل اترك الامر واتزوج من غيرها واقطع هذه الصلة او ان احتمل ما يوجه لي من كلام ناقص في احيان كثيرة كما اسمع ما تناله والدتها واختها من الضرب والاهانة. واخيرا قررت في نفسي انه من العار ان اتركها ووالدتها واختها في آلامهن وفي ما انتشر بين الناس من لغط وكلام عن حبي لها.
لقد عرف الناس الامر وانتشر بينهم وحتى بين الناس الغرباء في العمارة وفي المجر بالاضافة الى قلعة صالح. ويتقدم كثير من الناس الى سيف طالبين رضاه فلم يوافق اطلاقا. وفي احدى هذه المرات تقدم القائممقام عبد الرزاق عدوة وذهب في احد ايام الاعياد الى دار بيت سيف لمعايدتهم كما كانت عادة بعض الحكام في زيارة دار بيت سام ودار رومي ودار سيف ودار بادي المجدي. واثناء الزيارة طلب القائممقام من سيف ان يلاعبه شطرنج ويطلب الغالب ما يريد من صاحبه. فأتفقا على ذلك واحضر الشطرنج والديوانية مليئة بالناس. وبعد حوالي ساعة كانت الغلبة للقائممقام فقال له سيف والآن انا حاضر لتنفيذ كل ما تطلب، فضحك القائممقام امام الحاضرين وقال له ان طلبي بسيط جدا وهو انني خاطب ابنتك لأعز اصدقائي وهو غضبان. فأرتعش الرجل وضحك ثم قال لو طلبت مني ان اهدم بيتي لهدمته، اما هذا الطلب فأمره مستحيل خاصة وانا اعطيت هذه الابنة الى ابن عمها منذ ولادتها وابن العم اقدم من غيره في الناموس العربي، والشيمة العربية والتقاليد العربية والاصول العربية كلها تجعل من ابن العم احق من غيره وعلى هذا فالامر مستحيل علي وارجو المعذرة. انزعج القائممقام مبدئيا من الامر ولم يكن يعلم ان الامر قد يصل الى هذا الحد من العصبية والحدة. وحين وصل الى دارنا للمعايدة قص علينا القصة فأستغربنا لهذا العناد. وطلب مني والدي ان اترك الامر فبنات الصابئة كثيرات تتمنى كل واحدة ان اطلب يدها، الا انني رفضت ان اخطب اية فتاة اخرى . وفي عام 1928 انتقلت الى العمارة وخفت غلواء وحدة الكلام، وقد رافقتني في انتقالي والدتي رحمها الله. واجرنا دارا تجاور بيت فندي الفعل وكانت الدار ملكه.
وفي عام 1929 جاءني والدي رحمه الله مريضا يشكو من انحصار البول فذهب الى الطبيب شاكر السويدي الذي كان رئيسا للصحة، فادخل شاكر قضيبا من الزجاج في مجرى البول وبدا كانه قد احدث فيه جرحا وبدأ الوالد يبول دما الامر الذي حط من قواه وشعرنا بضعفه وتنازله يوما بعد آخر فأجرت سيارة ونقلته مع الوالدة الى قلعة صالح وفي 26 كانون الثاني من عام 1929 ذهب الى رحمة ربه. كان الجو غائما ممطرا وفي يوم نقل الجنازة اصبح الجو طيبا وطلعت الشمس فسهلت مشكلة الدفن وبعد الفاتحة عدت الى العمارة.
وفي منتصف 1929 عدت نقلا الى قلعة صالح وانتقل فرحان الذي عين معلما في قلعة صالح عام 1928 الى العمارة. وفي عام 1931 ترك فرحان التعليم والتحق بالاعدادية المركزية وينجح في الامتحان النهائي فيها. وفي عام 1932 التحق بالكلية الطبية وكانت الدراسة فيها اربع سنوات بعد الثانوية. وكان والده متألما جدا لهذه العملية، اذ كان يقول كيف يترك راتبه خلال خمسة سنوات؟ ثم يحسب مقدار راتبه خلال المدة كلها ويقول يترك ذلك كله ويلتحق بشيء غير ثابت النجاح.
