بمناسبة الأعداد لتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب والفنانين المندائيين في المهجر
لغــز اسمه جبران خليل جبران
عرض وتحليل / أكرم صالح السداوي
.. صدر مؤخرا للكاتب اسكندر نجار كتاب جديد بعنوان ( جبران خليل جبران ) والمؤلف من مواليد بيروت عام 1967 , وكان قد نشر سابقا العديد من الروايات التاريخية والسير الذاتية , وفي هذا الكتاب الجديد يقدم الكاتب لمحة تاريخية عامة عن سيرة اشهر أدباء لبنان في القرن العشرين وربما في كل القرون إذا ما استثنينا ميخائيل نعيمة . أن جبران خليل جبران ومنذ البداية يقول اسكندر نجار ما معناه : هناك سر أو لغز اسمه جبران خليل جبران فمنذ أن كانت رائعته الأدبية " النبي " قد صدرت عام 1923 اشتهر اسمه في زوايا العالم المربع . والدليل على ذلك أنهم باعوا من الكتاب عام 1996 وفي الولايات المتحدة وحدها ( لاحظ عزيزي القارئ أمريكا وحدها ) تسعة ملايين نسخة !! يضاف إلى ذلك أن الكتاب ترجم إلى أربعين لغة , من بينها عشر ترجمات إلى الفرنسية , وفي ألمانيا يلقى أدب جبران نجاحا مذهلا يحير النقاد والمثقفين , وأما في ايطاليا ( وهنا اتذكر أخي العزيز موسى الخميسي ) فطبعة الجيب من كتاب النبي كانت في قائمة أفضل المبيعات مؤخرا .
وعلى الرغم من كل ذلك فان جبران لا وجود له في معظم القواميس والموسوعات الأوربية . أنهم يذكرون كل أدباء العالم تقريبا ما عداه .لماذا كل هذا التهميش الظالم؟ على هذا السؤال يجيب أمين معلوف قائلا : ربما كان السبب يعود إلى كتاب " النبي " لا يمكن تصنيفه في أي خانة محددة , انه يستعصي على كل التصنيفات , فلا هو رواية ولا هو مقالة فلسفية , ولا هو قصيدة شعر , أو قل انه كل ذلك دفعة واحدة . فهو كاتب عربي يكتب بالانكليزية مولود في لبنان يعيش في أمريكا , انه يقف متأرجحا بين الشرق والغرب , رجل هنا ورجل هناك .
وبالتالي فقد ضاعت هويته وجذوره (لا بيه اعوفن هلي ولا بيه اعوف هواي) ولذلك أهملوه , ولم يعرفوا كيف يحشرونه في زاوية معينة أو كيف يصنفونه في خانه محددة , ثم يردف المؤلف قائلا في الواقع أن هذا التفسير مقنع إلى حد كبير , لكنه لا يفعل إلا أن يزيد من عظمة جبران الذي رفض أن يتعصب لأي جهة كانت ما عدا الجهة الإنسانية والحقيقة والمحبة فهنا يكمن وطنه بالفعل ( يعني كان امميا ) وهو وطن يتجاوز لبنان والعلم العربي لكي يشمل العالم , نقول ذلك على الرغم من انه كان مولها ومغرما بلبنان إلى أقصى حد ممكن .
ثم تحدث المؤلف بعدئذ عن ولادة جبران في قرية ( بشري ) شمال لبنان وعن مدى جمال هذه القرية المعلقة بين السماء والأرض وعن الوديان السحيقة والجبال المحيطة بها .
لو لم يكتب جبران خليل جبران غير هذه القصيدة لخلدته , فما بالك إذا كان قد كتب نصوصا أخرى عديدة تبقى على مدى الدهر , يكفي أن نذكر اسم الأجنحة المتكسرة ( لم اعرف كم مرة قرائها – أنا - عندما كنت في عنفوان الشباب وكنت أيضا مغرم بالعنوان ) أو العواطف أو رمل وزبد أو المواكب أو وردة الهاني .... الخ من عشرات غيرها , هذا بالإضافة إلى " النبي " طبعا .
ثم يتحدث اسكندر نجار عن الدور الذي لعبه جبران في تأسيس الرابطة القلمية في المنفى ويقول: في ليلة عشرين ابريل 1920 اجتمع الكتاب اللبنانيون والسوريون في منزل عبد المسيح حداد بنيويورك لكي يتدارسوا كيفية تجديد الأدب العربي واخراجه من المستنقع الآسن الذي سقط فيه بسبب التكرار والاجترار على مدار عصور الانحطاط .
واتفقوا على أن اللغة العربية والآداب العربية بحاجة إلى نفس جديد ودم جديد يضخ في الشرايين والعروق . وقرر المجتمعون تأسيس جمعية متمحورة حول الحداثة وتهدف إلى خدمة الأدب العربي . وقد لقيت هذه الفكرة صدى رائعا لدى جبران فدعا المؤتمرين إلى الاجتماع عنده , في بيته , مرة كل أسبوع .
وعلى هذا النحو تشكلت الربطة القلمية التي ساهمت في أدخال روح الحداثة إلى الأدب العربي واخراجه من دائرة التقليد المبتذل . وكانت تضم بالإضافة إلى جبران بعضا من كبار الأدباء العرب أو الذين سيصبحون لاحقا كأمين الريحاني وايليا أبو ماضي ونسيب عريض وندره حداد واليأس عطا الله وميخائيل نعيمه واخرين .
واتفق أعضاء الرابطة على نشر مؤلفاتهم ومؤلفات الأدباء العرب الآخرين الذين يمشون في خط التجديد ويستحقون الدعم والمساندة .
كما اتفقوا على ترجمة روائع الأدب العالمي إلى اللغة العربية , وانتخبوا جبران كرئيس للرابطة وميخائيل نعيمة كمستشار أو كآمين عام ثم يطرح المؤلف هذا السؤال : ما مصير هذه الرابطة يا ترى ؟ في الواقع أن أعضاءها استمروا في الاجتماع ببيت جبران عام 1920 وحتى مماته عام 1931 وقد نشروا مقالات عديدة في مجلة ( السائح ) لعبد المسيح حداد هذا بالإضافة إلى عدد خاص كل سنة.
وهو عدد يحتوي على مختارات من مساهماتهم في مجال الأبداع الأدبي والنقدي والفكري واصبحت الرابطة بعد بضع سنوات بفضل طابع التمرد والثوري لأعضائها رمزا على تجديد الأدب العربية ودخولها منطق العصر والتقدم .
وكان جبران يرى انه لا مستقبل للغة العربية إذا لم تتحرر من القوالب القديمة التي عفى عليها الزمن والتي ورثناها عن عصور الانحطاط . ينبغي أن تتحرر من عبودية البلاغة اللفظية والسجعية المصطنعة أو المليئة بالتكلف والتقعر .
ثم يردف جبران قائلا هذا الكلام المهم الذي لا يزال راهنا هذه اللحظة : لا مستقبل للآداب العربية اذا لم تعرف كيف تقيم حوارا حقيقيا مع الغرب وإذا لم تهضم الجوانب الإيجابية للحضارة الأوربية دون أن تستسلم لها كليا ودون أن تفقد روحها وشخصيتها التاريخية .
وقال بان الفكر المبدع والخلاق هو الذي سيؤمن للغة العربية إمكانية البقاء والاستمرارية عن طريق تجديد تراكيبها وأساليبها التعبيرية ثم عن طريق تبسيطها لكي تساير حركة التقدم ونبض الحياة . وألا فأنها ستتحول إلى لغة ميتة كما حصل للغة اللاتينية في الغرب . ثم أردف جبران قائلا هذا الكلام المهم : اذا ما ضعفت قوة الإبداع وإذا نضبت فان اللغة تكف عن التطور .
وكل كائن لا يتطور يتقهقر ويتراجع ثم يذبل ويموت , ثم يتحدث المؤلف عن عقيدة جبران خليل جبران العميقة ويقول : كان جبران مسيحيا مارونيا من حيث الولادة والأصل وقد ربته أمه المؤمنة والمحافظة على احترام الدين وتقاليده وشعائره , ثم رباه الأب سمعان وكهنة مدرسة الحكمة في بيروت ولكن على الرغم من ذلك فانه لم يشعر بالاحترام تجاه رجال الدين . كان يحترم الإنجيل كثيرا وكذلك يسوع المسيح ولكنه لم يحترم الكنيسة الرسمية أو موظفيها أي( الكهنة والمطارنة والخوارنة ) , وقد ندد بهم كثيرا في بداياتهم واعتبرهم سبب جهل الشعب وفقره وخنوعه .
فلماذا كل هذه الحملة على رجال الدين يا ترى ؟
ربما لان الكثيرين منهم كانوا فاسدين فعلا وكانوا متواطئين مع الإقطاع اللبناني والسلطة على استعباد الشعب . في الواقع أن جبران كان مؤمنا بالمعنى الواسع والعميق للكلمة . وكان تعلقه بيسوع الناصري وإنجيله لا حدود له . ولكنه كان متأثرا أيضا بتراثات أخرى غير مسيحية . كان متأثرا بكبار متصوفة الإسلام وبالأديان الكبرى بالهند , والباطنية , وبعلم النفس الجماعي على طريقة يونك .كما كان متأثرا بالكاتب الإنكليزي الشهير وليام بليك . وكذلك بنيتشه وكتابه " هكذا تكلم زرادشت " , ويقال بان كتابه " النبي " تأثرا به .
باختصار فان جبران كان ذا ثقافة واسعة شرقية وغربية وقد صهر كل هذه العناصر المختلفة في عبقريته الخلاقة وأنتج أدبا جديدا خاصا به .
لأجيء في اليمن
4/9/2006