ندوة لمجلس الأقليات العراقية
عقد مجلس الأقليات العراقية في مقرّه الدائم ندوة تعريفية وتثقيفية دعا إلى حضورها نخبةً طيبةً من مثقفي المكوِّنات العراقية قليلة العدد أو ما نصطلح على تسميتها بالأقليات وفقاً لمعايير المنظمة الدولية للأمم المتحدة.
أدار الندوة السادة نزار ياسر الحيدر نائب رئيس المجلس وهيثم سليمان متي مسؤول المشاريع ولويس إقليمس مسؤول العلاقات الخارجية في المجلس.
استعرض السيد نائب رئيس المجلس الخطوط العريضة لدواعي تأسيسه عام 2004 والظروف التي صاحبت هذه المرحلة بناءً على المستجدّات القائمة على الساحة السياسية العراقية منذ فترة التحولات التي رافقت أحداث نيسان 2003. كما عرّج على الأهداف المتوخاة من قيام هذه الهيئة التي تمثل حلقة ضمن سلسلة منظمات المجتمع المدني العاملة في العراق والتي يُفترض أن تصبَّ مجمل أنشطتها على بناء عراق ديمقراطي فدرالي موحّد تسود فيه العدالة والمساواة ويتساوى فيه الجميع بعيداً عن كل أشكال التمييز والتهميش والتغييب والإقصاء. وأضاف أن أبواب هذا المجلس مفتوحة لجميع الخيّرين من أبناء "لأقليات" المختلفة التي يضمّها هذا المجلس للمساهمة في رفع كل أشكال الحيف والغبن والظلم التي طالت حقوقها و همّشت دورها وحجّمت من مدى أنشطتها وقصّرت بحقها في المشاركة الفعلية في القرار السياسي الوطني ووضعتها في خانة المستضعفين لعدم امتلاكها ميليشيات للدفاع عن هذه الحقوق المهضومة كما يشير إليه الواقع السياسي السائد. و دعا الجميع للمشاركة في أنشطة المجلس المختلفة من خلال توسيع القاعدة الأفقية فيه كي يتسنى لإدارته تنفيذ المشاريع التي ينوي تحقيقها في مجالات عديدة ولاسيّما التثقيفية منها والتعريفية بحقوق المواطنة الكاملة. كما نوّه إلى ضرورة زيادة الوعي بمهام وأهمية المجلس وبرامجه وتطوير أدائه خدمةً للعراق الجديد بعيداً عن الاستقطاب الطائفي المقيت والتخندق المذهبي الضيق والتمييز بسبب العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو اللغة وفقاً لشرعة حقوق الإنسان التي تصون كرامة جميع المواطنين دون استثناء. كما تطرق أيضاً إلى حرص العديد من المنظمات الدولية لاعتماد مجلس الأقليات العراقية هيئةً ممثلة لجميع المكوِّنات القليلة العدد أي "الأقليات"
التي يضمّها والمتمثلة حاليا بالتركمان والكورد الفيليين و"الكلدان السريان الآشوريين" والشبك والأيزيديين والصابئة المندائيين والأرمن و هو يسعى لإبقاء الباب مفتوحاً لغيرها. وأشار إلى نظرة الجهات الرسمية لهذا التجمع بعين الاعتبار وبشيء من الترقب والقلق لما قد يشكله من قوة سياسية جديرة بالاعتبار رغم كونه من مؤسسات المجتمع المدني وليس تكتلاً سياسياً أو حزبياً.
