"سفير العراق العلمي"
في احدى مقالاته اللامعة كتب الدكتور الفيزيائي ابراهيم الخميسي مقالا في مجلة الثقافة الجديدة( العدد 1-2 لسنة 1995) بمناسبة مرور 25 عاما على رحيل الدكتور عبد الجبار عبد الله، تساءل فيه عن حياة وعمل وانجازات وعلاقات وافكار الراحل فقال" لانعرف.. فلا فيلم نشاهد فيه هذا العالم والمربي الكبير، ولا كتاب يتحدث عنه، ولا مقابلة تلفزيونية يمكن الرجوع اليها. كما انه من الصعوبة الحصول على ما تركه من نتاجات علمية عامة وفكرية وكتب تدريسية ومواد تعليمية وغير ذلك الكثير الذي من شأنه ان يفيد الباحثين والمختصين والقراء على السواء. وهكذا فنحن نجهل الكثير عن الدكتور عبد الجبار عبد الله ، ولا نعرف كيف تولد لديه ذلك الولع الشديد بظواهر الطبيعة، ولا العلاقة التي تربطه بالعلماء العرب الذين ابدعوا ايام ازدهار الحضارة العربية والاسلامية، فمن المعروف عن هذا الاستاذ الجليل شغفه بالعلوم والفلسفة العربية والاسلامية، اضافة الى حبه للغة العربية والشعر والادب". ويجيء كتاب الدكتور الفاضل ستار نوري العبودي " سفير العراق العلمي .. العالم الفيزيائي والمثقف الوطني" بعد كل هذه السنوات الطويلة ليجيب على العديد من التساؤلات التي طرحها العديد من المهتمين والمتابعين، وليزيح صخرة كبيرة، ليرينا من ورائها نبع ماء جليل، في ارض لازالت مليئة بالشوائب.
ان هذا الجهد النبيل الذي قام به الدكتور ستار نوري العبودي وهو يتعقب رجل العلم والمعرفة في حرصه الكبير على تحفيز البحث العلمي، والنهوض بالحركة العلمية في العراق، بتقديرنا يمثل حافزا قويا لدراسات اشمل واكثر تدقيقا، لاتعتمد الذاكرة وحدها بل التوثيق والبحث والمراجعة التي اتصف بها كتاب الدكتور ستار نوري العبودي، فالالتفاف الى الماضي الناصع هو احسن الطرق لرؤية الحاضر، فايماننا لازال قويا بان دروس التاريخ تخدم الحاضر.
لقد وضح الباحث جوانب مشرقة لشخصية هذا العالم الجليل، في واقع ما بعد ثورة 14 تموز1958 حيث صاحب ذلك الحدث الاثير على قلوبنا العديد من الظواهر التي حفلت بها تلك المرحلة بعطاءاتها وتأثيراتها اللاحقة في عدد كبير من المجالات التي شهدت تنوعا باتجاه الواقع والانسان .وبّين المؤلف لنا مساحة تلك الارض التي عشقها واحبها عبد الجبار عبد الله، والتي لم تستطع توفر الامان لعالم مثله، لفته وحشة الظلمات، وتقافزت امام عينيه كل اشكال الرعب الاسود الحاقد من القوى الظلامية الفاشية التي حاولت على الدوام والى يومنا الحاضر محو آثار كل ما هو رائع ونبيل وعلمي من ثقافتنا العراقية الاصيلة .
ويأتي الثامن من شباط 1963 ويتعرض كل ما بناه عبد الجبار عبدالله، الى صدمة عنيفة، فقد عزل رئيس الجامعة وعمداء الكليات، وفصل عدد كبير من اساتذتها، لتخسر الجامعة التي اسسها عبد الجبار عبد الله اكثر من مئتين من الاساتذة المتخصصين المشهود لهم بالكفاءة. قال عنه زميل دراسته وصباه ودربه العلمي الدكتور عبد الكريم الخضيري" كان عبد الجبار عبد الله يذكرني بغاندي، كان هادئا في مشيته وطباعه، قليل الكلام، لكنه اذا تكلم نطق بالحكمة. كان وطنيا غيورا، وحريصا على عروبته، لذلك سمى اولاده باسماء علماء عرب: سنان، هيثم، ثابت.. كان متواضعا، لايعرف الكبرياء، رغم انه بلغ قمة الانجاز العلمي والاكاديمي"
ان هذا الكتاب يحمل وفاءا علمي لهذا الانسان ويخلد جهده الكبير في تاريخنا العراقي. نقدره نحن ابناء المندائية ونسعى لتعميمه على الراغبين للاطلاع على مسيرة هذا العالم الجليل.