اما عن قصة زواجي ففي عام 1930 بدأ المرحوم سيف يخفف من غلوائه وليتخلص من كلام الناس ويقطع دابر الحاح واصرار عائلته واستجابةً لرغبة بعض من افراد اسرته، امر يدعو اخي عسكر ويعرض عليه انه قطعا لدابر الكلام فهو موافق على الزواج بشرط ان ندفع مهرا لها مائتي ليرة رشادية ذهبية. وكان يقصد من شرطه هذا اننا حتما سنرفض الطلب لأن المهر الشائع في ذلك الوقت كان 25 ليرة اما طلبه لهذا المبلغ فقد كان يعني اسكاتنا ورفض طلبنا. الا ان اخي عسكر اجابه هو وشيخ عبد الله قائلاً: ما اسهل ما تطلب والمبلغ حاضر فهل تريد ان اجمع الناس للخطبة غدا ؟ قال نعم. وهكذا تمت الخطوبة على مبلغ مائتي ليرة ذهب. وبعد الخطوبة بثلاثة اشهر تم الزواج في يوم 24 من شهر تشرين الثاني من عام 1930 وقد ظهر لدي انه مع كل ذلك فقد كان غير راضي قلبيا. وبعد تسعة اشهر ولدت غريبة ابنتها الاولى المسماة رباب توفيت بعد ثمانية اشهر من عمرها. ثم ولدت نزار توفي ايضا على اثر اما انسداس في امعائه او صغر بوابة مدخل المعدة المسمى بالفؤاد حيث توفي بعد ستة اشهر. وفي 20 من كانون الاول عام 1933 ولد يحيى في بيت جده في قلعة صالح. وكنت وقتئذ في ملحق ثانوية العمارة ادرس اللغة الانكليزية وفي عام 1934 انتقلت الى البصرة وعينت في مدرسة الشعلة الابتدائية. ثم نقلت الى مدرسة العشار الابتدائية. ومنها في عام 1937 عدت الى العمارة مديرا لمدرسة الفيصلية الابتدائية.
وقد حدث في عام 1930 حين عدت الى مدرسة قلعة صالح الابتدائية وقتها كان العراق تحت السيطرة البريطانية، وكان الملك فيصل الاول يعاني الضيق والارهاق من السياسة البريطانية خاصة مشاكل امتيازات النفط وادارة شؤون البلاد السياسية، تم الاتفاق بين العراق من جهة وبريطانيا من جهة اخرى على دخول العراق عصبة الامم ( وهي الهيئة الدولية التي كانت تضع الحلول لكثير من مشاكل العالم بعد الحرب العالمية الاولى).
كانت المسسز دراور وهي زوجة المستشار القانوني لوزارة العدل انذاك وكانت يهودية الا انها متزوجة من مسيحي، كانت تدرس وتبحث في ديانة الصابئة واصولها وتاريخها ومعتقداتها. وقد تعلمت اللغة المندائية. كما انها تعرف اللغة العبرانية جيدا، الامر الذي سهل لها دراسة جديةومستمرة عن الصابئة والصابئين. وفي عام 1930 جاءت الى قلعة صالح لأسباب الدراسة الظاهرية اولا والمبطنة ثانيا. وفي احد الايام جمعت رؤساء افخاذ الصابئة مع كبار السن منهم في دار بيت شيخ سام. وقد دعيت معهم. وبعد استراحة قصيرة قالت:
- جمعتكم الآن لأنني احب ان اعاونكم. انتم تعلمون ان العراق على وشك دخول عصبة الامم ومن الامور الضرورية ان تكون للصابئة حقوق معروفة وثابتة ويذكر اسمهم في الدستور. وهذا لايتم الا حين يقدم الصابئة عريضة الى عصبة الامم بذلك. لقد احضرت العريضة معي ( ثم اخرجتها من حقيبتها وفتحتها) وما عليكم الا توقيعها.
