حَدَثَ في مندي مشيغان
بقلم : بشار حربي
( كل ُّ من قال َ إنَّ الشيخ َ بشيخوختِهِ يذهب ، وإنَّ الشابَّ بشبابـِهِ يبقى ، فسيحاسبُهُ الله ) كنزا ربّا
في حادثة غير مسبوقة كما نعلم ، ظهر ضــــــياء بشــــكل ( درفش ) على أحد جدران غرفة الصلاة (البراخة) في مندى مشيغان ، ورُسمَ مخطط آخر للدرفش على صورة الشاب المندائي – المأسوف على شبابه ( مهدي عصام مهدي – مهتم يهانه بر هوّه مماني ) ، في عصر اليوم الثاني من مجلس المواساة الذي أقامته عائلته في مندي الطائفة في ولاية مشيغان في أميركا ، وذلك بتاريخ 22-2- 2006 ، وقد شاهد الحادث هذا العديد من أبناء الطائفة الحاضرين ، وأستطاع أحدهم تصويره بكاميرا هاتفه الشخصي ، ثم طبعه على ورق أبيض ، معلقة إحداها على الجدار الداخلي للمندي في مشيغان حاليا . هذا وقد أشار الذين ألقوا بكلماتهم في جلسة مواساة اليوم الخامس والأربعين لوفاته الى هذه الحادثة ، وحـثّوا الشباب والشابات الى الألتزام بالدين المندائي ، معتبرين أن ما حصل هو إنذار لهم على صدق إنتماءهم الديني .
واليوم ، وبعد مرور سنتين على ماحصل ، والذي للأسف الشديد قد طواه النسيان لدى البعض ، والتشكيك لدى البعض الآخر ، نجد أن الذي يذكر هذه الحادثة ويسترشد بها ، يحار في تفسيرها وهضمها .
وللحق نقول ، أن ظهور درفش من نور بدون أية تأثيرات فيزياوية ، وفي قاعة المندي التي لا تدخلها الشمس إلا بنطاق ضيق ، كما شاهدنا ذلك ، وبمعالم الدرفش الكاملة حتى من أكليل الآس الذي ظهر باللون الأزرق ، ودرفش آخر يُرسم بشكل تخطيط خفيف الظل على صورة الشاب المرحوم حصرا ً والموضوعة بالقرب من كتابنا المقدس ( كنزا ربا ) المكتوب باللغة المندائية ، وبشهادة العديد من الثقاة من المندائيين والمندائيات ، إن كل ذلك ، يشكل ظاهرة جديرة بالدراسة والتحليل ، وهذا ما نحاوله في هذه العجالة .
نبذة عامة عن الدرفش
حيث يعرف المندائيون ، أن الدرفش ( درافشا ) يعني في اللغة المندائية (العَـلم – راية – شعاع - نور) ، وكان العرب الأولون وفي اللغة العربية الميتة ، التي ترقى الى 1000 عام قبل الأسلام – لغة الجاهلية الأولى - يستخدمون نفس اللفظ وبحرف السين ( درافسا ) ، بمعنى ( العلم ) .
وتشير كتب التاريخ والكتب المندائية الى أن أول أستخدام وتوظيف ديني للدرفش ، هو ما فعله نبينا ومعلمنا ( يهيا يهانه ) مبارك أسمه ، ، حيث كان ينصبه على نهر الأردن ، أثناء إجراءه شعيرة التعميد ( الصباغة ) للمندائيين وللراغبين بالدخول الى الديانة المندائية ، ولازال يرفع الى الآن في المناسبات الدينية الكبرى وفي الطقوس المهمة ويمسك به المندائيون تجديدا للعهد بألتزامهم بديانة الرحمة ، كما ينصبه رجال الدين المندائيين حيثما تواجدوا ، كدلالة على إنتمائهم الى الديانة المندائية وإشهاراً لها أمام الآخرين ، ثم أصبح وفي فترة متأخرة يُعلق على صدور المؤمنين والمؤمنات من أبناء ديانتنا السمحاء ، كما يمكن تمييز دار العبادة والمعرفة المندائيــــــــــة ( المندى ) من الدرفش المنصوب فوقها ، وتفنن المندائيون في صناعته من المعادن والحجر الكلس وغيره ، بعد أن كان يُصنع من أخشاب شجر غير مثمر وتـُحاك قطعة القماش البيضاء من صوف الخراف الذكر تحديدا ً . ويعتقد البعض ، وهو إعتقاد خاطيء بالطبع ، أن قطعة القماش هي كناية عن عباءة نبينا (يهيا يهانه ) ، مبارك أسمه ، ويضعها على ذراعي الدرفش المتقاطعين ، كما يعتقد البعض الآخر أن الدرفش ليس إلا تقليدٌ للصليب الذي هو الرمز الديني للمسيحيين .