ثم تناول السيد مسؤول العلاقات الخارجية في المجلس العلاقات العامة التي تربط هذه الهيئة الفتيّة مع العديد من المنظمات الدولية التي حرصت على دعم خطواته الأولى منذ تأسيسه و ما بعدها. وأشار إلى الدعم المادي والمعنوي الذي حظي به المجلس لدى عقد مؤتمره الأول في فندق بابل في بغداد عام 2005 ومؤتمر الطاولة المستديرة التي تبعه في البحر الميّت بالأردن من نفس العام. و تطرق أيضاً إلى مؤتمره الثاني الذي عُقد هذا العام الجاري في فندق الرشيد في بغداد والذي رعته الأمم المتحدة وحضره رئيس مجلس النواب العراقي الدكتور محمود المشهداني وعدد من أعضاء البرلمان العراقي من ممثلي الأقليات و من المناصرين لها فيه إلى جانب مسؤولين في الدولة والحكومة العراقية ومثقفين و ناشطين من منظمات مختلفة و من جميع المكوّنات القومية والدينية والعرقية. يُذكر أن مؤتمراً رابعاً كان قد عُقد في العاصمة الأردنية عمّان برعاية منظمة UNAMI في العراق صيف عام 2006 أيضاً وخلص إلى توصيات محدّدة رُفعت في حينها إلى مجلس النواب العراقي والجهات الرسمية العراقية وعددٍ من المنظمات الساندة للأقليات وبعض السفارات المتواجدة في العراق. وعن مدى توسع أعمال المجلس أشار مسؤول العلاقات الخارجية إلى تحقيق خطوات متقدمة للتواصل مع أبناء الأقليات المتواجدين في المهاجر من خلال عددٍ من ممثليها مشيراً إلى أهمية الدعم الذي يمكن أن يقدّمه أبناء الأقليات الذين اضطرّتهم مختلف الظروف القاهرة لمغادرة البلاد بحثاً عن ملاذٍ آمن أو سعياً وراء الرزق بعد أن أُغلقت بوجههم الأبواب. كما أشار إلى افتتاح أول فرع للمجلس في سهل نينوى ومقرُّهُ في قرةقوش, مركز قضاء الحمدانية ليكون نواةً لافتتاح فروع أخرى داخل وخارج البلاد. كما جرت الإشارة إلى اللقاء الذي حققه عضوان من مجلس النواب من ممثلي الأقليات مع لجنة بيكر- هاملتون المكلّفة بدراسة الوضع السياسي في العراق، حيث تسنّى لعضوي المجلس تقديم شرحٍ موجز عن الدور الذي يضطلع به هذا الأخير وإبداء ملاحظاته حول سير الأحداث و طرح وجهات نظره حول ما يجري وما يتعرض له أبناء الأقليات من تهميش واضح ومن ضغوط لتقويض مطالبهم المشروعة في المشاركة الفاعلة والجادة في العملية السياسية على أساس العدالة و المساواة في الحقوق والواجبات.
أما السيد مسؤول المشاريع في المجلس فقد تناول في حديثه صفحة البرامج التي قام المجلس بتنفيذها في الفترة السابقة ومنها على وجه الخصوص النجاح الذي حققه في مراقبة فعاليات الاستفتاء على الدستور ولاسيّما في منطقة سهل نينوى التي شابها خروقات عديدة وفيها حُرمت قطاعات واسعة من سكان تلك المناطق، وغالبيتهم من الأقليات القومية والدينية القاطنة في تلك المنطقة، من حقها في التعبير عن رأيها الديمقراطي في العملية الدستورية التي كان يُفترض أن تسير في أجواء ديمقراطية بحتة. يُذكر أن هذا النشاط نال في وقتها استحسان الأمم المتحدة التي عززت من مصداقية عمل المجلس بمهنيّةٍ وحياديةٍ عاليتين وتمّ اعتماد تقاريرنا على نطاق واسع. كما تطرق أيضاً إلى المشاريع المستقبلية التي يسعى المجلس لتنفيذها بالتعاون مع منظمات وجهات سياسية ودبلوماسية متواجدة في البلاد وخارجها من أجل تعزيز روح التضامن وخلق الوعي الوطني لدى المواطن العراقي كي يعي الجميع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم في بناء عراق ديمقراطي، آمنٍ، مزدهر وموحّد فيه يُكرّسُ الولاء للوطن وليس للطائفة أو القومية أو الدين أو المذهب.
