English Site About Us Contact Us Mandaean Human Rights News & Events Views History Home

الثقافة العربية والتحديات الراهنة

عرض وتحليل/أكرم صالح السداوي

.. صدر مؤخرا عن المركز الإعلامي الكويتي في تونس كتاب بعنوان ( الثقافة العربية والتحديات الراهنة ) اشترك في تأليفه عدد من الكتاب والمثقفين اللامعين في الساحة الثقافية العربية , ويتناول موضوع الثقافة العربية والتحديات الراهنة التي تواجهها , وهو موضوع واسع تتعدد مقارباته النظرية والتطبيقية كما تتعدد طرق ومجالات تناوله ودراسته, ذلك إن بمدلولها الأوسع موجه للحياة اليومية من خلال صياغة حركة الوعي لدى الناس وتشكيل ذاكرتهم الثقافية المستمرة التي تختزن كل أفعالها وتجلياتها من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل . وعملية أنتاج الثقافة هي عملية مستمرة تخترق جميع المراحل التاريخية وتوصف على أنها نتاج عمل دائم وتختزن الذاكرة الجماعية الموروثة من التراث والماضي وتساهم في توجيه الأفراد والجماعات في الحاضر وصناعة المستقبل .
هنا يطرح سؤال عن وضع الثقافة العربية وهل أصابها العجز الإبداعي والنضوب الفكري فلم تعد تقدم جديدا يذكر ؟ فكلما أشرقت فكرة نيرة في سمائها اكتشفنا أنها مأخوذة بنصها من مصدر أجنبي أو محورة عنه حتى أن قلة المفكرين العرب الذين يبدون كرهبان في عزلتهم الفكرية قد أصبحوا عاجزين عن إقامة حوار حقيقي مع الواقع الذي يعيشونه بعد أن فشلوا في إقامة الحوار مع النخب الحاكمة ؟
ونوسع الدائرة حينما نتساءل عن سبب فشلنا حتى الآن من الاستفادة من ريح الديمقراطية ودعاوى المحافظة على حقوق الإنسان تلك الريح التي تهب على كل مكان من أمريكا اللاتينية وجنوب أسيا حتى جنوب الصحراء الإفريقية وما الذي جعلها تتوقف خارج بلاد عالمنا العربي وهو المعروف بعواصفه ودوامات الرمال التي تدور في سهوله ومع ذلك لم نشم شيئا من عبق الديمقراطية وإذا كانت المطالب العربية قد تناقصت من المطالبة بالتغير إلى مجرد الإصلاح ومن الوصول إلى المطالبة فقط ب " اللادكتاتورية " فان هذا الحد الأدنى لم يتحقق حتى ألان .
أذا لا تبدو المفارقة المنهجية الأساسية في الثقافة إذ ليس الفعل الثقافي مصدر خلاف بين الباحثين بل تلمس أسباب العجز هو المفضي إلى مقاربات ثقافية وسياسية وتاريخية ومعرفية متشابهة حينا ومتضاربة في غالب الأحيان . كما أن تحليلات الباحثين في حقل الثقافة تنجم عن عملية الحفر الثقافي المعرفي في الذاكرة الثقافية وليس في طرح الاسئلةعن أسباب توقف الإبداع بل في طرح أساس المشكلة القائمة في طبيعة النظم السياسية الحاكمة التي قتلت روح الإبداع والخلق .
وعليه سرعان ما تبدأ عملية الفرز بين من يشير إلى صلب المشكلة وبين من يلجا إلى الانتقاد والتصنيف والادلجة فتتولد عنها مجموعة من التصنيفات والمقاربات التي تتخذ من التاريخ الثقافي منطلقا للمغايرة أو من العلاقات الشخصية مدخلا لتصنيف الظاهرات الثقافية ودورها في بناء اللحمة أو التنافر بين الأفراد والجماعات وكذلك دور المثقف .
وهناك تأكيد على أن المثقف العربي في هذا الزمن المتغير يستمد مكانته من مطابقته للقيم العقلانية والإنسانية دائما من عمق قراءته للظواهر الجديدة بما يحرره من الأوهام التي تجعله أسير ماض يستحيل أن يعود كما كان عليه وتخلصه في ألان ( الحال ) نفسه من الطوباويات التي تغرقه في أوهام المستقبل لا ينفك يبتعد , وتكمن أهمية وجود مثل هذا المثقف في ظل ما شهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحولات في هذا الزمن المتغير , فهناك الانهيارات السياسية والإيديولوجية التي أصابت العديد من الأفكار والنظم والمشاريع , وهناك الطفرات المعرفية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان , والتي أسفرت عن انبثاق قراءات جديدة للحداثة وشعاراتها حول العقل والحرية والتقدم وهناك الثروات العلمية والتقنية والمعلوماتية التي ندخل معها في طور حضاري جديد . ولعل احد أهم ملامح التحولات العالمية تكمن في محاولة التعرف على عناصر ومكونات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية وكذلك ما تنطوي عليه من قضايا الثقافة الوطنية والهوية الحضارية والخصوصية القومية فإزاء كل ذلك يبدو انه من الضروري أن يعمل المرء على إعادة صياغة وترتيب أفكاره بما يمكنه من فهم وتشخيص هذه التحولات العميقة بداية ومن ثم الانخراط في تغيير الواقع الثقافي العربي في التكيف الايجابي مع معطيات وتحولات هذا الزمن المتغير .