حقيقة الدرفش
في حين أن الدرفش سابق ٌ في نصبه على نهر الأردن لعملية صلب المسيح وما تلاه من تقديس الصليب الذي صُلب عليه المسيح ، بعد أن عثروا عليه في الحملة الرومانية الكبرى في العام 326 ميلادية ، كما يعرف الجميع أن (سبارتاكوس ) قائد ثورة العبيد في روما ، قد صُلب هو والمئات من أتباعه خارج روما وفي الطرق المؤدية لها على مئات من الصلبان ، وذلك في العام 73 ق.م .
إن الدرفش هو رمز عالم الأنوار ( آلمه دنهورا ) ، ذلك العالم التقي النقي الذي تعيش فيه الملائكة والأثريين وأنفس المؤمنين من العامة ورجال الدين المندائيين ، بعد أن يتوفاها الحي العظيم ، وتلتحق هناك ببارئها وخالقها ، وتشير الكتب المندائية الى أن الدرفش الموجود هناك ، هو ( درفش ضياء ونور ) ، فذلك العالم ، هو عالم أثيري غير مادي ، طاهرٌ غيرُ مدنس ، مرتفعٌ لا دنوَّ فيه ، شفافٌ لا غبش َ يعكره ، مليء ٌ بالتسبيح للحي العظيم .
رمزية الدرفش
يشير الدرفش بتقاطع ذراعيه الى شكل الأنسان واقفا ً وهو يفتح ذراعيه ، كما أنه يشير الى الأتجاهات الأساسية الأربعـــة ( الشمال والجنوب والشرق والغرب ) وأن الحي العظيم هو القلب والنقطة التي تمر بعمودي الراية (أي إن الحي موجودٌ في كل الأمكنة)، ووجود أكليل نبات الآس على رأس الدرفش وفي الشمال منه بالتحديد ، وهو من نباتات عالم الأنوار الأثيرية ، إن ذلك يشير صراحة الى إتجاه الشمال حيث يقع عالم الأنوار في الشمال القاصي من الوجود ، والشمال هو قبلتنا في صلاتنا وفي طقوسنا الدينية ، وكما يقع رأس الأنسان حيث دماغه وعقله في شمال جسده ، فكذلك يقع العقل المدبر للكون في الشمال القاصي حيث مستقر عالم الأنوار . ويشير أكليل الآس أيضا ً الى ( ملكا مندادهيي ) – ربّ المعرفة – الذي وضع المعرفة المندائية في عقل آدم .
والدرفش راية عالم الأنوار المرفوعة من قبل قوى هذا العالم بوجه عالم الأشرار والظلمات ( آلمه دهشوخا ) ، واللون الأبيض للراية يشير الى الضياء الذي يهبه الملاك ( هيبل زيوا ) – واهب الضياء – الى العالم وبه تنوَّر النفوس المندائية ، ويرمز دائما الى إنتصار عالم الأنوار على عالم الظلام ، وهذه هي جدلية الديانة المندائية ، حيث أن النفوس المندائية مضطهدة ولا تنتصر إلا بالمعرفة المندائية .
ما هي دلالات ظهور درفش النور في مندي مشيغان
والآن دعونا نتبصر في المعاني الدينية والرمزية التي تثيرها الحادثة التي أشرنا إليها في بداية مقالنا هذا ، بعيدا ً عن تعلق الأمر بالابن المندائي ( مهدي عصام ) ، ومقدار إيمانه بالديانة المندائية ، حيث يشير أهله وأصدقاءه الى تعلقه برسم شكل الدرفش دائما ً ، وبعيدا ً كذلك عن شخصنة الموضوع ، نشير
أولا ً : إن ظهور الدرفش بهذا الشكل ، هو تجديد للعهد المندائي الذي قطعته نفوس المندائيين للحي العظيم على صيانة ديننا الذي يمثل جذر التوحيد الأول ، وهو مباركة لتلك النفوس الحاضرة الى محراب المندي في مشيغان ، للتبرك بكتابنا المقدس ، وفي جلسة مواساة للنفس المندائية الصاعدة بخشوعها الى حساب ربها .. رب العظمة والعرش العظيم .