التفت الحاضرون وهم اكثر من ثلاثين شخصا، الى بعضهم البعض ولم يتكلم فرد منهم. ثم التفتت المسسز دراور اليّ وقالت " وانت ياشيخ غضبان ما هو رأيك"
ولما رأيت انهم سكوت قلت" عاش الصابئة منذ الوف السنين في هذه البلاد ولم يتدخلوا في شؤون الدولة او شؤون الحكم وعاملنا المسلمون والعرب معاملة طيبة ولم يتدخلوا في شؤوننا الدينية او يعارضوا معتقداتنا وقد نلنا منهم الحماية والرعاية الكافيتين وعليه فأنني ارى ان من الضروري في ساعة محنة العراق هذه الا نقف ضده، لأن في ذلك نكرانا للاحسان والاخوة والجنس الذي نرتبط به معهم. ومع ذلك فالحاضرون اكبر مني سنا واكثر علما واعمق دراية بالامور وهم اقدر مني على ابداء ارائهم بصراحة وامانة لفائدتهم ولفائدة ابناء الطائفة". ثم سكت.
وعلى اثر ذلك قام سيف المناحي واتفق معي في الرأيي كما تكلم الشيخ رومي بصفته رئيس الطائفة وايدني ايضا . وعلى اثر ذلك طوت المسسز دراور عريضتها وقالت" الامور مودعة لديكم فأذا كنتم لا توافقون على تقديمها فالامر يعود لكم. وعلى اثر ذلك انفض الاجتماع وسافرت هي الى العمارة وشكتني لدى مدير معارف العمارة وكان وقتئذ السيد خالد الهاشمي. وعندما سافرت بعد فترة الى العمارة وواجهت السيد خالد لبعض الشؤون اخبرني بأن المسز دراور قد اشتكت عليٌ لاني و قفت في سبيل دراستها عن الديانة الصابئية. فشرحت الامر له موضحاً كيف انها جاءت بعريضة شكوى ضد الحكومة العراقية وتريد تقديمها الى عصبة الامم. فأستغرب كل الاستغراب من فحوى ادعائها السابق وما بينته انا له.
كانت قلعة صالح من مراكز الاشعاع الديني لطائفة الصابئة الذين بدأوا يهاجرون منها الى بغداد خاصة. وذلك لأن مدينة بغداد كانت من اهم المصادر لمهنة الصياغة خاصة وان الانكليز والاجانب كانوا يعجبون بالسلع الفضية التي ينتجها الصابئة و التي كانوا ينقشون عليها صورا من صور العراق كقبة العزير وطاق كسرى والنخل والقفف ومناظر عراقية اخرى ينقشونها بأقلام حديدية على الفضة ثم يملأونها بالميناء( مادة معدنية سوداء) فينتج من بعد ذلك مناظر غاية في الروعة منقوشة على علب السكاير او الصحون او علب الشخاط او دلال القهوة والقواري وكافة سلع الاكل من ملاعق وشوك وسكاكين ومزهريات. وكانت عائلة زهرون في العمارة من امهر الصاغة في هذه المادة. وقد اهدى زهرون بن ملا خضر علبة فضية نقش على وجهها صورة الملكة فكتوريا وقدمها هدية لها، فجاءه كتاب توصية الى كافة السفارات والقناصل برعاية هذه الطائفة ورعاية عائلة زهرون وتسهيل كل امور طلباتها والمكتوب على ما اظن ما زال محفوظا لدى ورثة زهرون. ومن اشهر الصاغة الذين اشتهروا بالنقش على الفضة حسني بن زهرون وعبدالله يحيى ( الذي اصبح ترميذة بعد ذلك ) وابن عمي المرحوم جاني السهر (ابو سميع).