ثمّ فُتح باب الحوار والمناقشة أمام الحضور للإستيضاح وإغناء الندوة بمقترحات وتمنيات. وكان أول المتحدثين السيد عبدالله النوفلي، من "الكلدان السريان الآشوريين" ، رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى، الذي أبدى اهتماماً بالدور الذي يمكن أن يضطلع به المجلس في ظلّ محاولات التهميش والتغييب والإقصاء التي يتعرض لها أبناء المكوّنات الصغيرة رغم تحفّظه الشديد على مصطلح الأقليات لما قد يفهمه البعض من تصغير واستهانة بمثل هذه التسمية. ذلك أن هذه الأقليات هي بحدّ ذاتها ذات أصالة في الوطن وتمتدّ جذورها إلى آلاف السنين وكان لها دورها الرائد في بناء هذا الوطن قبل غيرها ممّن تربع ويتربع اليوم على إدارة البلاد والعباد. كما دعا إلى ضرورة توسيع القاعدة الأفقية لهذا المجلس ليكون صوتُه مسموعاً لدى أصحاب القرار في رفض كل أشكال التمييز في الهوية الوطنية الحاصلة في ظل الظرف الراهن الذي فيه تُخرق الحقوق على مرأى ومسمع من الجميع.
وتمنّى عدم التعاطي مع مسألة هوية المذهب الذي ينتمي إليه عضو المجلس و لا بأس من الإشارة فقط إلى مكوِّنه العام دون الدخول في التفاصيل.
أمّا السيدة فيحاء البياتي من التركمان فقد أشارت بأسف إلى ما يحصل حالياً على الساحة السياسية العراقية وهو أن الحوت الكبير يسعى لابتلاع السمك الصغير لكونه لا حولَ له ولا قوة. كما حذّرت من سقوط نفرٍ ممّن تمكنوا من تبوّء مواقع في الدولة عبر تمثيل مكوّناتهم، سواءً في مجلس النواب العراقي أو في مجالس المحافظات أو المجالس البلدية، في دائرة الكتل الكبيرة خاذلين بذلك مَن اختارهم ليكونوا العين الساهرة على مصالح جماعاتهم وضمان حقوقها والمدافعة عنها أمام أية خروقات تطالها. كما دعت إلى عقد ندوات تثقيفية في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة للتعريف بطبيعة المكوّنات التي يشكلها المجتمع العراقي وبحقوقها ومشاكلها الكثيرة والمحاولات القائمة لتهميشها واحتوائها من قبل اللاعبين الكبار لإقصائها عن إبداء الرأي في القرار السياسي كما يحصل حالياً في سهل نينوى وكركوك ممّا يتطلب من الجميع التحرّك قبل فوات الأوان لاستدراك محاولات التغيير الديمغرافي الجارية في هاتين المنطقتين المهمتين .
فيما تطرق السيد محمد حسن بك من الشبك إلى ضرورة تكاتف جميع أبناء الأقليات من أجل تكوين رؤى مشتركة واضحة لإنضاج الهدف الذي تأسس مجلس الأقليات بموجبه داعياً إلى التسامي فوق الاختلافات العارضة لإنضاج الحقيقة من أجل التوصل إلى حياة حرة كريمة لجميع العراقيين بمن فيهم الأقليات. وأكد على ضرورة تفعيل المجلس لأنه النبض الحقيقي للمكوّنات الصغيرة من أبناء العراق.
من جهته أشاد السيد نديم فزع من الصابئة المندائيين إلى الدعم الذي حظيت به مطالبة عدد من أعضاء مجلس النواب بضرورة تعيين ممثل للصابئة المندائيين في لجنة تعديل الدستور ممّا يدلّ على الحرص الواضح لتمثيل جميع المكوّنات في هذه اللجنة داعياً إلى التكاتف في العمل المشترك. ولعلّ أهمَّ ما تطرق إليه في معرض حديثه دعوتُه إلى تشكيل اتحادٍ مركزيٍّ لكلّ أقلية تنتمي إلى مجلس الأقليات العراقية من المنظمات والجمعيات الناشطة على الساحة السياسية ليسهل عملُها في تحديد الأولويات المطالِبة بحقوق الأقلية التي تنتمي إليها وفي توحيد الخطاب السياسي.