ثانيا ً : إن ظهور الدرفش ، يُشير الى شبابنا وشاباتنا ، والمرحوم بعمرهم ، الى أن الحي العظيم يصطفيهم كما يصطفي الكبار ، في الموت الذي لا يُفرِّق ، وعليهم حث ّ الخطى والسعي لنيل رضاه في سلوكهم وفي إلتزامهم بتعاليم ديننا المندائي القويم الذي يوجب على المندائيين معرفة الخالق حق َّ المعرفة ، ليتسنى لهم الأيمان به ، فيأتي حينها الأيمان صادقا ً لا رياء َ فيه .
ثالثا ً : إن الحادثة تمثل مباركة لجهود قلة من المندائيين لا يتجاوز عددهم العشرات ، آثروا أن يقيموا وفي ظروف الغربة الصعبة وبعيدا ً عن موطنهم الأصلي دار معرفة ( مندى ) لعبادة الحي العظيم – هيي قدمايي - ، وليشيروا الى أنفسهم وأهليهم بتميزهم الديني عن محيطهم الأجتماعي الذي يتعاملون معه ، وبالتالي فأن وجود هذا الصرح الديني يتطلب الوصول إليه والتقرب الى الديانة وتعاليمها .
رابعا ً : وتشير الحادثة أيضا ً الى أن الحي العظيم ، غفور ٌ رحيم ٌ بعباده ، ومنهم المرحوم ( مهتم يهانه بر هوّه مماني ) ، فرغم أن البشر خطاؤون ، إلا أن رحمة الحي أوسع من أخطائهم ، ما داموا يلتزمون بإيمانهم ، فالأصل في الدين هو الأيمان .
خامسا ً : لقد مثلت الحادثة محطة ً تاريخية ونفسية هامة في حياة أهل المرحوم ومحبيه والمندائيين الذين شهدوا تلك الحادثة أو من عرفوا بها ، إذ أن ظهور الدرفش قد دق ّ ناقوس الخطر الذي يحيق بالبعض ممن شطّ وأبتعد عن ناصية الدين ، فأهمله أو تجاهله أو أخذته ملذات الحياة الأرضية بعيدا ً عن ذكر الحياة الكبرى والأبدية ، فحقَّ على العوائل أن تديم نور الحي في بيوتها ، وذلك بالمزيد من ذكره والألتزام بتعاليم الدين وتعليمه لأبنائها .
سادسا ً : أرجو أن لايستغرب أحدٌ هذا الأتصال بين عالم الغيب وبيننا ، فالحـــــي مقيمٌ في الفضائل جميعا ً ، وليلة القدر المندائية ( عيد شوشيان ) ، دليل حي على أتصال العالميَن ، فالأرض ( تيبل ) ، هي جزء ٌ من عالم الظلام ( آلمه دهشوخا ) ، والحي العظيم حاكم ٌ آمر ٌ على عالمي الأنوار والظلام .
ولا نريد الدخول الى تفاصيل هذا الموضوع الطويل والطويل جدا ً .
وتـُعدّ هذه الحادثةٌ برأيي من الحوادث الكبرى في تأريخنا المندائي ، وهي رسالة للشعب المندائي المحاصر بمكائد هذا الزمن المادي ، لتعيد إطمئنانه وتجدد ثقته بقدرة الحي العظيمة وبملائكته الحارسين لهذا العالم وتذكيرا بواجباتنا تجاه الحي القدير.
وعليه ، فالحي وهبنا أنفسنا ثم يستعيدها ، وهو قادرٌ على التجلي متى يشاء ، أو أن يوعز الى الملائكة أن يحضروا شدائدنا ومصائبنا بصيغة الرمز أو الأفصاح ، وهو القادر على الأيحاء ،.. هو الذي نشر النور والضياء ويبقيهما الى حين يشاء ، ثم يطويهما كما تـُطوى الصحف ، هو الذي رفع السماء َ والنـُجُف ..هو الذي يسبر ُ أغوارنا ويأخذ ُ بأبصارنا ويحيط ُ بأسماعنا .. له نسمعْ و بذكره نخشع.. هو السميع والشفيع .. هو الأتقان .. هو المنـّّان الديّان ، ولسنا سوى خلقه ، نحبّه ويحبّنا ، .. فليس للأب إلا ّ أن يُحبَّ أبناءه.
( الصدقة ُ والأحسان .. وثبات ُ قلبـِكَ في الأيمان .. ذاك هو زادُك في طريقِكَ إلى الدَّيان . ) كنزا ربّا
والحيُّ المزكـّي
28-Feb-2008