غير أن من منبع تجدد الأشكال الثقافي اليوم يرجع إلى تصادم حقيقتين بارزتين أولهما الالتزام بمقتضيات الكونية ( العالمية ) الناتجة عن مسار توحد البشرية واقتران مصائر أبنائها من خلال الثورة الاتصالية والاندراج في الاقتصاد والمجتمع العالميين . وثانيهما الإقرار بحق الثقافات في الاختلاف والتمايز وتماثلها من حيث القيمة والمشروعية . والواقع أن مكمن الأشكال عائد إلى صعوبة صياغة تاليفية لهاتين الحقيقتين . ولكن من المؤكد أن أيا من المجتمعات الإنسانية لم يعد رهين ثقافته الخاصة ومن ثم لم يعد سلوك هذه المجتمعات , أو تفكيرها الجماعي , هنا النتاج الطبيعي والضروري لثقافتها الوطنية فقط والواقع أن المقاربة الإيديولوجية للثقافة تحاول تفسير الإنتاج الذهني على ضوء علاقته بالواقع المادي . وهو ما ركزت عليه بعض الأدبيات النظرية في تحليل العلاقة الجدلية بين البنية التحتية والبنية الفوقية للنظرية .في حين أن مقاربة الثقافة تعمل على تفتيت الكليات الثقافية الكبرى إلى مكوناتها الأولى التي نجمت عن الأنماط الثقافية السائدة والتي تتقارب أو تتباعد طبقا لأشكال الممارسة اليومية , وهي ممارسات مبنية على الذاكرة الثقافية الجماعية الموروثة من جهة وعلى الاستجابة العاطفية لتلبية الحاجات إلى الأمن الجماعي من طريق اكتساب خبرات ثقافية جديدة لمواجهة التبدلات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة بسبب المثاقفة المستمرة بين الأفراد وجماعات من بيئات وأنماط ثقافية مختلفة أو متنوعة 0 وهي تشدد على أشكال السلوك الثقافي التي يمارسها الأفراد وتحليل الدوافع الكامنة وراءها من خلال تعزيز روابطهم الأسرية والتربوية والدينية واللغوية والقيمية وغيرها0 وبذلك تتعزز مجموعة النظم السائدة التي تلزم الأفراد والجماعات بأشكال من السلوك الجماعي 0 فهي تعبر عن المغايرة أو التمايز بين ألانا والأخر من طريق التمسك بالقيم الثقافية الموروثة لكل جماعة مع انفتاح نسبي على القيم الثقافية لدى الجماعات الاخرى0
ما هو مستقبل الثقافة العربية ؟
أن السؤال عن مستقبل الثقافة العربية محرج وأشكالي نظرا لتشعيب " المفاهيم " التي يجب توضيحها حتى يتسنى لنا طرح الإشكالية الناتجة عن تفاعلها كمفهوم الثقافة العربية ومفهوم العولمة 0
ذلك أن العولمة هي أمر واقع لا مجال لرفضه, بل علينا أن نعتبره مجال مزاحمة وصراع لنفرض وجودنا , فمن غاب اليوم عن الساحة الدولية الافتراضية التي تمثلها شبكة الانترنت همش نفسه فانغلق أمامه الأفق .
أن زلزال البدائل الأيديولوجية قد خلق من مشهد الثقافة الإنسانية حالة من الانفصام فيها ظاهر وباطن : الأول يشيد بحوار الثقافات والثاني ينفث في نهجة صراع الحضارات , ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تخطاه إلى اتخاذ فكرة الصراع لتفسير التاريخ . ولشرح هذا المتن الفكري الجديد ثم اقتناص الثقافة العربية مع محملها الديني المصاحب فريسة تختبر عليها المقولة الجديدة , حيث أن هذا الاختبار يجري على حكر الوقائع السياسية فان رواده لا يسعهم أن يراجعوه أو أن ينقضوه ذاتيا فضلا عن مناقضته أو التخلي عنه .
وهناك تأكيد أخر أن الثقافة العربية تعيش أزمة حادة في المرحلة الراهنة ولا غرابة في ذلك فهي جزء من أزمة اشمل وأعمق يعيشها العالم العربي اليوم ومن هنا فان التساؤل عن مستقبل الثقافة العربية في عصر العولمة لابد أن يسبقه تساؤل عن مستقبل الأمة العربية ذاتها . كما تجد الثقافة العربية نفسها اليوم بين المطرقة والسندان , أي بين قيود الداخل وتحديات الخارج , تتمثل قيود الداخل في الكبت السياسي في جل الحالات العربية من جهة وفي موجة الردة والرداءة التي استفحل أمرها منذ ثمانينيات القرن الماضي من جهة أخرى وقد تبدي ذلك في تراجع لمشروع التنويري العربي أمام استبداد الداخل وهيمنة الخارج .
ومهما يكن من أمر فانا نحتاج إلى وقفة تأمل بهدف تقييم وضعنا الثقافي الراهن كي نتدارك مواطن ضعفنا ونجند طاقتنا لتدارك الأمر حتى تبلغ ثقافتنا المستوى المنشود الذي يضمن إشعاعها العلمي ولكن الوضع الراهن قد يشجع المزايدة والركون إلى الحلول اليائسة والانغلاق والانحراف نحو سلوك إرهابي لدى بعضهم . كما تكتسي مسالة الأمن الثقافي العربي سمتي الإلحاح والخطورة آذ ما نظرنا اليوم غلى خريطة العالم السياسية المتحركة التي شهدت بروز ونشأة كيانات سياسية جديدة نتيجة ملابسات وسياسات واستراتيجيات مختلفة , متجانسة ومتقاربة أحيانا ومتضاربة ومتصادمة أحيانا أخرى .