ومن جراء وجود العدد الكبير من الصابئة في بغداد لأشتغالهم بالصياغة وبعد تخرج عدد كبير من ابنائهم من الدراسة الابتدائية ولعدم وجود مدارس متوسطة او ثانوية في قلعة صالح، بدأوا يأخذون اولادهم معهم الى المدن الكبيرة للدراسة، وحينئذ اضطر معظمهم لأخذ عوائلهم معهم، فهاجر الكثير من ابناء قلعة صالح والعمارة والناصرية. اما الى البصرة او الى بغداد واجروا البيوت وعاشوا فيها. ولما هجر اليهود عام 1948 العراق انقلب الكثيرون من صياغة الفضة و الميناء الى صياغة الذهب، وقد ربحوا من جراء ذلك اموالا طائلة واصبحوا يملكون اليوم العمارات والبيوت الحديثة. وتطورت احوالهم وتخرج عدد كبير من ابنائهم من الكليات على مختلف انواعها واصبح منهم البارزون في الطب والعلم والتكنولوجيا وبيدهم اعلى الشهادات واذكر منهم الدكتور عبد الجبار عبد الله الذي اشتهر بالفيزياء ونال اعلى درجات الدكتوراه فيها وقد عين رئيسا لجامعة بغداد وقد وضع لتسييرها القوانين والاسسس لتدرج العاملين فيها وقد توفي رحمه الله بمرض اللوكيميا او سرطان الدم عام 1969 في امريكا.
وقد برزت المرأة الصابئية ايضا في هذا المضمار. فقد دخلت مختلف انواع الجامعات وحصلت على شهادات عليا في الطب والهندسة واعلى شهادة طبية نالتها فتاة صابئية هو ما حققته ابنتي ليلى الرومي التي نالت شهادة MRCP في طب الاطفال(بدياتريك). وهناك عدد كبير من الفتيات حصلن على شهادة جامعية اولية في الطب والهندسة والعلوم.
والفتاة الصابئية ميالة للعلوم اكثر من ميلها للعلوم اللسانية كالمحاماة والفلسفة الا ان بعضهن حصل على الشهادات الجامعية في اللغة العربية وآدابها وتعد ناجية غافل المراني من الفتيات اللواتي لهن باع طويل في آداب اللغة الانكليزية وقد كرست جهوداً كبيرة لترجمة ما كتب عن الصابئة الى اللغة العربية، واصدرت اخيرا كتابها المسمى ب(مفاهيم صابئية مندائية) والكتاب من خيرة ما كتب عن الصابئة.
كانت اول معلمة صابئية هي الست باشة عبد الله مسلم اذ انها تخرجت من دار المعلمين الابتدائية وعينت في الثلاثينات معلمة في العمارة ثم في قلعة صالح. ثم جاءت من بعدها وجبات من المعلمات اللواتي كن من اخلص المعلمات في مهنة التعليم. ولعل الشاعرة لميعة عباس عمارة من اكثر الفتيات الصابئيات بروزا واشتهارا لشاعريتها الرقيقة وقصائدها المحببة الى النفوس. وقد تزوجت من المساح مبارك جودة الناشي وهو محام ٍ صار مقاولاً بعد ان احيل على التقاعد. وبالنظر للخلاف الشديد الذي حصل بينهما في اواخر حياته فقد انفصلا عن بعضهما وحصل الطلاق وذلك بعد ان اوعز رئيس الجمهورية السيد احمد حسن البكر بذلك لأنه كان يقدرها على شعرها، وشعورها الطيب نحو وطنها ونحوه بالذات.
هذا ولقد كانت دار المعلمين الابتدائية و دار المعلمين العالية من احسن المعاهد وافضلها لدى ابناء الصابئة حيث تخرج الكثيرون من شباب الصابئة من هذين الدارين وعينوا معلمين في المدارس الابتدائية والثانوية. ولا زلت اتذكر الكلمة التي قالها السيد خالد الهاشمي حين كان مديرا لمعارف العمارة " ان المدرسة التي تحتوي على معلم او معلمين من الصابئة تكون من ابرز المدارس وان طلابها ينجحون في الامتحانات" وقد ظهر من بين خريجي دار المعلمين العالية عدد من الشباب او الرجال حاليا الذين اشتهروا بين المجتمع العراقي بعقلياتهم التقدمية كالاستاذ نعيم بدوي. ومنهم الشعراء فقد برز الاستاذ عبد الرزاق عبد الواحد المراني الذي يعد من ابرز شعراء العراق اليوم.
