مؤتمر جامعي وتعميد مندائي في برلين
د. قيس مغشغش السعدي
في عام 1853 قصد المستشرق الألماني هنريش بيترمان مدينة سوق الشيوخ في جنوب العراق كي يلتقي المندائيين هناك. عايشهم واطلع على واقعهم ومعاناتهم، شاهد طقوسهم وتعلم قدرا جيدا من لغتهم. وقد وثق بيترمان ذلك بفصلين في كتابه المعروف " رحلة الى الشرق" وفتح بذلك فتحا في ميدان الدراسة الأكاديمية عن المندائية والمندائيين حتى صارت ألمانيا البلد الأكثر إهتماما من حيث عدد الباحثين والكتب والدراسات في هذا الميدان عامة. ولقد سعى بيترمان لترجمة الكتاب المقدس للمندائيين ولكنه عدل عن ذلك لصعوبته وكبر حجمه. وجاء الباحث الفذ ثيودور نولدكه ليضع كتابه قواعد اللغة المندائية عام 1875 فيكون الحجة في دراسة هذه اللغة مع ما يؤخذ عليه أن أمثلته كانت باللغة العبرية. وقد أفاد عالم الساميات البروفسور مارك ليدبارسكي من ذلك في ترجمة الكتاب المقدس للمندائيين " الكنزا ربا " الذي صدرعام 1925 وقبله ترجم كتاب تعاليم النبي يحيى عام 1915 وكذلك كتاب الأنفس " سيدرا إد نشماثا ". كما يشار بشكل قيم الى أعمال البروفسور براندت 1897 عن تاريخ المندائيين. أما البروفسور رودولف ماتسوخ وكان رئيس معهد الدراسات السامية في جامعة برلين الحرة فقد زار المندائيين في إيران وإشترك مع الليدي دراور في وضع القاموس المندائي الوحيد، كما أصدر عدة كتب ودراسات أبرزها كتابه عن اللغة المندائية الكلاسيكية والحديثة عام 1965. ويشار اليوم الى أبرز الباحثين الألمان المعنيين بالدراسة المندائية البروفسور كورت رودولف الذي زار العراق مرتين خلال الأعوام 1967-1973 وله عدة كتب وبحوث في هذا الميدان.
مازالت جامعة برلين الحرة حريصة على دراسة المندائية في معهد الدراسات السامية والعربية الذي يرأسه اليوم البروفسور راينر فوكت. وإحياء لذكرى رحيل الرئيس السابق لهذا المعهد البروفسور ماتسوخ والذي كان معنيا بالمندائية كما أشرنا، فقد تبنى المعهد إقامة مؤتمر دولي عن المندائية كل أربع سنوات.
10-12/10/2008 كان موعد المؤتمر الدولي الثاني الذي عقد في مدينة برلين بمشاركة أساتذة متخصصين وباحثين من جامعات دول عديدة شملت أمريكا، بريطانيا، الدنمارك، النرويج، لبنان، العراق، إضافة الى ألمانيا. كانت الكلمة المفتاح للبروفسور كورت رودولف ( 80 عاما ) الذي إستعرض جوانب متعددة عن المندائية والمندائيين بضمنها واقعهم الراهن بالإستناد الى متابعته المستمرة في هذا الميدان.
وما يسعد المندائيين حقا، هو ذلك الحضور والإهتمام والحرص على دراسة الديانة وأتباعها وكيانها والبحث في الأصول والعقيدة والتراث والوجود وسبل المحافظة على البقاء. وقد برز ذلك من خلال تلهـف جميع الحاضرين لمعرفة واقع المندائيين اليوم وظروفهم في العراق وإيران من جهة وتوزعهم في بلدان المهجر من جهة أخرى. وما يحزن بالمقابل ، أنه في الوقت الذي يجد المندائيون مثل هذا الإهتمام في بلدان المهجر، فإن هنالك من لفظهم من وطنهم الأم العراق حتى يكاد هذا الوطن أن يقـفـر منهم وهم غرسه الأول.
كان مبحثنا في المؤتمر عن الرسومات والإيكونوغرافيا في الأدب المندائي ، وقد عززنا موروثنا المندائي المدون في الكتب بإقامة أول معرض للخط والتشكيل المندائي حيث تم عرض (40) عملا حاكى بعضه التراث بروح معاصرة. أما الخطوط فقد قدمت بتشكيلات فنية حديثة مؤسسة على تشكيل الحرف المندائي بمفرده وضمن الكلمة والعبارة بالإستفادة من إمكانية الربط والتشكيل. لقد كان المعرض مثار إهتمام المشاركين مشيدين بهذا التواصل والربط بين الماضي والحاضر.
وكان التعميد المندائي من أبرز علامات هذا المؤتمر. فقد قمنا بالتعاون مع إدارة معهد الدراسات السامية بالتخطيط لإجراء أول تعميد مندائي في العاصمة الألمانية برلين، وقد خاطبنا رجل الدين المندائي الربي الترميذا رافد عبد الله السبتي الذي حضر من هولندا لهذا الغرض.
في حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 12/10 كان الموعد عند إحدى البحيرات في مدينة برلين، وهي مصب عدد من الأنهر الجارية. إلتقى هناك الصوت المندائي مع الماء الحي ينادي باسم الحي العظيم ويقيم الصلوات باللغة المندائية لفظا ونغمة وسط إنصات مطبق ومتابعة للقراءة من قبل الأساتذة والمتخصصين الذين حرص أغلبهم على الحضور. بعد ذلك دخل رجل الدين الماء حد ركبتيه، أكمل قراءاته ثم نادى على المندائيين اللذين إستعدا لإجراء طقس التعميد بلباسهما الأبيض المعروف " الرستا ". دخلا الماء تباعا، إرتمسا فيه إرتماسا كاملا ورجل الدين يقيم الطقس بقراءاته في الماء. خرجا من الماء وسط إعتزاز الحاضرين ذلك أن درجة الحرارة خارج الماء كانت بين 8-10 درجات، ولا شك أن الماء أبرد، ومع ذلك فلم يرتجف المتعمدان.
أ ُكمل طقس التعميد والجميع يتابعه خطوة خطوة، ذلك أن أغلب الأساتذة الحاضرين كانوا قد قرأوا عنه وناقشوا إجراراته وربما رأوا صورا له، ولكنهم لم يعيشوا أحداثه عن قرب. وكم كان إعتزازهم حينما جاءوا يشكروننا مرتين: الأولى لأننا وفرنا لهم فرصة الإطلاع على التعميد كما هو أزلي، والثانية أننا تحملنا برودة الماء من أجل أن يجري التعميد أمامهم حسبما قالوا.
رمينا إكليل الآس في الماء وودعنا الماء الحي بعد الدعاء الى الحي العظيم خالقه وخالقنا بأن يحفظ المندائيين أينما كانوا، وأن يساعدهم في الحفاظ على وجودهم وعقيدتهم الإيمانية ورسمهم العتيد، وأن يمن على من بقي منهم في العراق العزيز بالأمان ، وأن يُرعـَون من قبل شعبنا العراقي وحكومته بالحنان، فقد مَـنّ َ الله على النبي يحيى بن زكريا ( ع )، آخر أنبياء الصابئة المندائيين، بالحنان بقوله تعالى:" يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا، وحنانـــا من لدنا وزكاة وكان تقيا " سورة مريم 12، 13.