و عدَّ ذلك خطوة نحو تشكيل لوبي قويّ وثقلٍ سياسيّ يُمكن أن يُحسبَ له حسابٌ في أية ممارسة ديمقراطية أو في اتخاذ القرارات المصيرية.
وقد ثنّى السيد ماجد ثاني من الصابئة المندائيين أيضاً على زميله مؤكداً على ضرورة تأسيس محور يدافع عن الحقوق الأساسية و يسعى إلى تقريب وجهات النظر والدفاع عن المظلوم منها داعياً أيضاً إلى تكثيف الفعّاليات التثقيفية للتعريف بحقوق الأقليات عموماً من خلال تكوين قاعدة بيانات موحدة تساهم في خلق الأجواء التضامنية وفي التنسيق المشترك للمواقف والقرارات.
من جهتها ذكّرت الآنسة جنان صليوا من "الكلدان السريان الآشوريين" بالفعّالية التي أقامتها جمعية آشور بانيبال الثقافية التي ترأسُها في دورتها الحالية من خلال ورشة العمل المقامة فيها قبل أيام و التي تطرّقت إلى موضوع الصراع الطائفي وعلاقته بحقوق الأقليات. وطالبت بضرورة عقد مؤتمر من أجل العراق يتناول حقوق الأقليات ضمن تفاصيله.
أمّا زميلها في الجمعية وليم دنخه أوشانا فقد أشار إلى أن أفضل من طبّق مبادئ الديمقراطية في هذا البلد كان الأقليات عموماً حيث إنهم مارسوا هذه التظاهرة بروحٍ وطنية صافية وبنَفَسٍ عراقيٍّ بحت وليس على أساسٍ طائفي أو مذهبي وهذا ما يفسّر بوضوح خسارة قوائم الأقليات لعدد كبير من ناخبيها في الانتخابات السابقة والذين صوّتوا حسب قناعاتهم للوطنيين وليس لمرشحي قوائم أقلياتهم. وفي ختام حديثه الشيّق، تطرّق السيد أوشانا إلى ضرورة إجراء دراسة عن المدى والمعنى الديمقراطي لدى أبناء الأقليات كي تكون منطلقاً لتصحيح الخطأ الحاصل و من أجل التوجه الصحيح نحو سبيل الديمقراطية الحقيقية و صيانة مبدأ المواطنية في الولاء.
فيما دعا ستار جبار رحمن من الصابئة المندائيين إلى ضرورة أن تسير أنشطة سائر منظمات المجتمع المدني في خط موازٍ وساندٍ للحكومة وأن يكون مجلس الأقليات العراقية إحدى الجهات الداعمة لعمل مجلس النواب العراقي في جهوده لتحقيق العدالة والمساواة لجميع المواطنين دون استثناء أو تمييز. وأشار إلى أمله في فصل عمل منظمات المجتمع المدني عن القيادات والمراجع الدينية كي تكون بمنأىً عن أي تأثير جانبي أو مذهبي أو طائفي ممّا سيعطي مجلس الأقليات دوراً فاعلاً ليكون هو الصوت الموحّد للدفاع عن حقوق جميع الأقليات.
وطالب السيد سميع داؤد سلمان من الصابئة المندائيين أيضاً بضرورة الانتهاء سريعاً من مشروع مراجعة النظام الداخلي للمجلس وإعادة هيكليته في ضوء التوسع الحاصل في قاعدته وفي أنشطته التي تصبّ في مجملها على ركائز أساسية ثلاث وهي الإعلام والثقافة وحقوق الإنسان داعياً إلى تفاعل جدّي مع مؤسسات الدولة المختلفة من خلال فتح مكاتب حيث تقتضي الحاجة إلى ذلك.
وقد اختتم اللقاء بمأدبة غداء أقيمت على شرف الحضور.
لويس إقليمس
30 كانون ثاني 2007