ومن اشهر ابناء الصابئة الذين نالوا شهادات عالية بعد المرحوم الدكتور عبد الجبار عبدالله هم وحسب قدم التخرج: الدكتور فرحان سيف بطب العيون، الدكتور يحيى غضبان الرومي بطب الاسنان الدكتور تحسين عيسى السليم في الباثولوجي والتحليل والدكتور حسان ابراهيم يحيى بالطب الباطني والدكتور خضير المراني بالطب البيطري والدكتورة ليلى الرومي في طب الاطفال. والدكتور ابراهيم السهيلي في الزراعة والدكتور حكمت عسكر الرومي في المراعي والزراعة ايضا اما المحامين من الصابئة فطالب بدر من الناصرية ويسكن البصرة حاليا ومدحت جودة واخوه شريف جودة السهر. وليس لدى الصابئة فتاة واحدة محامية. وهناك اعداد كبيرة منهم لديهم شهادات جامعية ابتدائية ذكورا واناثا. كما ان هناك عدد آخر اشتهروا بالفنون وبرزوا فيها كالرسم والنحت والتمثيل والاعمال الخزفية ومن الصحفيين البارزين الاستاذ عزيز سباهي وهمام عبد الغني.
لقد تقدم ابناء طائفة الصابئة علميا وبرزوا في اعمالهم في العراق. الا انه من المؤسف تأخر علماء الدين في ثقافتهم ولعلي اعتقد ان علماء الدين آخر طبقة من المتعلمين علما عربيا او علما دينيا، اذ ليس بينهم فرد واحد تخرج من الدراسة الثانوية. اما ثقافتهم الدينية فمحدودة لاتتجاوز معرفتهم اجراء الطقوس الدينية، واهمها طقوس التعميد ومراسم عقد الزواج. فهم لايعرفون من فلسفة الدين الصابئي، وعمق عقيدة التوحيد لديهم اقل سمكاً من قشر البصل على البصلة نفسها. واكثر معلوماتهم مبنية على ما يسمعونه من غيرهم، وذلك لعدم تبحرهم في قراءة الكتب المندائية وتفسيرها. وكان آخر من يعتمد عليه المرحوم الشيخ عبد الله الشيخ سام الذي توفي سنة 1981 وقبله الشيخ نجم الشيخ زهرون الذي توفي( ؟ ). اما المومنين ( وهو الاسم الذي يطلق على رجال الدين) الحاليين فليس بينهم مومن واحد متبحر في الدراسة الدينية، والسبب في ذلك يعود الى وضع المجتمع الصابئي عامة ، فإنٌ موارد المومن ما زالت معتمدة على العيدية التي تهدى له و على اجور عقد الزواج. وما يحققه المومن الصابئي من هذين الموردين قليل جدا لا يكفي معيشته معيشة مناسبة للعصر الحاضر. ولم يعين للمومن أي راتب من قبل ابناء الطائفة كما ليس هناك موارد وقفية يعتاش عليها الشيخ الصابئي، مما اضطر بعضهم الى اتخاذ مهنة كشف الطالع/قراءة البخت/العرافة وكتابة بعض التعاويذ او الادعية مهنة له يعتاش منها. كما ان بعضهم بدأ يعيش على مهنة الصياغة ففتحوا لهم حوانيت للعمل فيها. كل ذلك قد ابعدهم عن الدراسة وعن مطالعة ما جاءت به كتبهم الدينية من تعاليم دينية ومفاهيم اجتماعية وعبر خلقية وامثلة اجتماعية.
