الصابئة المندائيون
تألـيف : الليدي دراوور
ترجمة: نعيم بدوي وغضبان الرومي
يعتبر العديد من المندائيين هذا الكتاب الذي يقوم اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر باعادة طباعته للمرة الثالثة( دار المدى بالتعاون مع مندائية للنشر والتوزيع) بمثابة مرجع مهم صالح لفهم الدين المندائي على حقيقته التوحيدية. كما انه قراءة متجددة لواحدة من الاقليات الدينية العريقة، التي صمت ابناؤها زمنا طويلا، حفاظا على كيانهم الديني، ولغتهم المندائية المستمدة من الآرامية، وطهارتهم ونظافتهم التي كانت شاغلهم الاول. لقد مارس الصابئة المندائيون دورا رائدا في الحضارة العربية، وكان ابناؤهم على مختلف العصور شركاء في صنع هذه الحضارة، كما ان وجودهم على مدى التاريخ الانساني يذكر بانبياء ورسل نسخت الاديان المتعاقبة شرائعهم، ولم يبق منهم غير صحف نوح وابراهيم عليهما السلام. ان هذه الديانة التي تعتبر اقدم ديانة سماوية على وجه الارض، ترتفع بتاريخها الى مصاف البدايات الاولى للشرائع الانسانية الموحدة.
هذا الكتاب ترجمة الراحلان نعيم بدوي وغضبان رومي، يعد من الكتب الجدية التي تتميز بالمسؤولية الفكرية والالتزام الاخلاقي وبالدقة والوصف الامين للطقوس والعادات والعلاقات المندائية، فالكاتبة( دراوور) انطلقت في كتابها من الواقع، ومن الجزئي الى الكلي، ومن السطحي الى الجوهر، لتحلل وتناقش وتعلق ولتضيف الى بحثها بعدا تاريخيا وانسانيا، ثم تضعه في سياق زمني وحضاري شامل، مع الحرص على تحديد كل طقس تناولته في خصوصيته.
يتبنى هذا الكتاب مفهوم البناء الاجتماعي لدى الطائفة المندائية على نحو علمي كأساس مفيد لعرض الظواهر الدينية والاجتماعية المختلفة وتحليلها باعتبارها تاريخ وطقوس هذه الجماعة الدينية، سواء كانت منبثقة من مؤسسة القرابة او السلطة الدينية او التربوية مع الاهتمام على نحو خاص بالمؤسسة الدينية.
في تناوله للاساليب المعيشية وممارسة الطقوس الدينية والمعتقدات والاعراف والقيم للطائفة المندائية، يعتمد الكتاب على اسلوب الوصف الانثروبولوجي في دراسة الانظمة والمؤسسات الدينية والعلاقات الاجتماعية ضمن تساندها الوظيفي، ولاظهار طبيعة المؤسسات الحضارية والدينية لهذه الديانة السماوية العريقة التي اعترف بها القرآن الكريم، ووصف اصحابها كأهل دين وكتاب، وورد ذكرهم في ثلاث سور كريمة.
هذا الانطلاق الاستقرائي من الخاص الى العام، من الاصغر الى الاكبر، ومن الراهن الى الكامن، مثّل نزعة استدلالية نهجتها هذه الباحثة الانثروبولوجية القديرة من خلال عملها الميداني الذي دام سنوات طويلة وسط الطائفة وممارستها حيث اكسبتها تجربة حقلية عالية اصبحت فيما بعد دعامة رئيسية لمعرفة الديانة المندائية في حقيقتها التوحيدية، مما حفز العديد من الباحثين والدارسين من بعدها على القيام بدراسات اثنوغرافية كثيرة اعتمدت التعقيب في اصل هذه الديانة والخصائص الحضارية المختلفة وتحديد اتجاهاتها ومواقعها الاصلية، وهو الامر الذي استوجب اللجوء الى وسائل البحث التاريخي والاثري لمعرفة ما وقع من اتصالات حضارية في الماضي والاقتباسات التي حملتها معها لمختلف الجماعات العرقية والدينية التي عايشتها على ضفاف دجلة والفرات جنوب العراق، ونهر الكارون غرب ايران.
موسى الخميسي
اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر