English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home
حارة في بغداد( الارضروملي)
للكاتب توفيق الناشي

موسى الخميسي/ روما

نحن جميعا معنيين بالعديد من الاسئلة التي يطرحها الناس على الكاتب، او يطرحها هو على نفسه، ازاء وقائع واحداث ومواقف. والكاتب في نهاية المطاف كأي حرفي يمارس صنعة ما تسمى بالقصة اوالرواية، مزودا بسلاح الثقافة والفهم والمعرفة ، ليروي عطش الذات الكاتبة اولا، وليخلق لنا كقراء متعة السرد، من وقائع واضطرابات سياسية حملتها فترة الخمسينات من القرن الماضي في متن عمله الروائي، ضمن شروط ومواصفات ابداعية مألوفة او سائدة او ريادية.
والكاتب توفيق جاني الناشي في روايته (حارة في بغداد- الارضروملي) يضعنا في مرحلة تاريخية محددة ودقيقة من تاريخ العراق، يبدأ فيها من ايام ما قبل ثورة 14 تموز 1958" تناولت في هذه الرواية مرحلة معينة من تاريخ العراق تنحصر ما بين منتصف الخمسينات وانهيتها على مشارف 1963" ليدخل فيها العراق ثورته الجمهورية الدامية، وهو يستعد للانغمار في سنوات الصراع الدموي الجديدة خارجا من فترة الحكم الملكي.، كأنه يوعدنا بتكملة روايته برواية اخرى مكملة للاحداث،حيث ينصب عمله الروائي" الارضروملي" لعائلة عراقية يكون ابنها البكر هو محور متن النص السردي، في بيئة اجتماعية محددة تشكل احدى شرائح المجتمع العراقي، حيث يختلط الهم الاجتماعي بالسياسي، بمباشرة احيانا وخطابية احيانا اخرى، ضمن مسلك اسلوبي توثيقي، وبفصول حملت اسماء شخصيات ومواقع ومواقف ، استهدف الكاتب منها وضعنا قريبا من تلك الذكريات التي عاش العديد منا معانيها العميقة وحملت فجاعتها العديد من العوائل، ولازالت تسري بدمائنا. بتفصيل حميم استنطق الكاتب بشفافية مطلقة عن محباتنا وافكارنا واحاسيسنا واندفاعاتنا وبطولات بعضنا، ليقود القارىء الى مخابىء ومكامن، الحب والامال المعلقة ، والمخاض الاليم، ليرسو بنا عند تاريخ الهزة الكبيرة التي تعرض لها المجتمع العراقي في 14 تموز، من خلال اسلوب تعبيري عن شخصيات مقهورة سياسيا وجنسيا واجتماعيا ( لقد حاولت ان القي ضوءا على حياة الناس الاجتماعية في تلك المرحلة وتأثير التيارات السياسية المختلفة عليهم وبالذات الدور الكبير الذي لعبه الشيوعيون والقوميون في بناء شخصية الفرد العراقي والتأثير المباشر لهذه التيارات المختلفة في سيلا الاحداث خصوصا بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958) .
الرواية التي يبدأها الكاتب بنص حول تاريخ هذه المحلة البغدادية مصاغة بحميمية ، تبدو وكأنها نص وثائقي تعريفي لحياة الناس لم يصنعه خيال الكاتب، فهي تعتمد على ذاكرة كاتبها والوثيقة المادية والتاريخية الدقيقة، التي استند اليها، وايضا من خلال الخبرة العملية النضالية للكاتب نفسه، فهي نص لواقع سردي لاحداث عاشتها العديد من العوائل العراقية المناضلة والمفعمة حياتها بانشغالات العمل النضالي في صفوف حزب سياسي كان يقود الشارع المعارض في تلك الفترة السياسية الحرجة، كما انها اشبه بالسيرة الذاتية ، التي تمازج بين خصوصية الرؤية واسترجاع الكثير من الوثائقية ، بنت نفسها على علاقة بين المناضل ( طاهر) وفتاة مسيحية(سمر) بنت الجيران ليمنح الرواية مذاقا خاصا عابقا بروائح العشق في مرحلة الصبا والشباب، في احد ازقة تلك المحلة العراقية( الارضروملي) والتي(سميت تلك الحارة بالارضروملي وربما جاءت هذه التسمية نسبة الى منطقة ارضروم التركية وقد ذكر بعضهم ان تسمية تلك المنطقة جاءت نسبة الى مالكها قدري الارضروملي الذي ورثها من عائلته التركية الاصل، ثم جرت العادة على تسميتها محلة الدوريين بعد ان مثلها عبد المحسن الدوري في انتخابات مجلس النواب) في العهد الملكي.
لقد بذل الكاتب جهدا ملحوظا في رسم ملامح افراد تلك الشريحة الاجتماعية، فالاب متوفي، والام تقوم على رعاية وادارة كل شاردة وواردة في البيت، فتكتمل الشخصيات الرئيسية ، من الداخل، الذي هو العائلة، التي تطلب تماسكها، مع الخارج الذي هو الحزب ونضالاته ، بشخصياته وقادته وشهدائه وافكاره ونضالات منتسبيه، ضمن مشاهد عديدة من الاحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها مدينة بغداد في تلك الفترة العصيبة.