ان الصابئة يعانون الآن من قلة المومنين وبانقراضهم قد تنتهي فيه احوال الديانة الصابئية، وعليه فمن واجب ابناء الطائفة وضع الحلول اللازمة لذلك والا فهم المتحملون لذنوب الاندثار والتحاق ابنائهم بالديانات الآخرى. فقد بدأ ذلك فعلا مع الاسف الشديد، خاصة وان الديانة الصابئية تحمل من الصفات والمزايا ما يجعلها واحدة من اهم الديانات القديمة الطيبة المسالمة الموحدة.
لعل الاحداث تتلاحق خاصة بعد وفاة اخي عسكر سنة 1937 بثلاثة اشهر توفي اخي خالد وقد كان مصابا بالسل منذ عام 1934 على اثر اصابته بذات الجنب وذلك لانه عمد نفسه في الماء البارد في دجلة ايام الشتاء. وتقد قاوم هذا المرض الخطير بتعريض نفسه للشمس و الهواء الطلق جالساً عند ضفة النهر، قرب المعيبر، حيث نسكن.
سافر الى بغداد ثم جيء به بعد اسبوع فاقدا للوعي، بعدها اسلم روحه الى بارئه. لقد كان خالد استاذا ماهرا في الصياغة، واعتقد انه اول من صنع علبة سكاير من الفضة تنفتح بالضغط عليها وسحبها اثناء الضغط الى الامام ورفع اليد عنها فتنفتح من نفسها وكانوا يطلقون عليها (sliding case) لقد ترك بعد وفاته كلأًٌ من ولديه عبد الرزاق ووليد مع والدتهما طاكة بنت جابر من مسودنية المجر وعليه فقد اصبح لدينا الآن عائلتان بدون معيل هما عائلة المرحوم عسكر والمرحوم خالد. لقد اظهرت زوجة خالد من الصبر والجلادة في تمشية امور اطفالها ما يعجز قلمي عن وصفه ولم يعاونها اهلها بشيء ما. كما انها لم تكن من النساء العارفات الشغولات لتقوم بصنع بعض الاشياء او بالغزل، او عمل يمكن ان يساعدها في حياتها. فقد كانت تابى كل ذلك. وقد كانت الوالدة رحمها الله تقوم بالمساعدة. كما كنت اقوم انا وبيت بركات بالمعونات المادية والمعيشية والكسوة. وكان اخي المرحوم بركات والذي توفي عام......؟ دائم المساعدة لها ولأطفالها، خاصة وان خالد كان رفيق حياته في الصياغة.
اما زوجة عسكر فقد سافرت الى والدتها في العمارة كي تعيش معها واخذت كل من حكمت وشكرية معها، خاصة بعد وفاة ابنها البكر رديف عام 1940 وكان مصابا بالتهاب السحايا ولم يعرف مرضه الا بعد عشرة ايام من اصابته.
وفي عام 1941 توفيت الوالدة في قلعة صالح بعد ان كانت تبكي ليل نهار على ولديها عسكر وخالد. كنت انئذ في العمارة وكانت الحرب العالمية الثانية مشتعلة وقام العراق بثورته الوطنية ضد الحكم البريطاني الذي عانى منه ومن استعماره امر العذاب، ومع ميول حكام العراق انئذ للنازية وتقرب المانيا من العراق واحتلالها لفرنسا واحتلالها لسورية، فقد اصبح العراق تحت قبضة يدها الا انها لم تسارع الى احتلاله وذلك لبعد مواصلاتها عن العراق خاصة وان في العراق جيشا انكليزيا لابأس به في الشعيبة وسن الذبان. وكان الوصي عبد الاله قد فر الى الى البصرة ونصب بدلا عنه الشريف شرف. ولم تدم المسألة كلها اكثر من ثلاثة اشهر حتى تمكن الانكليز من احتلال بغداد مرة اخرى ومن ثم ارسال بواخرهم التي تطلق عليها" ابو سلة" في دجلة فأحتلت دجلة الى الكوت. قوي مركز الانكليز بعد ذلك وكان الميجر داوسن من اشهر المتحكمين في المنطقة فقد كان يسكن البصرة منذ فترة طويلة ويتكلم العربية كأحد ابناء البصرة وكان كثيرا ما يأتي الى العمارة والمدن الآخرى ليطلع على رأي الشيوخ والعشائر والذين كانوا موالين كل الموالاة لهم خاصة وان شيوخ العمارة كانوا مستحوذين على الارض والمياه من الحكومة بأجر زهيد جدا فكانوا من كبار الاقطاعيين في العراق. وكان تحت رعاية كل شيخ الوف من الفلاحين، يزرعون وحصتهم خمس الحاصل اما حصة الشيخ فثلاثة اخماس بعد ان يستقطع منهم ما يستعيرونه منه من مبالغ. ان اهم مزروعات اللواء (اي المحافظة) كان الارز ويزرع في شمال وغرب العمارة الحنطة والشعير خاصة في عشائر بني لام. كانت الحكومة الانكليزية تسعى لأسكات الشيوخ بأية طريقة كانت سواء بأعطائهم الاراضي بصورة مجانية تقريباً او بأرسال كواني (اكياس كبيرة) مليئة الليرات الذهبية اليهم. كان الحاكم المطلق في العمارة يدعى "كرملي" وهو شاب انكليزي لايعرف غير رعاية مصالح بريطانيا والسكر والعربدة ليلا مع الكاولية(الغجر). وكان رفيقه العراقي داود الحميد من اعز اصدقائه. كما كان محمد جوني( دلال سيارات الاجرة) ونوري حسين الخلف من الشخصيات المقربة اليه.
وفي عام 1940 فُتح في العمارة معتقل للعراقيين السياسيين الميالين لألمانيا النازية وقد اعتقل فيه من العمارة فرحان سيف لا لأنه نازي ولكن لأنه كان طبيبا للمعتقلين وقد كتب تقريرا يطالب فيه بايجاد وسائل صحية في المعتقلالذي كان من الصرائف (الاكواخ) القصبية في الجهة المحاذية لجسر العمارة الحالي اذ لم يكن هناك ولاحمام واحد، بل لم يكن هناك مرحاض لقضاء حاجاتهم. اما زيارتهم فكانت مستحيلة وكان من يذكر اسمهم يلاقي من العذاب والابعاد ما لايوصف. ولما كانت الحكومة الروسية قد اشتركت مع الحلفاء بالحرب ضد النازية لذلك فقد سمح للحزب الشيوعي العراقي بالقيام بما يريده دون ان يحاسب وقد كان الحزب الشيوعي سريا ولكنه اسس حزبا آخر وهو حزب التحرير ليكون واجهة له.
كان المرحوم حسين الشبيبي في العمارة معلما عندي في المدرسة الفيصلية وكان مالك سيف الرمح رئيسا للحزب الشيوعي السري وقد ايد الحزب عدد كبير من اهل العمارة. لقد كنت في جفوة مع مالك سيف وبالرغم من الحاحة والحاح بعض الاصدقاء بألانتماء للحزب الا انني لم انتم خاصة وانا اشاهد ان مالك سيف كان صابئيا فأسلم ثم صبأ مرة اخرى. وقد كان مقامرا وسكيرا. ثم انه كان يستغل المبالغ التي تجبى له فيشتري منها لزوجته سلعا ذهبية. وعلى كل لم اكن ميالا له وقد نصحت حسين الشبيبي بأن يعزله من منصبه ويولي غيره الا ان حسين يرحمه الله كان واثقاً قانعاً بمالك إذ كان مالك من اذكى ابناء الصابئة.
وفي احد امسيات كنت في داري اذ جاءتني سيارة المتصرف وفيها شرطي فقال لي " تفضل المتصرف يريدك" كان المتصرف انئذ عبد الرزاق عدوة وهو من اهالي النجف وخريج الحقوق يبلغ من العمر عام 1940 اكثر من خمسين عاما. وكانت معرفتي به سابقة، وقد شرحت انه كان قائممقاما لقلعة صالح قبلا. وكنت في زمان الحرب الثانية اشغل ادارة احدى المدارس الابتدائية( الفيصلية الابتدائية) وبالنظر للصداقة بيننا خاصة وقد كنت ادرس ابنه قيس(صاحب صيدلية قيس في الفضل حاليا) وابنته. ولما كان يعرف انني اعرف الكتابة والمراسلة، لاني كنت مراسلا لصحيفة الاخبار في بغداد وجريدة آخر ساعة في البصرة وصحف اخرى، فقد كان يعطيني الخط التلفوني الخاص به للاتصال بالصحافة في بغداد والبصرة. دخلت على المتصرف فوجدته مع الميجر داوسن جالسين، وبعد السلام التفت اليّ الميجر داوسن وبلغة عربية بصرية قال" يا أستاذ لقد اخترناك انا والمتصرف لنسألك سؤالا واحدا ونرجو ان يكون جوابك عليه بأمانة وصدق حرصا للمصلحة المشتركة خاصة ونحن في حالة حرب مع النازية فهل سنكون مطمئنين لجوابك؟" قلت " سيكون جوابي بمنتهى الصدق والاخلاص" قال" ان السيد ناجي يوسف مدير المعارف المنقول حديثا اليكم من معارف الديوانية كان يشتبه انه كان يبث الدعاية النازية فى مدارس الديوانية وقد نقل الى العمارة لهذا السبب. ونريد ان نعرف هل انه لم يزل يبث الدعاية النازية بينكم؟ وهل كانت اتجاهاته للنازية بارزة اثناء اجتماعاتكم؟ نرجو ان تجيبنا على ذلك بصدق وصراحة."
ورغم برود علاقتي بناجي يوسف بسبب سلوكه الارعن و علاقاته ببعض المعلمات منذ الاسبوع الاول لقدومه الى العمارة مديراً للمعارف (التربية) مما جعل بعض الشباب ان يناولوه رسائل تهديد ، تذكرت كل هذا في تلك اللحظة، لكني قلت لنفسي بانه كان ايضاً مجداً في عمله وانه كان حقوقياً جيداً.
بعد لحظة قلت للميجر داوسن " اني اقولها صريحة هو ان السيد ناجي يوسف كان بعيدا عن تهمة النازية كل البعد اذ لم الاحظ عليه في كل خطاباته التي كان يلقيها علينا انه نازي الاتجاه اطلاقا" هذه شهادة اقولها امامكم وامام الله وانا صادق كل الصدق فيما اقوله. فالتفت اليَ الميجر داوسن وقال" لقد انقذت الرجل من الاعتقال بشهادتك هذه وانا اعتمد عليها كل الاعتماد " ثم تركتهم ورجعت الى داري.
لم اذكر ما حدث بيني وبين الميجر داوسن للسيد ناجي يوسف الا بعد سفره وانتقاله من العمارة، وذلك كي لايقال عني بأنني استغللت شهادتي للاستفادة منه. ولابد ان اذكر هنا وانا اكتب هذه المذكرات في اواخر حياتي ، رغم كل الجهود التي بذلتها اثناء الحرب العالمية الثانية لم استفد لا من الانكليز ولا من المتصرف اية فائدة لا مادية ولا وظيفية فقد كرست كل تلك الجهود لفائدة اهل البلد وطلاب المدارس كالتغذية المدرسية واكساء الفقراء وتوزيع الطحين على اصحاب الافران وتسهيل امور التموين للمعلمين وغيرها من المسائل التي كانت فائدتها عامة لأهل العمارة. كما ابعدت نفسي عن كل المحاولات التي ارادت استغلال صداقتي بالمتصرف في سبيل المنافع الشخصية ، لأنني كنت على يقين بأن امثال هذه المحاولات (وما اكثرها) قد تشوه سمعتي وتحط من كرامتي.
يتبع
الفصول السابقة:
الفصل الاول
الفصل الثاني
الفصل الثالث